أهلاً وسهلاً بكم في موقع معهد الرسول الأكرم العالي للشريعة والدراسات الإسلامية ونتمنى لكم أوقاتاً طيبة في رحابنا
28 August 2008
الخميس 25 شعبان 1429

 
 

 

الفلسفة النظرية:

فلسفة التربية تعني مجموعة من المبادئ، والمفاهيم، والقيم، والميول التي تشكِّل معاً إطاراً موجهاً لسلوك الفرد، أو الأسرة، أو المؤسسة، في العمل، أو التربية، أو الحياة ( 1) .

وتعتبر فلسفة التربية القاعدة النظرية الأولى لاشتقاق مواصفات الإنسان المطلوب بالتربية المنهجية، ومن ثم بناء الأهداف العامة والخاصة التربوية.

دعا الإسلام إلى تربية "الإنسان الصالح"، ومن هنا ركّز على السلوك الهادف وعلى مجموعة من المبادئ، والأسس، والقيم التي يلزم وعيها في حياة المسلم؛ للبلوغ نحو ذلك الهدف المنشود. كما أثبت الفقهاء والعلماء التزامهم بتلك الأسس والاعتبارات في سيرتهم العملية، وبحثوا عنها في نتاجاتهم الفكرية والعلمية. ولعلّ أهم تلك المبادئ التي تصوغ رؤية الإنسان المؤمن والمسؤول نحو الحياة وقضاياها، وتساهم في بناء هويته الشخصية والاجتماعية، وتحدِّد الاتجاه التربوي الإسلامي العام، هي مبدأ "التوحيد"، و"الاستخلاف"، و"التزكية"، و"العبودية لله"، و"الوسطية". كما أنّ أهم القيم التي ركّز عليها الإسلام والتي تساهم في العملية التربوية -بشكل خاص- هي هذه القيم الثلاث: الايمان، كرامة الإنسان، العدل. وفيما يلي عرض موجز لهذه المبادئ والقيم، ودورها في صياغة الفلسفة التربوية للحوزة العلمية:

1- المبادئ الخمسة:

1-1- مبدأ التوحيد:

يشكّل مبدأ التوحيد الإطار العام والرئيس لفكر المسلم، والمطلوب منه أن تكون حركته في مجالات مختلفة منسجمة مع هذا الإطار العام، فلا يخطو خطوة ولا يقدم على فعل إلا وهو مقتنع بانسجامه مع قناعاته التوحيدية.

والتصوُّر التوحيدي يعني فهم العالم على أنّه خُلق نتيجة لمشيئة الله تعالى، وأنّ نظام الوجود يقوم على أساس الخير والرحمة، وعلى أساس البلوغ بالموجودات إلى كمالها. وحسب هذا التصور، فإنّ العالم يسير وفق مجموعة نظم لا تتخلَّف عن "السنن الإلهية". ووفق التصوّر التوحيدي يتمتع "الإنسان" بين المخلوقات بموقع متميّز، وله كرامة خاصة، كما أنّ له رسالة خاصة. إضافةً إلى ذلك، فإنّ هذا التصور يمنح الحياة روحاً، وهدفاً، ومعنى؛ لأنه يدفع الإنسان تجاه مسيرة تكاملية مستمرة لا تعرف الوقوف عند مرحلة معيّنة ( 2) .

فالتربية وفلسفتها في احتكاك دائم ومستمر مع النزعة التوحيدية للإنسان المؤمن، ولا يمكن تصوّر التربية من دون هذا الشعور والإحساس لدى المسلم. "فالفارق الأساس الذي يميزنا عن بقية أصحاب الادعاءات في العالم يكمن في وجود هذا الهدف المقدس، فنحن نريد السعي في سبيل الله، ولأجل دين الله، ولنيل رضاه، ولإعلاء كلمته. ويجب أن يكون هذا هدفنا منذ أن نشرع بالدراسة إلى حين قيامنا بعملية التبليغ، أو التدريس، أو التصدي لمسؤولية ما في الحوزة أو خارجها" ( 3) .

