مصادر الفكر
السياسي كثيرة ولا يمكن أن تحصى عدداً، وأول مصدر للفكر السياسي الإسلامي هو
القرآن الكريم، ومن بعده كتب الصحاح، ثم كتب العقائد والفقه والتفسير، حيث نجد
فيها مباحث الامامة، الحقوق، الحدود، البغاة وأهل الذمة، القضاء، الخراج إلى آخره
من الموضوعات السياسية، ويأتي بعد هذه المصادر في الأهمية، كتب التأريخ والتراجم
وكتب الأدب والبلاغة التي تتضمن وصفاً لأحداث سياسية مرت في التاريخ الإسلامي.
وبعد هذه المصادر
الرئيسية، تأتي مصادر أخرى كتبها علماء مجتهدون استندوا في دراساتهم على الأصول
الأولى من القرآن والسنة. وحاولوا من خلال بحثهم أن يستنبطوا أفكاراً سياسية تحقق
لهم أغراضهم التي وضعوا كتبهم من أجلها. فبعضهم حاول أن يستنبط نظرية سياسية من
المصادر الأولى والبعض حاول أن يُقدم دراسة شافية للسلطان كي يتمكن من إدارة دفة
الأمور. والبعض حاول أن يقدم من خلال دراسته رؤية عن المشاكل السياسية التي تعاني
منها الأمة، وطرق معالجتها، والبعض الآخر جاء على ذكر المواضيع السياسية عرضاً.
ولاريب إن أكثر مَن كتبوا في هذه الموضوعات تأثروا بخطب الإمام علي(عليه السلام)،
وقسم كبير منهم جاؤوا على ذكر هذه الخطب في مواطن الاستشهاد، والذي يهمنا هو أن
نتناول هذه المصادر لاعتبارين، الأول، إن أغلب أصحاب هذه التأليفات هم من
المجتهدين القادرين على الاستنباط، وفي موارد الاستنباط كلمات وخطب الإمام أمير
المؤمنين. والإعتبار الثاني؛ إن هذه الكتب هي المصادر الرئيسية التي بين أيدي الدارسين
والباحثين في الفكر السياسي الإسلامي، والتي لا يمكن لأي كاتب أو باحث في الفكر
السياسي الاستغناء عنها.
وسنتناول اثر نهج
البلاغة على هؤلاء المؤلفين بحسب التسلسل التأريخي.
عبد الله بن المقفع: متوفى سنة 142هـ:
من أئمة الكتّاب،
وأول من عني في الإسلام بترجمة كُتب المنطق. ترجم له، ابن النديم في الفهرست،
ذاكراً اسمه بالفارسية روزبه، ويكنى قبل إسلامه أبا عمرو، فلما اسلم اكتنى بأبي
محمد، وكان يكتب لعيسى بن علي الوالي على كرمان، ويذكر من كتبه الأدب الصغير
والأدب الكبير.
عند التفحص في
كتابه الشهير ((الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة الصحابة)) نلاحظ تأثره البالغ
بالإمام علي بن ابي طالب(عليه السلام)، حتى إنه اعتاد على نقل نصوص من خطب الإمام
دون أن يذكر اسم الإمام، وما ذلك إلا تخفيفاً من السلطات العباسية التي كان يعمل
موظفاً لديها. وقد أشار إلى ذلك دون أن يُدلي بما هو أكثر فذكر في الأدب الصغير.
وقد وضعت في هذا
الكتاب من كلام (الناس) المحفوظ حروفا [1].
فمن هم هؤلاء الناس
يا ترى؟ يذكر صاحب مقدمة الكتاب وهو يوسف أبو حلقة:
فيرى (أي ابن
المقفع) أن البناء الأول في النثر العربي الأدبي الفني كان عند أمير المؤمنين
الإمام علي في نهج البلاغة [2].
كما ويشير إلى ذلك،
محمد كرد علي في ترجمته لحياة ابن المقفع:
وقيل أنه تخرج في
البلاغة بخطب علي بن أبي طالب [3].
