يقوم المركز حاليا بتحديث الموقع وتحسينه ويرحب بأية ملاحظات قد تكون موجودة لدى الأخوة الزائرين
10 September 2010
الجمعة 1 شوال 1431

 
 
العدد الرابع - الفكر السياسي عند الإمام الخميني > الحرية في فكر الإمام الخميني
 

الحرية في فكر الإمام الخميني (س)

عبد الوهاب الفراتي

 

اليوم إلى جانب مفاهيم أخرى مثل: المجتمع المدني والديمقراطية وطريقة تعاملهما مع الدين، وأضحت هذه الأمور الثلاثة من أهم الأسئلة والهموم المطروحة في مجال الفكر السياسي في المنطقة. لا شك أن الحرية بمفهومها الحالي ليس لها وجود في تاريخ الفكر الديني، وبعبارة أخرى لتحليل مثل هذا المصطلح لا يمكننا استخدام مصطلحات الاختيار أو الحرية. فالحرية الفلسفية هي من المباحث القديمة في علم الكلام والفلسفة الإسلامية تحت عنوان الاختيار أو الحرية. فالحرية الفلسفية هي من المباحث القديمة في علم الكلام والفلسفة الإسلامية تحت عنوان الاختيار والتفويض في مقابل الجبر. والحرية العرفانية التي تعني الخلاص من التعلقات الدنيوية لها ماضٍ بعيد في الفكر العرفاني للمسلمين، وغالباً ما طرحت كعنوان للحرية. أما الحرية الحقوقية فرغم عدم وجود قاعدة أصلية لها في الثقافة الإسلامية لكنها وردت تحت عنوان الحر في مقابل العبد، لوجود العبيد والإماء في عصر التشريع، ولها مباحث متعددة في التراث الفقهي.

قد يظن أحد ما – خلال تحليله لمفهوم الحرية - أنها مبنية على الاختيار أو أنها متأخرة عنه، ويجري بعد الإصلاحات عليها مقدماً روايات إسلامية عنها، لكن لا يمكن إيجاد تلازم منطقي بين الحرية في مفهومها الفلسفي والحرية في مفهومها الحديث والتجويزي. نعم كان هناك بعض العلماء الذي قبلوا المبنى الفلسفي للجبر أو شبهة الجبر فكانوا من الناحية السياسية طلاب حرية كالمرحوم الآخوند الخراساني في نهضة المشروطة والحركة الدستوري. وآخرون رفضوا هذا المبنى، ودعموا الاختيار التكويني للإنسان، واعتبروا أن هذه الحريات الاجتماعية والسياسية تؤدي إلى هدم الدين كالشهيد الشيخ فضل الله النوري.

2- رؤية الإمام الخميني للحرية هي في الواقع رد فعل لواقع الحرية في الغرب لا لمفهومها، واستنفار في وجه استيراد هذه الظاهرة في إيران. فالإمام يعتقد أن الحرية بمفهومها الحالي هي مفهوم جديد دخل بلادنا منذ الحركة الدستورية وما تلاها، وليس لها أية صبغة إسلامية.

أما ما هي تعاريف الحرية في الغرب؟ وبأي مفهوم تستعمل؟ وما هي أجزاء الحرية وعناصرها في الهيكل الفلسفي للغرب؟ لم يشغل الإمام الخميني نفسه بالإجابة عليها، بل كان ما يدفع الإمام الخميني إلى انتقاد الحرية هو دخول بعض النماذج والمؤشرات المفسدة من الحرية الغربية إلى إيران التي كان أهلها يحبسون أنفاسهم تحت ظل أكثر الدول استبداداً. كانت نماذج من الحرية لا تنسجم مع الهوية الإيرانية، ولا تتطابق مع الأنظمة الدينية. من هنا قام الإمام الخميني بجرِّ هذه الظاهرة إلى ساحة المطلوب إلى ساحة المطلوب والمرفوض أخلاقياً ودينياً، ساعياً إلى طرح مفهوم جديد للحرية في إطار الشريعة، والحد من معايبها المستوردة.