من هنا، فإن الأساس الأول لفلسفة التربية الإسلامية هو البعد التوحيدي لهذه التربية، والذي يدعو إلى بناء الشخصية الإنسانية المنفتحة على الله -تعالى- في قضايا الحياة كلها.

 

1-2- الاستخلاف:

المبدأ الثاني الذي تعتمد عليه فلسفة التربية في الفكر الإسلامي والحوزة العلمية، هو مبدأ "الاستخلاف" الذي يرمي إلى اعتبار الإنسان خليفة لله -تعالى- على الأرض؛ وذلك بهدف تحقيق غايات أرادها الله للإنسان؛ أي "إعمار الأرض" و "بناء الذات".

قال -تعالى-: ? وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ? ( 4) .

وقوله -تعالى-: ? هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ? ( 5) .

فبعدما يذعن المسلم بأنه "لا سيّد ولا مالك، ولا إله للكون والحياة إلاّ الله سبحانه وتعالى" انطلاقاً من مبدأ التوحيد-الذي سبق الحديث عنه-، فإنّه يرى: " أنّ دور الإنسان في ممارسة حياته إنّما هو دور الاستخلاف والاستئمان؛ وأيّة علاقة تنشأ بين الإنسان والطبيعة، فهي في جوهرها ليست علاقة مالك بمملوك وإنّما هي علاقة أمين بأمانة استؤمن عليها، وأيّة علاقة تنشأ بين الإنسان وأخيه الإنسان مهما كان المركز الاجتماعي لهذا أو لذاك، فهي علاقة استخلاف وتفاعل بقدر ما يكون هذا الإنسان أو ذاك مؤدياً لواجبه بهذه الخلافة، وليس علاقة سيادة، أو ألوهية، أو مالكية " ( 6) .

وهذه النظرة إلى الإنسان وإلى العلاقات التي ينبغي أن تسود بين الناس بعضهم ببعض، ترسم صورة مختلفة لهوية شخصية إنسانية، وتشكِّل رافداً مهماً لعملية بناء الإنسان الداخلي وتربيته الاجتماعية.

كما يتطلّب ذلك من المعنيين بالتربية والتعليم -من منظور إسلامي- أن يجعلوا الاستخلاف هدفاً تربوياً، ويشتقّوا المواصفات المطلوبة للمُتِّربي من صفات "المُسْتَخْلَف عَنْه". وهذا ما يطرح، بوضوح، أهمية الرجوع إلى القرآن الكريم لاقتباس تلك المواصفات بالمقاييس البشرية.

 

1-3- التزكية:

إن المبدأ الثالث من المبادئ التي تبلور الفلسفة الإسلامية للتربية، وتشكّل الدعامة الأساسية للعمل التربوي، هو مبدأ "التزكية" الذي يعني أنّه لا يمكن المعالجة الجذرية للتناقضات الاجتماعية (الاقتصادية، والسياسية، والثقافية، و...)، إلاّ من خلال معالجة التناقض الداخلي للإنسان؛ ذلك التناقض الذي يرتدُّ إلى خلق الإنسان من "التراب والروح"؛ حيث إنّ الأول يدعو الإنسان إلى التمسّك بالأرض، والثاني يدعوه إلى العروج نحو المثل الأعلى. " إنّ هذا التناقض الذي يعيشه الإنسان في الداخل هو النبع لكل التناقضات الاجتماعية في الحياة. فأي حلّ يقتصر على حل التناقضات الخارجية لا يستطيع أن يعالج المشكلة من الأساس؛ حيث إنّ المشاكل الخارجية هي إفرازات للتناقض الداخلي في الإنسان " ( 7) .

ويعالج الإسلام هذه المشكلة من خلال الاهتمام بالبعدين معاً؛ إذ يضمّ الدعوة إلى الجهاد الأصغر بالدعوة إلى الجهاد الأكبر. ويعتبر الجهاد الأكبر القاعدة والركيزة بالنسبة إلى الجهاد الأصغر. ومن هنا التركيز عليه في القرآن الكريم من خلال قوله -تعالى-: ? هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ? ( 8) .

