أهلاً وسهلاً بكم في موقع معهد الرسول الأكرم العالي للشريعة والدراسات الإسلامية-بيروت،ونتمنى لكم أوقاتاً طيبة في رحابنا
09 September 2010
الخميس 30 رمضان 1431

 
 


28صفر:رحيل النبي محمد بن عبد الله إلى بارئه بعدما بلّغ رسالته
في الثامن والعشرين من شهر صفرعام 11للهجرة الشريفة،يعيش العالم ذكرى مؤلمة يستعيدها منذ زمن بعيد. فلقد توفي في هذا اليوم رسول الله(ص)،وانتقل إلى جوار ربه بعد أن أدى أمانة الرسالة إلى المسلمين،وبّلغهم ما أنزل إليه من ربه.
ولم تكن وفاة النبي(ص) مفاجئة ،حيث مهد الرسول لحدث وفاته بإخبار المسلمين بذلك في خطبة الوداع،ولما قَفَلَ النبي (ص) راجعاً من مكة إلى المدينة المنورة بدأت صحته تنهار يوماً بعد يوم ، فقد أَلَمَّ به المرض ، وأصابته حُمّىً مبرحة ، حتى كأنَّ به لَهَباً منها.
وهرع المسلمون إلى عيادته ، وقد خَيَّم عليهم الأسى والذهول ، فازدحمت حجرته بهم ، فنعى " صلى الله عليه وآله " إليهم نفسه ، وأوصاهم بما يضمن لهم السعادة والنجاه قائلاً :" أيُّها الناس ، يوشك أن أُقبَضَ قَبضاً سريعاً فينطلق بي ، وقدمت إليكم القول معذرة إليكم ، أَلاَ إني مُخَلِّفٌ فيكم كتاب الله عزَّ وجلَّ وعترتي أهل بيتي " .
ثم أخذ " صلى الله عليه وآله " بيد وَصِيِّه ، وخليفته من بعده ، الإمام علي " عليه السلام " قائلاً لهم :" هَذا عَلِيٌّ مَعَ القُرآن ، والقُرآنُ مَعَ عَلِيٍ ، لا يفترقان حتى يَرِدَا عَلَيَّ الحوض " .
وقد آن الوقت لتلك الروح العظيمة التي لم يخلق الله نظيراً لها فيما مضى من سالف الزمن ، وما هو آتٍ أن تفارق هذه الحياة ، لِتَنعَم بِجِوار الله ولطفه . فَهبط جبرائيل على النبي " صلى الله عليه وآله " فقال له :" يَا أَحمَدْ ، إِنَّ اللهَ قَدِ اشتَاقَ إِلَيكَ "، فاختار النبي " صلى الله عليه وآله " جِوارَ رَبِّهِ ، فأذِن لملك الموت بقبض روحه العظيمة .
ولما علم أهل البيت " عليهم السلام " أن النبي " صلى الله عليه وآله " سيفارقهم في هذه اللحظات خَفّوا إلى توديعه ، فجاء السبطان الحسن والحسين " عليهما السلام " وألقيا بأنفسهما عليه " صلى الله عليه وآله " وهما يذرفان الدموع ، وكان النبي " صلى الله عليه وآله " يُوَسعُهُمَا تقبيلاً .
فعندها أراد أمير المؤمنين " عليه السلام " أن يُنَحِّيهِمَا فأبى النبي " صلى الله عليه وآله " وقال له :" دَعْهُمَا يَتَمَتَّعَانِ مِنِّي وأَتَمَتَّعُ مِنهُمَا ، فَسَتُصِيبهُمَا بَعدِي إِثْرَة "
ثم التفت " صلى الله عليه وآله " إلى عُوَّادِهِ فقال لهم :" قَدْ خَلَّفْتُ فيكم كتابَ الله وعترتي أهل بيتي ، فَالمُضَيِّع لِكِتَابِ الله كَالمُضَيِّع لِسُنَّتِي ، وَالمُضَيِّع لِسُنَّتِي كالمُضَيِّع لِعَترَتِي ، إِنَّهُمَا لَن يَفترِقَا حَتى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ " .
وقال لِوصيِّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين " عليه السلام " :" ضَعْ رأسي في حِجرِكَ ، فقد جَاءَكَ أمرُ الله ، فإِذا فاضت نَفسي فتناوَلْهَا وامسح بها وجهَك ، ثُمَّ وَجِّهْني إلى القبلة وَتَولَّ أمرِي ، وَصَلِّ عَلَيَّ أوَّل النَّاس ، وَلا تُفَارِقني حتى تُوَارينِي في رمسي ، وَاستَعِنْ بِاللهِ عَزَّ وَجلَّ "
فأخذ أمير المؤمنين رأس النبي " صلى الله عليه وآله " فوضعه في حجره .. حتى فاضَتْ روحُهُ الزكيَّة ، فَمَسحَ بِهَا الإِمَامُ " عليه السلام " وجهه.
تَولَّى الإمام علي " عليه السلام " تجهيز النبي " صلى الله عليه وآله " ولم يشاركه أحد فيه ، فقام " عليه السلام " في تغسيله " صلى الله عليه وآله " وهو يقول :" بِأَبي أنتَ وأُمِّي يا رسول الله ، طِبْتَ حَياً وَمَيِّتاً " .
وبعدما فرغ " عليه السلام " من غُسله " صلى الله عليه وآله " أدَرجَهُ في أكفانه ووضعه على السرير .
وأوَّل من صلَّى على الجثمان المقدّس هو الإمام علي " عليه السلام " ، وأقبل المسلمون للصلاة على جثمان نَبِيِّهم ، وأمير المؤمنين " عليه السلام " واقف إلى جانب الجثمان وهو يقول :" السَّلامُ عَليكَ أَيُّهَا النَّبي ورحمة الله وبركاته ، اللَّهُمَّ إنا نَشهدُ أَنَّهُ : قد بَلَّغ ما أُنزِلَ إِليه ، وَنَصحَ لأُمَّتِه ، وجاهد في سبيل الله حتى أعزَّ اللهُ دينَه وتَمَّت كلمتُه ، اللَّهُمَّ فَاجْعَلنا مِمَّن يتبع ما أُنزِل إليه ، وثَبِّتنَا بعده ، واجمَعْ بيننا وبينَه " .
وكان الناس يقولون " آمين "
وبعد أن فرغ المسلمون من الصلاة على الجثمان العظيم ، وودّعوه الوداع الأخير ، قام الإمام علي " عليه السلام " فوارى الجثمان المقدّس في مثواه الأخير ، ووقف على حافة القبر ، وهو يروي ترابه بماء عينيه ، وقال بصوت خافت حزين النبرات :" إنَّ الصبر لَجَميل إلا عنك ، وإنَّ الجزع لَقَبيح إلا عليك ، وإنَّ المُصابَ بك لَجَليل ، وإِنَّه قَبلَكَ وبَعدَكَ لَجَلَل "

عظّم الله أجورنا وأجوركم بوفاة النبي محمد(ص).