فهل كان الإمام
علي(عليه السلام) هو مثله الأعلى في الحكم والسياسة كما هو في الأدب؟
الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة
الصحابة ((الدرة اليتيمة))
[4]:
يحاول ابن المقفع
ومن خلال كتاباته أن يرسم نظرية سياسية. فالاتجاه السياسي هو الغالب على كتاباته،
وحتى القسم الذي ترجمه من الفارسية الغالب عليه الجانب السياسي. ومن كتبه الشهيرة
الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة الصحابة التي طبعت في كتاب واحد، وتضمنت مجموعة
نثرية جاءت في صياغتها على نسق رسائل الإمام علي(عليه السلام) الخاصة في ولاته،
ووصاياه إلى أبنائه. وبالرغم من أنه لم يذكر اسم الإمام في كتابه مطلقاً، إلا أنه
أخذ من الإمام الكثير من أقواله وخطبه.
وهذه نماذج عما
نقله في ((الأدب الصغير والأدب الكبير)).
يقول في ص 49: ومن نصب نفسه للناس إماماً في
الدين فعليه بتعليم نفسه وتقديمها في السيرة والطعمة.
وهي مأخوذة من كلمة الإمام علي(عليه السلام): من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه [5].
ويقول ابن المقفع في ص52: ثم على الملوك بعد ذلك تعهد عمالهم وتفقد أمورهم
حتى لا يخفى عليهم إحسان محسن ولا إساءة مسيء… وهذا أيضاً مأخوذ من الإمام
علي(عليه السلام)، من رسالته إلى مالك الأشتر: ولا يكن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل
الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة [6].
ويقول في ص 53:
والدنيا دول، فما كان منها لك أتاك على ضعف، وماكان عليك لم تدفعه بقوتك.
وهي عبارات نقلها ابن المقفع من أمير
المؤمنين(عليه السلام):
وإن الدنيا دار
دول، فما كان منها لك أتاك على ضعفك، وماكان منها عليك لم تدفعه بقوتك [7].
وجاء في الصفحة 62:
العجب آفة العقل، واللجاجة معقود الهوى؛ وهو قريب لكلام أمير المؤمنين(عليه
السلام):
عجب المرء بنفسه
أحد حساد عقله [8].
ويذكر في الصفحة
84: الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتكرار النظر وبتحصين الأسرار.
وهو كلام منقول
نصاً للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام):
الظفر بالحزم،
والحزم بإجالة الرأي، والرأي بتحصين الاسرار [9].
ويقول ابن المقفع
في الصفحة 89؛ سمعتُ العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن
الخلق، ولا غنى كالرضى.
وهو أيضاً مستمد من
كلام أمير المؤمنين(عليه السلام):
لا مال أعود من العقل، ولا وحدة أوحش من العجب
ولا عقل كالتدبير، ولا كرم كالتقوى، ولا قرين كحسن الخُلق. ولا ميراث كالأدب، ولا
قائد كالتوفيق، ولا تجارة كالعمل الصالح.. إلى آخر الخطبة [10].
ويورد على الصفحة 46 من الأدب الصغير؛ وعلى العاقل _ ما لم يكن مغلوباً
على نفسه_ أن لا يشغله شغل عن أربع ساعات: ساعة يرفع فيها حاجته إلى ربه، وساعة
يحاسب فيها نفسه، وساعة يُفضي فيها إلى إخوانه وثقاته الذين يصدقونه عن عيوبه،
وينصحونه في أمره، وساعة يُخلي فيها بين نفسه وبين لذَّاتها مما يحل ويحمل. وقد
استوحى هذه الجمل من كلام أميرالمؤمنين(عليه السلام)؛ للمؤمن ثلاث ساعات، ساعة يُناجي فيها ربه، وساعة يُرمّ معاشه، وساعة يخلي
بين نفسه وبين لذاتها [11]. وجاء في نهاية الأدب الكبير أو
((الدرة اليتيمة)):
إني مخبرك عن صاحب،
كان أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما أعظمه عندي، صغر الدنيا في عينه، كان خارجاً
من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد ولا يُكثر إذا وجد، وكان خارجاً من سلطان فرجه
فلا يدعو إليه مروءته، ولا يستحق رأياً ولا بدناً وكان خارجاً من سلطان الجهالة
فلا يقدم إلا على ثقة أو منفعة، وكان أكثر دهره صامتاً فإذا قال بذّ القائلين، كان
يُرى متضعفاً مستضعفاً فإذا جاء الجد فهو الليث عادياً. وكان لا يدخل في دعوى ولا
يُشرك في رأي ولا يدلي بحجة حتى يجد قاضياً عدلاً وشهوداً عدولاً، وكان لا يلوم
أحداً على ما قد يكون العذر في مثله حتى يعلم ما اعتذاره. وكان لا يشكو وجعاً إلا
من يرجو عنده البرء، ولا يصحب إلا مَن يرجو عنده النصيحة. وكان لا يتبرم ولا يتسخط
ولا يتشهى ولا يتشكى فهو لا ينتقم من الولي _ ولا يغفل عند العدو، ولا يخص نفسه
دون إخوانه بشيء من اهتمامه وحيلته وقوته [12].