ويشرح الإمام الخميني(قده) أهمية "التزكية" بجانب التعليم بالنسبة إلى الحوزويين قائلاً: "من العلماء من توجه إلى التحصيل العلمي، والانشغال بتحصيل المعارف، فحصل على علم لكنّه اكتفى من حقائق المعارف ومقامات أهل الله بالمصطلحات والألفاظ وأشكالها الظاهرية.

وجمع مسكين آخر كبَّلتهم السلاسل في علم الألفاظ والمصطلحات، وقنعوا من جميع المقامات بالكلام، من بين أولئك هناك من يعرفون أنفسهم، لكنهم اتخذوا هذه المصطلحات الخاوية وسيلة لترئس جمع من المساكين، ولتأمين معيشتهم، ويتصيّدون القلوب الصافية لعباد الله بألفاظهم الخادعة وأقوالهم الملفتة، أولئك هم شياطين الإنس، ولا يقل ضررهم على عباد الله من ضرر إبليس اللعين.

لم يدرك أولئك التعساء أن قلوب عباد الله هي منازل الله. ولا يحق لأحد أن يتصرف بها، وأولئك هم غاصبو منازل الله، ومخربو الكعبة الحقيقية، ينحتون أصناماً، ويضعونها في قلوب عباد الله التي هي الكعبة بل هي البيت المعمور.

أولئك هم المرضى الذين أظهروا أنفسهم على أنهم أطباء... وعلامة هذه الطائفة هي أنهم أكثر رغبةً في إرشاد الأغنياء والزعماء من إرشاد الفقراء. وأكثر مريديهم من أصحاب الجاه والمال، وأنفسهم يتزيّون بزيّ الأغنياء وأصحاب الجاه والمال. وكلامهم معسول يغرُّ. ورغم أنهم ملوَّثون بآلاف ألوان القذارات الدنيوية، يبدون في عيون مريديهم أنهم المطهَّرون، ويعدونهم من أهل الله" ( 9) .

من هنا، فإن أحد المعايير الأساسية -من منظور إسلامي- هو الجانب الروحي والسلوكي، فبقدر ما يتحرّر الإنسان من تأثير العوامل المحيطة به، ويعيش الخلوص والصفاء النفسي، ينجح في المهام الموكلة إليه وهو يسير نحو الكمال الإنساني المطلوب. وهذا ما لا يمكن إلآّ من خلال العملية التزكوية المستمرة المقرونة بالمراجعة والمراقبة المستمرة للنفس.

 


1-4- العبودية:

إنّ الهدف من خلق الإنسان، حسب القرآن الكريم، هو عبادة الله: ? وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ? ( 10) .

ولكنّ العبادة بمفهومها القرآني الواسع، ليست صلاة، وصياماً، واعتكافاً في المساجد وانزواءً عن الحياة، وإنّما العبادة، في مفهومها الواسع، تشمل جميع الأعمال التي يقصد بها رضا الله، سواء كان كسباً، أم بيعاً، أم تجارة، أم صلاة، أم صياماً، أم تعليماً وتعلّماً، أم غير ذلك.

إنّ "العبوديّة" بمفهومها الإسلامي، هي التحرّر من الأصنام التي تسلب حرية الإنسان سواء كانت تلك الأصنام أمة، أم فئة، أم فردا،ً أم الأهواء والشهوات الإنسانية. ففي حين أنّ " الحريّة في الحضارات الغربية تبدأ من التحرُّر لتنتهي إلى ألوان من العبودية والأغلال، فإنّ الحريّة الرحيبة في الإسلام على العكس، فإنّها تبدأ من العبودية المخلصة لله تعالى، لتنتهي إلى التحرّر من كل أشكال العبودية المهيمنة " ( 11) . ? تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ ? ( 12) .