أ- استعراض الإمام الخميني للحرية في الغرب: نظرة الإمام الخميني الناقدة للحرية الغربية قائمة على ثلاثة أجزاء هي:

أولاً: إن الحرية في الغرب تخالف السنن الإنسانية، وتتنافى مع الأخلاق، ولا تخضع لأطر وحدود القواعد والقوانين([1]).

ثانياً: إذا كان في الغرب شيء اسمه الحرية، فإنه لا يتعدى كونه صورة ليس لها وجود عيني، ذلك لأن الحرية معدومة في كلا النظامين الحديثين الماركسي والليبرالي من خلال ديكتاتورية الحزب الشيوعي واستبداد التمييز العنصري للأكثرية. يقول الإمام الخميني:

"نفس أولئك الذين يدّعون الشيوعية وكذا، أنهم الأكثر تجبراً والأكثر ديكتاتورية، وقد قيدوا شعوبهم بالقيود، ليس في تلك الدول حرية لأي أحد. وكذلك الأمر بالنسبة للدول الغربية ليس فيها حرية، ولو كان فيها حرية فما هو ذنب أولئك السود المساكين، وماذا فعلوا ليتعرضوا لهذا الضغط"([2]).

ثالثا: هذا لا يعني التغاضي عن العناصر أو المصاديق المفيدة للحرية الغربية، فحرية التعبير، وحرية الانتخاب، وحرية القلم من محسنات الحرية هناك، لكنهم يصّدرون إلى بلادنا الأجزاء غير المفيدة فقط:

"الغرب لا يعطينا شيئاً مفيداً، لديه ما يفيد لكنه لا يعطينا إياه، لا يصدره، بل يصدّر لنا ما يضيّع بلداننا"([3])

"إن الحرية التي سادت في إيران واستوردت خلال عهد الأب وابنه ليس هي الحرية الموجودة في الغرب، أو هي الديمقراطية التي يدّعونها، ويتتبعونها في إيران... إنّ الحرية التي نقلوها إلى إيران والدول الشرقية هي عبارة عن الحرية في الأمور التي تؤدي إلى ضياع شعبنا وشباننا"([4]).

ب- نقد الإمام الخميني للحرية في إيران في العهد البهلوي:

ب1- إن الخصوصية البارزة للحرية في إيران إبان العصر البهلوي أنها مستوردة أو استعمارية. هذا النوع من الحرية دخل إلى إيران بشكل رسمي في عهد رضا شاه، وهو في الواقع انتقاء أجزاء من الحرية الغربية، يقول الإمام:

"لم يكن الرجال أحراراً في عهده، ولا النساء ولا المطبوعات ولا الإذاعة ولا أي شيء. لم يكن هناك حرية، كان هناك اسم حرية، وحديث ودعاية عنها كثيرة. إن الحرية التي أرادها هؤلاء لبلدنا هي الحرية التي تضيع شباننا وفتياتنا الشابات.

تلك الحرية التي أرادها هؤلاء أسميها أن بالحرية المستوردة، الحرية الاستعمارية، أي الحرية التي يقدمونها هدية للدول التي يريدونها تابعةً للغير... وكما يقولون أن هناك من طهران وإلى آخر شميران مئات أماكن الفساد، أسوأ أنواع الفساد، تلك كانت حرة. أما القلم فلا، التعبير أيضاً لا. إن الحرية التي يتحدث عنها أولئك.. إنها تعني أن تكون محلات بيع المشروبات أكثر من المكتبات، أن تكون مراكز الفحشاء أكثر من مراكز العلم"([5]).