وهذا الكلام مستوحى
أيضاً بكامله من خطبة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) مطلعاً:
كان لي فيما مضى
أخ في الله، وكان يعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه.. إلى آخر
الخطبة [13]. نكتفي بهذا القدر من هذه الاقتباسات
التي قام بها ابن المقفع من خطب وكلمات الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام)، وقد
لاحظنا كيف أنه ينقل كلاماً للإمام مع بعض التغيير الطفيف وفي بعض المرات دون أدنى
تغيير، وقد دفع هذا النهج ببعض الكتّاب إلى تصورات خاطئة بعيدة عن الواقع. فقد
تصور الأستاذ محمد كرد علي إن الشريف الرضي أخذ كلامين لابن المقفع هما (وعلى
العاقل.. الخ) و(إني مخبرك عن صاحب .. الخ) إن نسبهما للإمام أميرالمؤمنين(عليه
السلام):
نورد تعليقه على
كلام ابن المقفع (إني مخبرك.. الخ).
وقد أورد الرضي في
نهج البلاغة هذا الوصف ونسبه إلى أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب بتحريف وزيادة [14].
ثم يستنتج بعد ذلك
قائلاً:
ونرجح أن عزو هذا
الكلام إلى علي بن أي طالب أو إلى الحسن بن علي، هو من فعل من أضافوا على كلام
أمير المؤمنين ما ليس منه سامحهم الله [15].
ثم يشير إلى نفس
الملاحظة عند تعليقه على الكلمة الثانية لابن المقفع (وعلى العاقل… الخ) فيقول:
ومن ذلك ما نسبه
لعلي وهو لابن المقفع ((للمؤمن ثلاث ساعات يناجي بها ربه… الخ)) [16]. ولمناقشة الأستاذ محمد كرد علي نورد هذه الملاحظات:
1ـ خلط الأستاذ
محمد كرد علي بين ما هو مذكور في نهج البلاغة وما هو مذكور في الأدب الصغير، فـ
((للمؤمن ثلاث ساعات يناجي بها ربه..)) هو كلام اميرالمؤمنين في نهج البلاغة، أما
كلام ابن المقفع فهو ((وعلى العاقل.. الخ)).
2ـ هناك فرق ملموس
بين ما أورده الشريف الرضي وبين ما جاء في الأدب الصغير، والأدب الكبير، فقد بدأ
ابن المقفع بعبارة ((إني مخبرك عن صاحب كان أعظم .. الخ)) و((على العاقل..)) وهما
في نهج البلاغة بشكل آخر هو ((كان لي فيما مضى أخ في الله…)) و((للمؤمن ثلاث
ساعات..)) كما مرسلفاً.
3ـ هناك نصوص كثيرة
ذكرنا قسماً منها أوردها ابن المقفع وهي من كلمات أميرالمؤمنين(عليه السلام) ولم
يُغير فيها ابن المقفع أي تغيير، فماذا يقول محمد كرد علي في هذه النصوص هل نقلها
الشريف الرضي عن ابن المقفع أيضاً.
4ـ ذكر ابن المقفع
في بداية الأدب الصغير، أنه وضع هذا الكتاب من كلام الناس، ولم يذكر اسم الذين نقل
عنهم، وطبعاً على رأسهم كما عرفنا الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام).
