فلسفة تصميم المنهج الدراسي:
يستند بناء وتصميم المنهاج الدراسي إلى جملة مواصفات واعتبارات، وفيما يلي إشارة إلى بعضها:
1- الصلاحية: وهي بمفهومها التخطيطي والمنهجي، عبارة عن أمرين: ارتباط المعرفة المنهجية الوثيق بالأهداف أو أنواع السلوك المراد استحداثه من خلال المنهج. وكونها حقيقة وحديثة.
وفي المفهوم الحوزوي، الصلاحية مرتبطة أولاً: بدرجة تمثّل المعرفة لرسالة الحوزة وأهدافها العامة التي سبق الحديث عنهما. وثانياً: بمدى نجاعة المعارف في الاستجابة للتغيير المطلوب وفق الاعتبارات الدينية - الإسلامية.
2- الأهمية: ترتبط أهمية المعارف المنهجية بتمثيلها لأساسيات المادة الدراسية من حقائق، ومبادئ، ومفاهيم، وأحكام، من دون هوامشها.
3- حاجات المتعلّمين: إنّ حاجة المتعلّم المعرفية، أو المهارية، أو السلوكية من الأمور المحدّدة لنوع المنهاج تربوياً وتعليمياً، ولا يمكن الحديث عن المنهج بمعزل عن حاجات المتعلمين النفسية والفكرية، والاجتماعية، والمعرفية، والسلوكية وغيرها.
4 - حاجات المجتمع: إنّ الاستجابة للواقع الاجتماعي ومتطلباته العملية هو العنصر الآخر المؤثِّر في بناء وتصميم المنهاج الدراسي. فلا بد أن يجسّد المنهاج ما يحتاجه المجتمع وتتطلبه مجالات حياته العملية المختلفة من معارف وقدرات والخ....
وقد تمّ تصميم المنهاج الدراسي انطلاقاً من الاعتبارات السابقة بالنّظر إلى الأهداف العامة من هنا، فإن إضافة بعض المواد الجديدة إلى المنهج، لم يأت من منطلق الانبهار بالمادة الجديدة بل نظراً لدورها في تأمين الأهداف، فمثلاً المواد التربوية، والاجتماعية، والاقتصادية، وفقه اللّغة لم تقحم في المنهاج لا لكونها مواد معاصرة، بل لأنها تُساهم بشكل فعّال في الاستجابة لمتطلباتنا وأهدافنا التربوية - التعليمية. فالمواد التربوية - الاجتماعية، مثلاً، إضافة إلى دورها الكبير في تكامل المعرفة الدينية ومعرفة الواقع ومتطلباته، فإنّها تساهم في تلبية هدفنا الداعي إلى تربية المبلّغ. كما أن المواد المتصلة بفقه اللغة - مثلاً - تساهم في فهم الكتاب والسنّة وهو هدف أساسي، وهكذا.
وكما ذكرنا، فإنّ الأهداف التربوية-التعليمية هي الركيزة الأساسية للبرنامج والعمل التعليمي، وإليها ينتهي مثلث عملية التعليم المتمثل بـ "المحتوى"، و"طرق التعليم"، و"التقويم". فإن كل عنصر من هذه العناصر يرتكز على الأهداف ويسعى نحو تحقيقها. ونجاح عملية التربية-التعليم مرتبط، في النهاية، بمدى تجسيدها للأهداف.
كما أن محتوى التعليم بالنسبة للعملية التربوية-التعليمية بمثابة القلب بالنسبة إلى الإنسان؛ إذ إن المحتوى هو مادة التعليم، فإذا أردنا أن نعلم شيئاً حول موضوع ما، أياً كانت طبيعته، حقيقة، معلومات، قيماً، مهارات، معارف، فهي كلها عناصر لما نقصده بـ "محتوى التعليم" والتي قد يعبّر عنها بمصطلحات أخرى مثل "مواد التعليم"، أو "مقرَّرات الدراسة"، أو "مناهج التعليم" مع الفروق العلمية الدقيقة بين هذه المصطلحات بعضها مع بعض.