إنّ العبودية، بهذا المفهوم، تضمن أخلاقية الأفكار وإنسانيتها، وأخلاقية وإنسانية المشاريع، والسلوك، والممارسة في آنٍ واحد. وعلى صعيد التعليم والتعلّم: " عندما يدخل الطالب للدراسة [في الحوزة العلمية]، فإنّه - كما غيره- لا يتوقع أن يتخرج منها عالماً فقط، بل يتوقَّع أن تنمو بداخله وبشكل متكامل المعارف الدينية، والتعبّد بالأحكام الإسلامية، والأخلاق والروحية المتعالية؛ بحيث يخرج من الحوزة عالماً واعياً متعبّداً ومتقيّداً بالشرع" ( 13) .

إنّ روح التعبّد في داخل المؤمن تجسيد عملي لمبدأ "التوحيد"، المفهوم المركزي في التصوّر الإسلامي -بشكل خاص- وفي التصوّر الديني -بشكل عام-، فتجريد عملية التربية من هذا البعد يعني تجريدها عن جوهرها الديني والروحي.

 

1-5- الوسطية:

من أبرز الخصائص التي ركّز عليها الإسلام، ويعتمد عليها الفكر الإسلامي، هو مبدأ الوسطية في كل مجالات الحياة وفي أمور الدين والدنيا. قوله-تعالى-: ? وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ ? ( 14) . ? وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ? ( 15) . ? وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ? ( 16) . وغيرها من الآيات وكذلك الأحاديث.

والوسطية تبرز في الجانب النفسي والداخلي من خلال بناء شخصية متوازنة ومعتدلة، قادرة على حلّ جميع التناقضات الداخلية في نفس الإنسان، وتوصله إلى درجة الاعتدال التي تلازم كمال الإنسانية. كما أنّ الوسطية في الجانب الاجتماعي تعني الابتعاد عن الإفراط والتفريط في الاتجاه والسلوك، وبناء علاقات إيجابية مع الآخرين ملؤها التواصل، والتوادّ، والإحسان، في ظلِّ أجواءٍ تراعى فيها حقوق الجميع، وتصان كراماتهم.

إنّ هذه المبادئ الخمسة تجسّد أهمّ الأسس التي تشكِّل إطاراً موجّهاً لسلوك المسلم الملتزم بالقيم الإيمانية والروحية، وتشكّل البنى التحتية للفلسفة التربوية في الحوزات العلمية.

من هذا المنطلق، فلا يمكن الحديث عن تربية منفصلة عن مبدأ من هذه المبادئ؛ حيث إن صياغة الإنسان المطلوب -من منظور إسلامي- تتصل بتلك المبادئ، كما أنَّ الأهداف العامة والأهداف الخاصة التربوية تشتقّ من تلك المبادئ والاعتبارات.

 

2- القيم الإسلامية:

لقد ركّز الإسلام في الوصول إلى الأهداف العالية التي يرمي إلى تحقيقها -بجنب المبادئ التي سبق الحديث عنها- على جملة من المفاهيم والاعتبارات القيمية. وتعتبر هذه الاعتبارات والقيم الفروق الجوهرية بين الإسلام وباقي الأنظمة التربوية الوضعية، ونستعرض، فيما يلي، أهم تلك القيم وهي: الإيمان، والكرامة الإنسانية، والعدل.

 

2-1- الإيمان:

يعتبر الإيمان من أهم القيم الإنسانية -من وجهة نظر الإسلام-، وهي " اللبنة الأساسية في بناء نظام الإسلام. وهي التي تمد باقي أجزاءه بالحياة وتحدد اتجاهاتها ومعالمها... وهي تصُّور الوجود: وجود الله الخالق، ووجود الكون والإنسان، والصلة بين الله والكون والإنسان، وكذلك الحياة وما وراءها من حياة أخرى، أو المصير والجزاء والنبوة... والعبارة تشمل على كل ما شرع الإسلام من طرائق لإذكاء عقيدته ونقلها إلى حيّز الأعمال الحسّية، والمشاعر القلبية، لإشعار الإنسان بموقعه من الله... " ( 17) .