5ـ أقرّ الأستاذ
محمد كرد علي بهذه الحقيقة أيضاً عندما ذكر في كتابه أمراء البيان، وقيل إنه تخرج
في البلاغة بخطب علي بن أبي طالب.. ثم يقر ذلك في النتيجة النهائية التي ينتهي
إليها:
وما نخال ذلك
كافياً في بلوغ الغرض لقلة المأثور من تلك الخطب يومئذ.
فالأستاذ محمد كرد
علي يقلل من تأثير خطب الإمام علي(عليه السلام) في ابن المقفع بحجة إنها غير كافية
أو متوفرة بشكل كاف حتى يتخرج عليها أديب كبير كابن المقفع.
ولو كان الأستاذ
كرد علي قد اطلع على رأي المسعودي في مروج الذهب حيث أشار إلى حفظ الناس لخطب
الإمام [17]
وقد بلغ عدد الخطب التي حفظها الناس أكثر من أربعمائة وثمانين خطبة. وهذا يكفي
للدلالة على صحة نظرية القائلين بأن ابن المقفع تخرج على خطب الإمام(عليه السلام).
6ـ عندما ندقق في
كلام أمير المؤمنين (ليس للعاقل .. الخ) نجد أنه ورد في كتاب المحاسن بسنده عن
الأصبغ بن نباتة المتوفى سنة 100 للهجرة [18] أي قبل أن يولد ابن المقفع بست سنين، وهذا ما يؤكد لنا أن النص هو
للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وليس لابن المقفع أي دور سوى نقل هذا النص كما
هو عادته في نقل نصوص أخرى للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).
أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى
سنة 255 للهجرة:
كبير أئمَّة الأدب،
ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة [19]. مولده ووفاته في البصرة، فلج في آخر عمره، وكان مشوّه الخلقة
ومات والكتاب على صدره، قتلته مجلدات من الكتب وقعت عليه. له تصانيف في كل فن، له
مقالة في أصول الدين، ومن أحسن تصانيفه وأمتعها الحيوان، وكذلك البيان والتبيان [20].
وبحكم اهتمام
الجاحظ بالأدب والبلاغة فقد تأثر بخطب وكلمات الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)،
حتى أنه ألف مجموعة اختار فيها مائة كلمة لأمير المؤمنين، اختار الشريف الرضي جملة
منها وأثبتها في النهج [21].
روى ذلك الخطيب الخوارزمي بسنده عن أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد، قال: قال أبو
الفضل أحمد بن أبي طاهر صاحب أبي عثمان الجاحظ: كان الجاحظ يقول لنا زماناً: إن
لأمير المؤمنين(عليه السلام) مائة كلمة، كل كلمة منها تعني بألف كلمة من محاسن
كلام العرب، قال: وكنت أسأله دهراً بعيداً أن يجمعها لي، ويمليها علي، وكان يعدني
بها، ويتغافل عنها،ظناً بها، قال: فلما كان آخر عمره أخرج جملة مسودات مصنفاته
فجمع منها تلك الكلمات وأخرجها إلي بخطه، فكانت الكلمات المائة هذه [22] وقد أورد الجاحظ كلمات الإمام أمير المؤمنين في جميع كتبه، البيان
والتبيين، الحيوان، والمحاسن والأضداد، التاج.
1ـ المحاسن
والأضداد [23]:
وهو يشتمل على
موضوعات متنوعة تصب في هدف المؤلف من تأليفه، وهو أبراز الفضائل والرذائل في كل
صنف من صنوف الصناعات، وفي كل طبقة من طبقات المجتمع.
يقول الجاحظ عن
كتابه في المقدمة:
وجملة الكتاب وإن
كثر ورقه فليس مما يحل، لأنه وإن كان كتاباً واحداً، فأنه كتب كثيره في خطابه
والعلم بالشريعة والأحكام والمعرفة بالسياسة والتدبير [24].
ويتضمن الكتاب جملة
موضوعات أخلاقية منها ما يتعلق بحكام البلاد مثل محاسن المشورة وضده، محاسن
الولايات وضده ، محاسن الشجاعة وضده، محاسن حب الوطن وضده، محاسن الدهاء والحيل
وضده.. إلى آخره.