وإذا كان محتوى التعليم مصطلحاً نريد به بيان ما سوف نقوم بتعليمه للآخرين، فمعنى ذلك أن نحدِّد العلوم الواجب تعليمها، ولكن هذا التحديد سواء أكان من خلال تسمية العلوم أم من خلال تسمية المقررات والكتب الدراسية، لا يكفي لتحديد العملية التربوية-التعليمية، بل يتطلب، إضافة إلى ذلك، تحديد متطلّبات المتعلّم، والمدرِّس، والمؤسّسة التعليمية، والمجتمع، و.... من تعليم هذه العلوم، والعوامل المؤثرة في تفعيل هذه المتطلبات. وهذا ما يكشف عن أن عملية التربية-التعليم مرتبطة بمجموعة من العوامل أهمها: الأهداف التي ننشدها من العملية التربوية-التعليمية، والطرق التي تساهم في دفع هذه العملية إلى الأمام.
من هنا، كانت الأهداف (بشقيها العامة والخاصة)، وطرق التعليم ومحتواه (بقسميه المعرفي والقدرات)، حاضرة في تصميم منهاج مرحلتي الدراسة العامة، والتخصُّصية. وقد قام مركز التخطيط والمناهج الدراسية في المعهد، بمباشرة التخطيط لهاتين المرحلتين، بعد دراسة العناصر المؤثّرة في عملية التعليم:
1- الأهداف، 2-طرق التعليم والمحتوى الدراسي، 3- التقييم المستمر لكل العناصر الدخيلة في عملية التعليم؛ وذلك من خلال الاطلاع الدقيق على الخبرات والتجارب المتراكمة في هذا المجال، لا سيما في حقول التربية، والشريعة الإسلامية، وأصول الدين، والفقه وأصوله، والدراسات القرآنية، وعلوم الحديث، والفلسفة والكلام الإسلامي. وبعد تحديد الملفات الأساسية في هذا المجال، والاطلاع على الجهود والخبرات المتراكمة في هذا المضمار، وإعداد دراسة مقارنة للبرامج المختلفة المطروحة في هذه الحقول، تمّ إعداد مشروع أولي ودراسته واقراره ضمن أسس واعتبارات نشير إليها فيما يلي:
لقد تمّ تصميم المنهاج وتخطيطه للمرحلتين العامة والتخصُّص، بالنظر إلى أسس إعداد المنهج من الأهداف، ومحتوى المنهج، وتنفيذه، وتقويمه. من هنا تم تحديد الأهداف (العامة والخاصة) في المنهاج، والبحث عن الطرق والآليات المناسبة للوصول إليها.
وعلى مستوى اختيار "محتوى المنهاج الدراسي"، تم اعتماد أسس اختيار "المنهاج الدراسي"، وهي عبارة عن "خصائص المتعلّم"، و "مجال الدراسة"، و"متطلبات المجتمع"، و"عنصر الثقافة"، وآخر الإنجازات في مجالات الحقول العلمية ضمن مبدأي "الشمولية العامة" و "التوازن العام" بين أجزاء البرنامج الدراسي وملاحظة الصلة بين مرحلتي العامة والتخصّص.
كما لوحظت في البرامج "التراتبية" بين المواد الدراسية نفسها، فوضعت المداخل للعلوم، لأهميتها في دراسة العلوم في عصرنا. ويتناول المدخل، عادة، مراحل تكوّن العلم، وكيفية تراكم المعرفة الحقلية لدى الإنسان، والملابسات التي تحيط نشوء علم من العلوم، إضافة إلى بعض المبادئ، والأبحاث التمهيدية والمقدمية للعلم.
كما أُخذت بعين الاعتبار "التدرجية" في وضع المواد الدراسية من جهة، وفي اختيار المقرّر الدراسي من جهة ثانية، وفي مجمل المحتوى الدراسي من جهةٍ ثالثة. فعلى المستوى الأول، قُدِّمت المواد التي تُعد من العلوم الآلية، وتوفّر التقنيّات اللاّزمة للإحاطة بعلم من العلوم، كالمنطق، والصرف، والنحو، وغيرها. وعلى المستوى الثاني، قُدِّم النصّ الدراسي الذي يتطرق إلى العموميات ويتّسم بالتبسيط، على النص الدراسي الذي يهتم بالقضايا التفصيلية والجزئيات، ويتّسم بالعمق. وأما على المستوى الثالث، فقد روعيت التدرجية في توزيع المادة من جهة الكم ومن ناحية المضمون للمراحل والفصول المختلفة؛ فتم البدء بالمواد التي تشتمل على المعلومات العامة والأولية وتبنى عليها الخبرات الأكثر تفصيلاً وتخصصاً.