وعليه، فإنّ الإيمان لا ينفصل عن الواقع العملي للإنسان، فكما هو عمل قلبي وفرض الله على القلب الإيمان والإقرار والمعرفة، -وهذا القلب هو المعني بقوله تعالى كما في الحديث القدسي: " ما وَسِعني أرضي ولا سمائي، ووَسِعَني قلبُ عبدي المؤمن " ( 18) - فإنّ الإيمانَ عملٌ جوارحيٌّ أيضاً (إيمان السمع والبصر وباقي الجوارح):

" أدنى الكفر أن يسمع الرجل عن أخيه الكلمة فيحفظها عليه يريد أن يفضحه بها " ( 19)

" لك النظرة الأولى، وعليك النظرة الثانية " ( 20) .

وبتعبير آخر، الإيمان، هو: " أن تعي قلوبكم وتصدّق تلك الأمور التي أدركتها عقولكم. وهذا يحتاج إلى المجاهدة حتى تشعر قلوبكم أنّ العالم كله محضر لله " ( 21) : ? كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ? ( 22) .

من هنا، فإن الإطار العام الذي يقرّره الإسلام للعمل هو: " الإيمان بالله واليوم الآخر ". والدوافع هي: العواطف والميول الخيّرة التي تنسجم مع هذا الإطار العام، وتندمج معه في وحدة روحية يتكوَّن منها الإنسان المسلم" ( 23) . والعمل الصالح سواء كان تعليماً أم تربية أم أي عمل آخر، لابد أن ينبثق عن هذه العواطف والميول ضمن الإطار العام الإيماني.

فالإسلام يهتم، بالدرجة الأولى، بدوافع العمل لا بمنافعه، ويستمد العمل قيمته -من وجهة نظر إسلامية- من الدوافع دون المنافع، فلا عمل إلاّ بنيّة، وما لم تتوفر النيّة الصالحة لا يكون العمل صالحاً مهما كانت منافعه التي تنشأ عنه؛ وقوام النية الصالحة بالإيمان.

ويترتب على الإيمان استجابة طوعية للتكليف، والتقيّد بما هو تكليف إسلامي. ويتجلّى التكليف الإسلامي -انطلاقاً من المفهوم القيمي للكلمة- ليحيط بالوجود الإنساني الفردي والجمعي، وبفاعلية الإنسان أشخاصاً وجماعات.

 

2-2- الكرامة الإنسانية:

إنّ "الإنسان" -من منظور إسلامي- هو أشرف مخلوق لله-تعالى- على الإطلاق، لقد خلقه في أحسن تقويم، ومنحه الكرامة والمنزلة، وفضّله على باقي أفراد مخلوقاته:

?لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ? ( 24) . ? وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ? ( 25) .

هذه الكرامة والفضيلة الذاتية للإنسان الضاربة في بعده الإلهي: ? ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه ? ( 26) تخوّله أن يكون - من منظور قرآني-:

أ- خليفة الله في الأرض ( 27) .

ب - مختاراً ومستقلاً في قراراته وأميناً لله على الأرض وعلى خيراتها ( 28) .

ج- صاحب ضمير أخلاقي حيّ ( 29) .

د- السبب في خلق ما في الأرض من نعم وخيرات ( 30) .

هـ- القادر على التعليم والتعلّم ( 31) .

هذه هي حالة الإنسان في مرحلة الخلق والتدبير، إلاّ أن الإنسان القادر على التغيير (سلباً وايجاباً)، يقرّر مستقبله بنفسه، يستطيع أن يبلغ الكمال اللائق به ويختار سبيل التطوير (حتى يبلغ أعلى عليين)، ويستطيع، أيضاً، أن يختار طريق التردّي ويرجع إلى أسفل سافلين: ? لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ? ( 32) .