ولا يُخفي الجاحظ
تأثره بخطب الإمام امير المؤمنين(عليه السلام) سواءاً ذكر اسمه في طيات في كتبه أو
لم يذكره.
وفي فصل محاسن
المودة ينقل هذه الوصية للإمام أمير المؤمنين [25]. إلى ولده الحسين(عليه السلام): إبذل لصديقك كل المودة ولا تطمئنَّ إليه كل
الطمأنينة، وأعطه كل المواساة ولا تفشي اليه كل الأسرار [26].
ثم يذكر موقف
الإمام علي(عليه السلام) من معاوية عندما اتصل به مسير معاوية فقال: لا أرشد إليه
قائدة، ولا أسعد رائده، ولا أصاب غيثاً، ولا سارإلا ريثاً، ولا رافق إلا ليثاً،
أبعده الله وأسحقه وأوقد على أثره وأحرقه، لاحطَّ الله رحله، ولا كشف محله، ولا
بشر به أهله، ولا زكي له مطلب، ولا رحب له مذهب، ولا يسر له مراحاً، ولا فرّج الله
له غمه، ولا سرى همه، لا سقاه الله ماء، ولا حل عقده، ولا اروى زنده، وجعله الله
سفر الفراق وعصى الشقاق [27].
وحول محاسن الدنيا
نقل هذا الكلام لأمير المؤمنين(عليه السلام).
الدنيا دار صدق
لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها إلى آخر الخطبة [28].
ثم يذكر الجاحظ،
عندما دخل علي صلوات الله عليه المدائن, فنظر إلى إيوان كسرى أنشد بعض أصحابه
شعراً (وذكر الشعر) .. فقال علي صلوات الله عليه: أبلغ من ذلك (يعني الشعر) قول
الله تعالى: ) كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام
كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوماً آخرين، فما بكت عليهم السماء
والارض وماكانوا منظرين( [29].
2ـ كتاب الحيوان: [30]
وهو يتناول
الحيوانات وما يرتبط بها من أدب، وأخبار، وروايات، ويحاول الجاحظ أن يستنبط من
حياة الحيوان العبر التي تنفع الإنسان في مجالات حياته المختلفة.
وذكر الجاحظ في هذا
الكتاب الكثير من كلمات الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) لا مجال لذكرها جميعاً
لتنوع أبوابه، لكننا نأخذ بعض ما يهمنا في الفكر السياسي. فحول إمارات النباهة،
يذكر ما يلي:
وكان يُقال يُستدل
على نباهة الرجل في الماضين بتباين الناس فيه، وقال: ألا ترى أن علياً رضي الله
عنه، قال: يهلك فيّ فئتان، محب مفرط، ومبغض مفرط. وهذه صفة أنبه الناس وأبعدهم
غاية في مراتب التدين وشرف الدنيا [31].
ومن مشتقات البيضة، يذكر هذه الكلمة للإمام علي(عليه السلام): أنا بيضة البلد [32].
وحول استعارات
اليعسوب، وهو فحل النحل يستشهد بكلام الإمام قائلاً:
وكما قال علي بن أي طالب رضي الله عنه، في صلاح الزمان وفساده، ((ماذا كان ضرب يعسوب الدين بذنبه)) [33].
وللجاحظ بالإضافة
إلى هذين الكتابين، كتاب التاج في أخلاق الملوك، وهو كتاب أخلاقي سياسي كتبه على
نسق وصايا أمير المؤمنين(عليه السلام) لولده الحسن، وقد جمع فيه جملة أفكار
استعارها من كلمات وحكم الأولين ومنهم أمير المؤمنين(عليه السلام) [34].
أبو جعفر البرقي المتوفى سنة 274 أو سنة
280:
هو أبو جعفر أحمد
بن محمد البرقي، ذكره الطوسي قائلاً:
أصله كوفي، وكان
جده محمد بن علي حبسه يوسف بن عمر، والي العراق بعد قتل زيد ابن علي بن
الحسين(عليه السلام)، ثم قتله، وكان خالد صغير السن فهرب مع أبيه عبد الرحمن إلى
برقة قم فأقاموا بها، وكان ثقة في نفسه، غير أنه أكثر الرواية عن الضعفاء واعتمد
المراسيل، وصنف كتباً كثيرة منها المحاسن وغيرها [35].