ب2- رغم وجود مؤشرات عن الحرية في دستور المشروطة قبل مجيء الأسرة البهلوية، لكن ذلك لم يطبق عملياً أبداً، وخلال تحديث إيران تم التركيز على مؤشرات أخرى للحرية، يصفها سماحة الإمام بأنها لا وجود لها في الثقافة الإسلامية لإيران:

"إننا نقول اعملوا بالدستور، إنه ينص على أن المطبوعات حرة، والقلم حر، فدعوهم يكتبون آرائهم. وإذا كان عندكم دين فاعملوا بما يقتضيه دينكم، وإذا كنتم تعتبرون الدين رجعية، فاعملوا بالدستور.. الدستور أعطى المطبوعات الحرية، وأنتم لا تدعوها حرة"([6]).

"إنكم لا تمتلكون قدرة إعطاء الحرية، فالخائن خائف"([7]).

 

ج- الإمام الخميني ومفهوم الحرية:

ج1- الحريات الفلسفية: استعمل الإمام الخميني في خطابه الكلامي والسياسي معنيين للحرية هما: الحرية الفلسفية أو التوصيفية أو ما يسمى بالاختيار(Free-Will) والحرية الحقوقية أو التجويزية (Freedom). الحرية الفلسفية في نظر الإمام مبنية على تحليله الذي طرحه في كتابه(الطلب والإرادة) حول ماهية الإنسان، وأهم موضوع مطروح بين المتكلمين المسلين في تحليلهم لماهية الإنسان، هو هل الإنسان مختار أو مجبر. ورأي الإمام في هذا المجال هو نفس التفسير المعروف عن الإمامية والجملة المشهورة "بل أمر بين الأمرين" أي أن الإنسان يقف بين الجبر والاختيار، وفي الواقع إنه يرى أن نظرة الأشاعرة التي تقول بالجبر تضييع بذلك حق المخلوقين، ونظرة المعتزلة التي تقول بالتفويض هي شركٌ بالله.

"ليس هناك فاعل مستقل في الوجود كله وفي دار التحقق سوى الله، أما باقي الموجودات فكما أنها غير مستقلة في أصل وجودها، بل هي في ربط محضٍ، ووجودها عني الفقر والتعلّق، وحرف الربط والاحتياج، فإن صفاتها وآثارها وأفعالها غير مستقلة أيضاً. نعم لها صفات وآثار، وتقوم بأعمال، لكن أياً من ذلك ليس مستقلاً.. فالآية المباركة {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ..} يؤكد فيها أنكم لن تشاؤوا شيئاً إلى أن يشاء الله، ففي الوقت الذي يثبت المشيئة للخلق، يبين ارتباط ذلك بمشيئة الله، ولا يقصد بذلك أن للمشيئين تأثير، أو أنهما مشتركين في التأثير، بل بحيث تكون مشيئة الإنسان ظهوراً لمشيئة الله، وعين الربط والتعلّق بمشيئة الله"([8]).

ج2- الحرية الحقوقية أو التجويزية: كما أن الحرية الفلسفية تتناول وجود الإرادة والاختيار عند الإنسان، وتبحث في الوجود والعدم. فإن الحرية الحقوقية تتناول تجويز إعطاء الإنسان حريته في اتخاذ القرارات وتعامله، وتبحث في المطلوب والمرفوض([9]) وقبل أن نتناول رؤية الإمام الخميني حول الحرية التجويزية، لا بد من بيان أمرين:

أولاً: إن الإبهام والتنوّع في تعاريف الحرية الذي بلغ مائتي تعريف حسب قول (آيزايا برلين)([10]) قد يؤدي إلى زيادة الإبهام الذي يلف آراء الأشخاص.