والعامل الحاسم في هذا التغيير تطويراً أو تدميراً، حركة أو سكوناً، إيجاباً أو سلباً، صلاحاً أو فساداً، خيراً أو شراً، هو العامل التربوي.

فالتربية هي التي تحدِّد مصير ومستقبل الإنسان، بأن يؤدِّي دور الخليفة، أو دور الشيطان، أو أي دور آخر في الحياة الاجتماعية.

 

2-3- العدل:

يعتبر "العدل" من المفاهيم المركزية في الفكر الإسلامي، وقيمة اجتماعية كبرى، سواء على مستوى الأسرة أم على مستوى المجتمع بقطاعاته المختلقة: السياسية، والثقافية، والتربوية، وغيرها.

? إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ? ( 33) .

? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ? ( 34) .

? لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ? ( 35) .

وفي المجال التربوي -تحديداً- يشكّل "العدل" -بمفهومه الواسع- ركيزة أساسية وقيمة تربوية؛ حيث إنَّ التربية تعتمد في الجانبين النظري والتطبيقي -معاً- على "العدل". ففي الجانب النظري العدل يعني: أن نصنع منهاجاً مبنياً على جميع متطلّبات العمل التربوي-التعليمي، لجهة المتعلّم، والمعلّم، والمنهاج الدراسي، وعملية التقييم، وغيرها، حتى ينطبق عليه مفهوم العدل: وضع الأمور في مواضعها اللائقة بها ( 36) .

فلو حصل أي خلل نظري أو تنظيري على مستوى بناء المنهاج النظري-التعليمي، فهذا يعني عدم تحقق الالتزام بمفهوم العدل، وتحقق الخلل على مستوى العدل النظري أو التنظيري.

وفي الجانب التطبيقي للعملية التربوية-التعليمية، العدل يعني الالتزام الكامل بمتطلّبات تطبيقية للعمل التربوي-التعليمي، وتوفير كافة المواصفات، والشروط، واللوازم، والوسائل، والآليات التي تساهم في تحقيق دقيق للأهداف المرجوّة من العملية التربوية-التعليمية. فمثلاً لو لم يؤخذ بالاعتبار في عملية التعليم "الفروقات الفردية للمتعلّمين" مع افتراض أنها مسلّمة تربوية، فإنّه قد تحقق الخلل التربوي الذي هو بدوره خلل على مستوى تطبيق العدالة التربوية، وهذا ما نطلق عليه الالتزام بـ " العدل التطبيقي " في مجال التربية.

وقد جسّدت التجربة الإسلامية في مجال التربية والتعليم معاني تربوية واجتماعية هامة وجديرة بالتمثــُّل بخصوص تجسيد مفهوم العدل عبر التاريخ التربوي الإسلامي الطويل، سيَّما في الحوزات العلمية.

 

3- تضمينات نظرية للفلسفة التربوية:

إنّ المبادئ والقيم التي سبق الحديث عنها -إضافة إلى الاعتبارات الأخرى ذات التأثير في بناء الفلسفة التربوية- لا تعبّر عن الفلسفة التربوية ولا تتحول إليها بشكل مباشر، وإنّما تحتاج إلى تضمينات نظرية حتى تشكّل رؤية فلسفية تربوية متكاملة؛ وذلك انطلاقاً من أنّ الفلسفة التربوية ليست التراكم المتناثر للقيم والمبادئ كيفما اتفق، وإنما هي صياغة نظرية محكمة لتلك الأسس والاعتبارات؛ بحيث تكشف عن صورة واضحة الملامح والأسس، ومترابطة فيما بينها، ومعبّرة عن توجه تربوي مُحْكَم.

ومن هنا، نستطيع أن نعبّر عن القيم والمبادئ النظرية للفلسفة التربوية بمثابة المُدخَلات، أو المواد الأولوية لهذا البناء، و لا يتكوَّن البناء إلا من خلال تنظيم وترتيب ووضع تلك المواد الأولية في مواقع مناسبة لها داخل مركب نظري مشترك؛ ليتكوَّن البناء الذي نعبِّر عنه بـ " الفلسفة التربوية ".