وذكر ابن النديم،
باسم آخر هو أبو عبد الله محمد بن خالد البرقي، وذكر أنه من أصحاب الرضا، وذكر
كتبه: كتاب العويص، كتاب التبصرة، كتاب المحاسن، كتاب الرجال، وفيه ذكر من روى عن
أمير المؤمنين(عليه السلام) [36].
كتاب المحاسن [37].
الكتاب كما قيّمه
المصحح السيد محمد صادق بحر العلوم في المقدمة:
إن كتابه هذا كان
مرجعاً لعلماء التأريخ، والجغرافية والتراجم، كما كان مرجعاً لعلماء الحديث.
والكتاب يتضمن
موضوعات سياسية، مثل الغمامة، والولاية، والعدل، ويضم كتاب مصابيح الظلم على
موضوعات من قبيل البدع، إظهار الحق، ويضم كتاب الصفوة والنور والرحمة على موضوعات
من قبيل البدع، إظهار الحق، ويضم كتاب الصفوة والنور والرحمة على موضوعات الولاية،
والمؤمن وصفاته الأساسية وهي المعرفة والحب اللتان لهما طابعاً سياسياً. وفي كتاب
عقاب الأعمال يُبين بعض الموضوعات المتعلقة بموقف الإنسان مثل عقاب من شك في علي،
عقاب مَن أنكر آل محمد، عقاب مَن لم يعرف إمامه، عقاب مَن اتخذ إمام جور، عقاب من
نكث صفقة الإمام، والكتاب يتضمن الكثير من كلمات أمير المؤمنين(عليه السلام)، بل
عدّهُ العلامة عبد الزهراء الخطيب
من مصادر نهج البلاغة [38]، حيث اعتمد عليه في الكثير من الكلمات
القصار.
وأورد البرقي كلمات
الإمام في الموضوعات السياسية بالإضافة إلى الموضوعات الأخرى فذكر في الصفحة 72 عن
الإمام أنه قال: ثلاث موبقات، نكث الصفقة، وترك السنة، وفراق الجماعة.
وأورد في كتاب
مصابيح الظلم (من المحاسن) كلام أمير المؤمنين(عليه السلام):
أيها الناس لا
تستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فإن الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير،
وجوعها طويل [39].
نكتفي بهذا القدر
القليل لان ما ورد في الكتاب كثير من كلمات الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بل
نستطيع أن نجزم أن الكتاب كله تقريباً هو من كلمات أمير المؤمنين(عليه السلام). أو
كلمات أبنائه الأئمة من أهل البيت (علیهم السلام).
أبو محمد عبد الله بن قتيبة المتوفى سنة
276 هـ:
عبد الله بن مسلم
بن قتيبة الدنيوري، عالم مشارك في أنواع من العلوم، كاللغة والنحو وغريب القرآن
ومعانيه، وغريب الحديث، والشعر، والفقه، والأخبار، وأيام الناس، وغير ذلك. سكن
بغداد وحدّث بها، وولي القضاء في دنيور. وتعتبر كتب ابن قتيبة من المصادر المهمة
لنهج البلاغة. وتتجلى الأغراض السياسية في كتابين للمؤلف هما عيون الأخبار،
الإمامة والسياسة.
1ـ.عيون ألاخبار [40]:
حقاً يُعتبر هذا
الكتاب من المصادر السياسية، لأنه اشتمل على موضوعات سياسية متنوعة خصص المؤلف
الجزء الأول من الكتاب لموضوع السلطان الجزء الثاني للحرب، وذكر المؤلف في الجزئين
حكايات وكلمات وحكم لا يمكن أن يستغني عن مراجعتها كل باحث في الفكر السياسي
الإسلامي. فحول الإصابة بالظن والرأي يذكر كلام أمير المؤمنين(عليه السلام):
إنه لينظر إلى
الغيب من ستر رقيق [41]
وهو في الأصل لله در ابن عباس إنه.. الخ.