ثانياً: إن الإمام الخميني لم يقدم بحثاً منسجماً ومتكاملاً حول هذا النوع من الحرية، لذا يجب أن لا نتوقع منه تقديم تعريف جامع وكامل. ورغم ذلك فإن الأسئلة التي وجهها إليه الصحافيون الأجانب وخاصة أسئلة الصحفية الإيطالية المعروفة (أوريانا فلاشي) تجعلنا نستخلص من كلام الإمام تعريفاً للحرية، حيث طلبت منه الصحفية أن يقدم تعريفاً بسيطاً للحرية، فقال: "الحرية ليست قضية يمكن تعريفها، فالناس أحرارٌ بعقائدهم، ولا يلزمهم أحد بحمل عقيدة خاصة، أن لا يلزمك أحد التوجه من هذا الطريق حتماً، أن لا يلزمك أحد على انتخاب هذا دون ذاك، أن لا يلزمك أحد بالسكن في مكان خاص، أو أن تختار عملاً محدداً دون غيره. فالحرية أمرٌ واضح"([11]).

وهذا التعريف قريب من تعريف (روسو) عن الحرية حيث يعتبر أن (الحرية هي حكومة الإنسان على نفسه).

وتعريف (جان لاك) أيضاً يشبه التعريف المذكور آنفاً. فهو يرى أن الحرية هي قدرة الإنسان على القيام بعمل ما أو الامتناع عن أدائه. ويتبين أن التعريف المذكور قد قام فقط بشرح المعنى اللغوي للحرية، ولم يذكر شيئاً عن يقود سياسية واجتماعية للحرية. وفي الحقيقة فإن التعريف البسيط المذكور آنفاً هو نفس تعريف الإمام للحرية الفلسفية (إن شاء فعل وإن شاء ترك).

لكن سماحة الإمام قام خلال مقابلات أخرى بإكمال ذلك التعريف، وطرح قيوداً وحدوداً سياسية واجتماعية متنوعة، كما كان يعتقد (كانت) أن الحرية هي استقلال من كل شيء سوى قانون الأخلاق. أو(أرسطو) الذي قال: إن الحرية تعني قبول قوانين الدول المختلفة التي ستحكم متعاقبة. والإمام الخميني يوسع الحرية إلى حيث عدم التدخل، فيضع لها حدّين: الأول عدم الإخلال بالأسس الدينية، والثاني عدم الإخلال بالحكومة والمؤسسات المدنية([12]).

"إن الحرية لا تعني أن يتآمر أحد ما، أو يتحدث بكلام يحطم الشعب أوي يحطم النهضة، ليس تلك حرية. جميع الناس أحرارا في إطار نهضة الثورة الإسلامية. ومن لديه كلام فليعرضه، وأي فرقة كانت فلتعرض ما تريد. أما إذا أرادوا أن يتآمروا، وأرادوا تحطيم الإسلام، أو أرادوا تحطيم المؤسسات المنشغلة بنشاطاتها الإسلامية، فلن نسمح بمثل هذا"([13]).

من البديهي أنّ التعريف الأخير للإمام عن الحرية قابل للتوسعة والتضييق، فإن مفاهيم مثل التآمر وتحطي النهضة والمؤسسات المدنية تحتمل تفاسير وقراءات مختلفة. لذا لا بد من الغوص في سيرته العملية وخطاباته التفصيلية للاقتراب من رؤيته.

د- الإمام الخميني وقيمة الحرية: يعتقد الإمام الخميني أن الحرية هي من الحقوق الأولية للبشر التي أعطيت للإنسان منذ بدء الخلق. فالإمام كان يعبّر عن الحرية دوماً أنها: نعمة إلهية كبرى، وهدية سماوية، وأمانة إلهية. وهو لا يعتبرها امتيازاً يمكن للحكومة أن تعطيه أو تسلبه أحياناً، بل إن الحرية حق تماماً كما هو حق الحياة الذي يمتلكه الإنسان قبل تشكيل المجتمع والحكومة، وأن على الحكومة أن تحرس حريم الحرية: "لقد نهض بلدنا اليوم، وهذه النهضة توجب علينا جميعاً أن نتابعها.. فهي المنطق الذي يجب على البشر متابعته. إنهم يطالبون بالحقوق الأولية للبشر، فمن الحقوق الأولية للإنسان أن أطالب بأن أكون حراً، أن أقول ما أريد بحرية"([14]). "ما هذا الوضع الموجود في إيران؟ أي حرية تلك التي أعطوها؟ وهل الحرية تعطى؟ نفس هذا التعبير هو جريمة، تعبير أننا أعطينا الحرية هو جريمة، فالحرية هي للناس... والحرية التي تعطى ليست حرية حقيقية"([15]).