و تساهم، بشكل أساسي، في هذا البناء المناهج المستخدمة، والمباني المعتمدة، والاتجاهات الراسخة فينا، وما يتكوَّن من خلال تلك الأمور من مفاهيم.

فلو افترضنا أن المدخلات هي كالتالي:

المبادئ + القيم + عوامل أخرى + تضمينات نظرية = الفلسفة التربوية

فينبغي البحث عن الدور التركيبي لهذه المدخلات في صنع الفلسفة التربوية. وكمثال على ما نقول، ينبغي أن نتحدَّث عن الجانب المفاهيمي لمفردات المدخلات، ومن ثَمّ الحديث عن المعاني التركيبية من خلال التنظير للمركّب (مجمل العوامل المؤثرة والمكونة للمضمون التربوي)؛ وذلك بهدف تكوين المفهوم لمفردات المبادئ (التوحيد، التعبد، التزكية، الوسطية، والاستخلاف) وتكوين المفهوم لمفردات القيم (الإيمان، الكرامة الإنسانية، والعدل) ومن ثَمّ تكوين المفهوم التركيبي للجميع. وهذا ما يتطلب منا الحديث عن العوامل المؤثرة في تكوين المفهوم كالمنهج، والاتجاه، والمباني المعتمدة.

فإن فهمنا للتوحيد(المبدأ)، وفهمنا للإيمان (القيمة)، مثلاً، يختلف حسب المنهج المعتمد، فإذا اعتمدنا المنهج النقلي الروائي فالأساس لتكوين المفهوم هو الآيات والروايات الواردة حول المفهومين، في حين أنه إذا اعتمدنا المنهج العقلي فسوف تُصوغ الاعتبارات العقليَّة مفهومنا للمبادئ والقيم، وأما لو كان المنهج المعتمد هو المركّب من النقلي-العقلي فسوف يختلف بدوره المفهوم أيضاً، وذلك باعتبارين:

الأول : تكوين المفهوم العقلي-النقلي للمفهومين.

والثاني : تكوين المفهوم المركب من الاثنين انطلاقاً من المنهج العقلي-النقلي والذي يتطلب تارةً تفسير العقلي حسب النقلي وأخرى تفسير النقلي حسب العقلي. فتغليب الجانب العقلي يولّد توجهاً عقلياً، في حين أن تغليب الجانب النقلي يولّد توجهاً نقلياً.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى الاتجاه، فالتوجه العلماني إلى الدين وقضاياه والأخذ بمبدأ الفصل بين الدين وقضايا الحياة، سوف ينعكس بشكل واضح على صياغتنا النظرية للفلسفة التربوية من منظور إسلامي.

فلو اعتمدنا مبدأ الفصل فتارة ننكر وجود الفلسفة التربوية الإسلامية، وأخرى لا نعترف بها على صعيد التربية وقضاياها ( 37) . وهناك صورة ثالثة للعلمانية التي تنطلق من الإسلام واعتباراته، ولكنها تلتقي مع العلمانية المذهبية في النتيجة؛ أي اعتماد مبدأ الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي. والأخيرة قد تعتقد بوجود الفلسفة التربوية الإسلامية وقد تتبناها، أيضاً، إلاّ أنّها تعتقد بأنَّ القضايا الدينية هي مفصولة تماماً عن قضايا دنيوية ولا يوجد أي نوع من الصلة فيما بينهما، والخلط بينهما يؤدي إلى الإضرار بـ "خلوص الدين" وينتهي إلى خسران نقاء الدين وصفائه. من هنا، فإنَّ هؤلاء ينطلقون من الدين إلى الدين -العلاقة أحادية- لا من الدين إلى الدنيا ولا من الدنيا إلى الدين. وهي نظرة تؤدي إلى إقصاء الدين وعزله عن الدنيا واعتباراتها المنحطّة. -كما قلنا، فهذه النظرة علمانية، أيضاً، في النتيجة، من دون أن تعتمد أو تنطلق من الأسس والاعتبارات العلمانية المذهبية.