وفي فصل خيانات
العمال، يذكر كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) عندما كان يدخل بيت المال ويقول يا
حمراء ويا بيضاء، أحمري وأبيضي وغري غيري [42].
ويواصل كلامه حول
خيانة الولاة، فينقل رسالة من الإمام إلى أحد ولاته بعد أن ظهرت منه الخيانة وهي؛
إني أشركتك في
أمانتي، ولم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب،
والعدو قد حرب قلبت لابن عمك ظهر المجن، فرقته مع المفارقين.. الخ [43].
ويرى ابن قتيبة إن
الوالي المقصود هو ابن عباس، بينما يرفض آخرون ذلك منهم ابن أبي الحديد، وسنتناول
هذا الموضوع في مكان آخر.
وفي فصل آداب الحرب
ومكائدها ينقل رواية طويلة عن ابن عباس يصف بها أمير المؤمنين يوم صفين قائلاً:
ما رأيت رئيساً
يوزن به، لرايته يوم صفين وكأن عينيه سراج سليط وهو يحمس أصحابه، إلى أن انتهى إلي
وأنا في كثيف، فقال: معشر المسلمين استشعروا الخشية وعنوا الأصوات وتجلببوا
السكينة وأكملوا اللوم وأخفوا الخون، وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل السلة والحظوا
الشزر وأضعنوا النبر، ونافحوا بالضبا وصِلوا السيوف بالخُطا والرماح بالنبل،
وامشوا إلى الموت مشياً سجحاً، وعليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنب، فاضربوا
شبجه، فإن الشيطان راكد في كسر نافج خصيبة مفترش ذراعيه قد قدم للوثبة يداً وآخّر
للنكوص رجلاً [44].
ومن تعاليمه في
الحرب يذكر ابن قتيبة، قوله لابنه الحسن:
يا بني لا تدعون
أحداً إلى البراز، ولا يدعونك أحد إليه غلا أجبته فإنه بغي [45]. وفي العدة والسلاك يذكر هذه الكلمة للإمام علي في السيف:
السيف أنمى عدداً
وأكثر ولداً [46].
ثم يذكر إن درع علي
(رضي الله عنه) صدراً لا ظهر لها فقيل له في ذلك فقال:
إذا استمكن عدوي
من ظهري فلا يُبق [47].
وفي فصل آداب
الفروسية يذكر هذه الكلمة للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).
عضواً على
النواجذ من الاضراس، فإنه أنبى للسيوف عن الهام [48].
وفي فصل أخبار الجبناء،
فيذكر كلمة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في عمرو بن العاص:
عجباً لابن
النابغة، يزعم أني تلعابة، أعافس، وأمارس، أما وشر القول أكذبه.. إلى آخر الخطبة [49].
وفي فصل الحيل في
الحروب وغيرها، يذكر ابن قتيبة:
أرسل علي بن أبي
طالب رضي الله عنه عبد الله بن عباس لما قدم البصرة فقال:
إئت الزبير ولا
تأتِ طلحة، فإن الزبير ألين وأنت تجد طلحة كالثور، عاقصاً قرنه، يركب الصعوبة
ويقول هي أسهل، فاقرأه السلام وقل له يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز، وأنكرتني
بالعراق، فما عدا مما بدا [50].
وفي فصل ذكر
الأمصار، ذكر خطبة الإمام علي(عليه السلام) حين دخل البصرة:
يا أتباع البهيمة
ويا جند المرأة، رّغا فأجبتم، وعُقر فانهزمتم، دينكم نفاق وأخلاقكم رقاق وماؤكم
زُعاق.. الخ [51]. وللإمام كلام آخر في أهل البصرة
سنورده في مكانه إن شاء الله تعالى.
2ـ. الإمامة والسياسة [52]:
ويتضمن الكتاب
الوقائع التأريخية من بداية الخلافة الراشدة حتى نهاية حكم الرشيد عام 195هـ .