كما روعيَ "التتابع" بين المواد الدراسية، والمقصود به هو رعاية الاتصال الداخلي والخارجي. فلوحظ التتابع الداخلي (رعاية الاتصال المضموني وعدم التكرار، والحيلولة دون إحداث الفجوات في داخل المقرَّر الدراسي الواحد)، واختيرت مقررات دراسية اشتملت على هذه المواصفات. كما روعي التتابع الخارجي (رعاية الاتصال المضموني على مستوى المراحل الدراسية، في حالة تكرار المادة في أكثر من مرحلة). فاختيرت مقررات دراسية لا تداخل بينها على هذا المستوى. فمثلاً "العقيدة" كمادة دراسية وإن تكررت، إلاّ أنَّ المضمون والمحتوى يتوفر فيه هذا الشرط. وهكذا الأمر بالنسبة إلى النحو، والمنطق، والتاريخ، والفقه، والأصول، وغيرها.
وعلى مستوى "تنفيذ المنهج الدراسي" الراجع إلى الإدارة التعليمية في المعهد، فإنه يخضع بدوره لمجموعة من خطوات، وأسس، واعتبارات، وتجارب ميدانية تقوم بتخطيطها وتطبيقها الإدارة ذاتها. من هنا، فإن التخطيط كان من أجل التطبيق الميداني دون التنظير في الهواء الطلق، وبمعزل عمّا يفرزه العمل الميداني من نتائج (التغذية الراجعة). وعليه تمّ التركيز في حيثيات البرنامج على التوظيف الأمثل لكافة الإمكانات المادية والبشرية لهذا الغرض. وعلى سبيل المثال: تمّ التركيز على صعيد "آلية التطبيق" على دور "دليل المدِّرس" ليمدّ المدرِّس بمجموعة من المعلومات التي يحتاج إليها، سواء على مستوى معرفة الأهداف الخاصة لكلّ درس، أو على مستوى طرائق التعليم وتقنياته التي يمكن أن يستخدمها في تقديمه للدروس. كما أُخِذ بعين الاعتبار الاهتمام بتجهيز المكتبة لتوفير مصادر ومراجع العلوم والمعارف التي يتم تدريسها في المعهد لا سيّما في ما يتصل بتحقيق أهداف منهجية وبحثية في كلّ الحقول، وإعداد البحوث والتحقيقات المطلوبة لكل مادة ومرحلة.
وقد تمَّ تبنّي مبدأ "التقييم المستمر"، والاعتراف به كمرجعية أساسية في تقويم وتصحيح وتطوير العمل. وتمارس عملية التقييم للمنهاج الدراسي من خلال أسلوبين منفصلين:
الأسلوب الأول: التقييم التحليلي المباشر:
ونقصد بالتقييم المباشر دراسة المنهاج عبر لجنة فنّية مختصّة في المعهد، يتمَّ فيها مناقشة تفصيلية لمواد المنهاج الدراسي، سواء لجهة حيثيات ودواعي وضع المادة، ببيان أهدافها، توصيفها، تحديد موقعها في المنهاج، وصلتها بباقي مواد المنهاج الدراسي، أو لجهة تحديد مرحلتها الدراسية وتوصيات إجرائية بشأنها.
الأسلوب الثاني: التقييم التحليلي غير المباشر:
ونقصد بهذا الأسلوب من التقييم ما تتوصل إليه الإدارة التعليمية من خلال تنفيذ وتطبيق المادة الدراسية ميدانياً. وتؤخذ بعين الاعتبار نتائج عملية التطبيق وما تفرزه من تغذية راجعة في مواكبة عملية الإصلاح والتطوير المستمرة للمنهاج الدراسي.