وأما لو أخذنا بمبدأ الوحدة بين ما هو ديني وما هو دنيوي، فإننا نستطيع أن نتحرك من جهتين وتكون النتيجة واحدة. ننطلق من الدين إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى الدين، انطلاقاً من أنّهما وجهان لعملة واحدة. وهكذا الأمر في المباني والاعتبارات الأخرى المؤثرة في تكوين المفهوم بشكله الفردي والتركيبي.

الهوامش:

1راجع: حمدان (د. محمد زياد): أساسيات المنهج الدراسي ، دار التربية الحديثة، ص 6.

2راجع:المطهري(مرتضى): المفهوم التوحيدي للعالم ، دار التيار الجديد، بيروت، 1985م، ص 14-15.

3من كلام للسيد علي الخامنئي ، بمناسبة بدء العام الدراسي 8 جمادي الثانية ، طهران.

4سورة البقرة: الآية 30.

5سورة هود: الآية 61.

6الصدر(السيد محمد باقر): المدرسة القرآنية ، دار الكتاب الإيراني، طهران، 1984م، ص 116.

7راجع: الصدر، المصدر نفسه.

8سورة الجمعة: الآية2.

9الإمام الخميني(قده): العلماء والحوزة العلمية . (مقتطفات من توجيهات الامام إلى العلماء والحوزات)، حوزة الرسول الأكرم(ص)-بيروت، 1421هـ. نقلاً عن: الآداب المعنوية للصلاة ، ترجمة: أحمد الفهري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1406هـ، ص 303-304.

10سورة الذاريات: 56-57.

11الصدر(السيد محمد باقر): الحرية في القرآن ، بحث منشور ضمن "بحوث إسلامية"، دار الزهراء، بيروت، ط3، 1403هـ-
1983م.

12سورة آل عمران: الآية64.

13من كلام للسيد الخامنئي ألقي في 17/8/1366هـ.ش.

14سورة البقرة: الآية143.

15سورة القصص: الآية77.

16سورة الفرقان: الآية 67.

17المبارك(محمد): نظام الاسلام: العقيدة والعبادة ، دمشق، 1968، ص 28.

18الأنصاري التبريزي: اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء(ع) ، مؤسسة الهادي، قم، 1418هـ، ص 139.

19الحر العاملي: وسائل الشيعة ، ج17، مؤسسة آل البيت(ع) لإحياء التراث، قم، ط2، 1414هـ، ص 211.

20الجصاص(أبو بكر): أحكام القرآن ، ج3، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415هـ، ص 407.

21الامام الخميني: منهجية الثورة الاسلامية (مقتطفات من أفكار وآراء الإمام الخميني)، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الامام الخميني، طهران، 1996م، ص 224.

22سورة المجادلة: الآية22.

23الصدر(السيد محمد باقر): العمل الصالح في القرآن ، ضمن بحوث اسلامية، دار الزهراء للطباعةو النشر، بيروت ط3،
1983م، ص 37.

24سورة التين: الآية5.

25سورة الاسراء: الآية70.

26سورة لسجدة: الآية9.

27سورة البقرة: الآية30.

28سورة الأحزاب: الآية72.

29سورة الشمس: الآية7-8.

30سورة البقرة: الآية29.

31سورة البقرة: الآية31.

32سورة التين: الآية5.

33سورة النساء: الآية58.

34سورة المائدة: الآية8.

35سورة الحديد: الآية25.

36لقد عرّف الإمام علي بن أبي طالب(ع)، "العدل"، بقوله: " العدل أن نضع الأمور في مواضعها ". راجع: شرح نهج البلاغة ، الشيخ محمد عبده، ج4، دار المعرفة، بيروت، ص 102.

37وهذان النوعان من العلمانية هي ما نصطلح عليه بالعلمانية المذهبية.