ولذا يسمى أيضاً بـ (تاريخ الخلفاء). ويتسم الكتاب بالسمة السياسية لأنه يُركز على
الأحداث السياسية الهامة وما دار في تلك الحقبة من التاريخ الإسلامي من حوادث
وصراعات سياسية، فقد ذكر المؤلف في نهاية الجزء الثاني؛ قد تم بعون الله تعالى ما
به ابتدأنا، وكمل وصف ما قصصنا من أيام خلفائنا وخير أئمتنا، وفتن زمانهم، وحروب
أيامهم، وانتهينا إلى أيام الرشيد [53].
وقد اشتمل الجزء
الأول من الكتاب على العشرات من كلمات الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) (خطبه –
رسائله – كلماته الغريبة – حكمه القصار) واتخذه صاحب كتاب مصادر نهج البلاغة
مصدراً لكتابه [54].
ولكثرة ما ورد في
الكتاب من خطب الإمام علي(عليه السلام)، اكتفيت بالإشارة إلى تلك الخطب مع أرقام
الصفحات، فهي تكفي للدلالة على أثر خطب الإمام علي(عليه السلام) في هذا الكتاب.
كلام الإمام علي
حول الخليفة عمر ص2.
محاورة الإمام علي
بن أبي طالب مع العباس بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ص4.
قول الإمام علي حول
الزبير ص10.
كلامه أثناء بيعته
لأبي بكر ص11.
احتجاج الإمام علي
على المهاجرين ص12.
السبب الذي دفع
بالإمام علي لعدم المشاركة في السقيفة ص12.
محاورة الإمام علي
مع الخليفة عمر وإجباره على المبايعة ص13.
كلامه أثناء بيعته
للخليفة أبي بكر ص14.
محاورة الإمام علي
مع عبد الرحمن بن عوف حول الخلافة بعد وفاة الخليفة عمر ص26.
رد الإمام علي على
معاوية بن أبي سفيان في مجلس عثمان ص30.
إقامة الإمام علي
الحد على الوليد بن عقبة، وكلامه في ذلك ص34.
طلب الإمام علي من
الخليفة عثمان إقالة ابن أبي سرح من عمله ص36.
محاورة بين الإمام
علي والخليفة عثمان حول كتاب كتبه إلى عبد الله بن أبي سرح ص40.
خطبة للإمام
علي(عليه السلام) قبل البيعة ص46.
كتاب الإمام
علي(عليه السلام) إلى معاوية ص46 – 49.
محاورة بين الإمام
علي(عليه السلام) والمغيرة بن شعبة ص50.
خطبة الإمام علي
بعد البيعة ص 50 – 51.
محاورة بين الإمام
علي وطلحة والزبير حول البيعة ص51.
جواب الإمام علي لابن
عباس عندما اقترح عليه تولية طلحة والزبير ص52.
جواب الإمام
علي(عليه السلام) لعمار بن ياسر بعد محاولاته لتغيير مواقف بعض الصحابة من البيعة
ص53 – 54[.
كتاب الإمام علي
إلى أخيه عقيل ص55 – 56.
كتاب الإمام علي
إلى طلحة والزبير ص70.
كتاب علي(عليه
السلام) إلى الأحنف بن قيس ص71.
كلام الإمام علي
لطلحة والزبير قبل القتال ص71 – 72.
تذكير الإمام علي
الزبير بمواقفه السابقة ص72.
مخاطبة الإمام علي
لطلحة بين الصفين ص 74 – 75.
حديثه لعبد الرحمن
بن أبي بكر قبل القتال ص75.
محاوراته(عليه السلام)
أثناء القتال يوم الجمل، ص76 – 77 – 78 – 79.
محاورته(عليه
السلام) مع عقيل عندما أظهر الحاجة ص80.
كتاب الإمام علي
إلى معاوية بعد معركة الجمل ص82.
وصية الإمام علي
إلى ابن عباس ص85.
كتاب علي(عليه
السلام) إلى جرير بن عبد الله عامله على همدان ص 89 – 90.
كتاب علي(عليه
السلام) إلى الأشعث بن قيس عامله على أذربيجان ص91.
كلام الإمام علي
إلى جرير عندما أراد أن يرسله إلى معاوية ص92 – 93.
كتاب الإمام علي
إلى معاوية ص93.