الأهداف الخاصة(2) للمواد الدراسية:
لقد تمّ توزيع مجموع المواد الدراسية (المحتوى الدراسي) على عشرة أقسام، يحمل كل قسم رمزاً عددياً خاصاً به. ولوحظت في هذا التقسيم التراتبية، والأولويات حسب العلوم الإسلامية.
فمثلاً، تمّثّل المجموعة الأولى "الدراسات القرآنية" لمحورية القرآن الكريم وأهميته المرجعيّة بالنسبة إلى العلوم الشرعية والإسلامية. ومن ثَمّ "علوم الحديث"، و"الدراسات العقائدية"، وهكذا حتى المجموعة الأخيرة وهي "الدراسات الإنسانية". وفيما يلي شرح موجز حول هذه الحقول وأهدافها الخاصة:
1- الدراسات القرآنية:
تتضّمن الدراسات القرآنية على مدى المرحلة الدراسية العامة، مواد التجويد، علوم القرآن، مبادئ ومناهج التفسير، التفسير التجزيئي، والتفسير الموضوعي. وقد روعي في وضع المواد القرآنية بهذه الطريقة التتابع والتراتبية معاً.
فمن خلال مادة "التجويد"، نسعى إلى ضبط القراءة والأداء الصحيح لآيات الكتاب المجيد. ومن خلال علوم القرآن، يتعرّف الطالب على مجالات الدراسات القرآنية، إضافة إلى إطلاعه على أهمية معرفة هذه العلوم في التواصل المعرفي البنّاء مع القرآن الكريم. ومن خلال مادة "مبادئ ومناهج التفسير" يلمّ الطالب بمجموعة من القضايا التمهيدية والمقدمية وتقنيات التفسير، فيتعرّف أولاً علــى "معالم التفسير" تعريفاً، وأهمية، وأقساماً؛ ويتعرّف ثانياً على "آداب التفسير" بأقسامها الموضوعية، والفنّية، والنفسيّة؛ وثالثاً، يلمُّ بـ "مصادر التفسير" بأقسامها اللغوية، والعقلية، والنقلية؛ ورابعاً وأخيراً، يُطّلع الطالب على "مناهج التفسير" بأقسامها القرآني، والأثري، والبياني، واللغوي، والموضوعي، والتاريخي، والصوفي، والاجتماعي وما إلى ذلك. وبذلك يتهيّأ للدخول إلى صرح التفسير بعد تزّوده بمجموعة من التقنيات، والآليات، والعلوم المقدمية. ومن ثم وُضع "التفسير التجزيئي"؛ حيث تمّ التركيز فيه على تطبيق التقنيات والمناهج التي سبق أن تعلّمها الطالب في المراحل السابقة، فيباشر التفسير من خلال تطبيق المناهج التفسيرية على بعض السور القرآنية. ومن ثم تمّ اختيار بعض السور القرآنية التي تعطي رؤية شاملة، نحو القضايا ذات الأهمية في الحياة الاجتماعية والفردية للإنسان، كسورة الأنفال وما إلى ذلك. وبعد هذه المرحلة حيث ألمّ الطالب بجملة من الآليات والمناهج وكيفية تطبيقها في العملية التفسيرية تمّ وضع التفسير الموضوعي؛ وذلك لأنّه يتطلّب جهداً علمياً أكبر، وفي نفس الوقت، كفاية عالية؛ إذ إنّه يستلزم متابعة تفصيلية للموضوع من خلال القرآن كلّه، ومناقشة جميع المعاني المتصورة للموضوع، وإعطاء نظرية تفسيرية قادرة على معالجة كافة المسائل المرتبطة به.
وكما هو واضح من خلال هذا المنهاج، فإن الدراسات القرآنية، لأهميتها من جهة، ولإغفالها وعدم الاهتمام بها بشكل لائق في الحوزات من جهة ثانية، (في حين أنها المحور والأساس للعلوم الإسلامية، المعتمدة أساساً على الوحي) شكّلت محل اهتمام البرنامج، كمّاً ومضموناً، وأخذت حيزاً مناسباً في البرنامج الدراسي.