الحقيقة الهامة هي أن الإمام الخميني يستند إلى حقوق الإنسان فيقول: "إن حقوق الإنسان تقول أن جميع أفراد الشعب هم أحرار في إبراز عقائدهم"([16]). "أن يكون من حق هذا الشعب وأي شعب أن يحدد مصيره بنفسه، فإن ذلك من حقوق الإنسان التي أقرتها معاهدة حقوق الإنسان"([17]).

هـ- الإمام الخميني وأنواع الحرية:

هـ1- الحرية الاجتماعية: كما قيل من قبل فإن الحرية التجويزية عند الإمام الخميني ترتبط بمساحة محددة من عدم التدخل. أما كيف تحد كليات وأجزاء تلك الحدود؟ لابد من مراجعة كلامه وكتبه وكتاباته حول ذلك.

1- حرية التعبير والعقيدة: إن من أمن موارد الحريات السياسية الاجتماعية الحرية السياسية والتعبير عنها ونشرها أحياناً. ذلك لأن الحريات ما قبل التعبير كحرية التفكير والاعتقاد تكون بعض الأحيان غير اختيارية، كما أنه لايمكن الإطلاع على ذلك والوقوف بوجهه، مادام لم يصل إلى حد التعبير أو الكتابة ونشره في المجتمع.

في الفكر السياسي للإمام الخميني فإنَّ إظهار العقيدة وحرية التعبير من حق جميع الأفراد والفئات والأحزاب السياسية، وهذا الحق لا يختص بمؤيدي النظام الإسلامي. فالإمام يؤكد في كلامه أن الأقليات الدينية وحتى الشيوعيون هم أحرار في إبراز عقائدهم في الجمهورية الإسلامية([18]). أما حدود وثغور هذه الحرية فهي "عدم تعريض مصالح الشعب للخطر" فيقول الإمام في ردّه على السؤال: "ما هي الحدود التي ترونها لحرية التعبير والعقيدة؟ هل ترون لزوم وضع حدود لها أم لا؟

"إن التعبير عن أي شيء هو حر طالما لم يكن مضراً بوضع الشعب، أما ما كان مضرّاً بوضع الشعب فليس حرّاً فعله"([19]).وأجاب عن السؤال: هل تعتقد أن الفئات اليسارية والماركسية ستكون حرة في نشاطاتها؟ قال:

"إذا كان نشاطها مضرّاً بوضع الشعب فسيمنع، وإذا لم يكن كذلك وكان يقتصر على إظهار عقائدهم فلا مانع من ذلك، فجميع الناس أحرار، إلاّ الحزب الذي يخالف مصلحة البلد"([20]).

هـ2- الأقليات الدينية: إنَّ الأقليات الدينية من "زراددشت ويهود ونصارى...([21])" في فكر الإمام الخميني هم "إخواننا في الإيمان([22])" وهم "أحرار في أداء مناسكهم الدينية والاجتماعية([23])" و"على الحكومة الإسلامية أن تحافظ على حقوقهم وأمنهم"([24]). فهؤلاء هم إيرانيون، وكما يحق لكل إيراني آخر "يحق لهم تعين نواب، والانتخاب، وإظهار عقائدهم وأفكارهم"([25]).

هـ3- حرية المرأة: يعتقد الإمام الخميني:

أولاً: "لا تفاوت بين المرأة والرجل في الحقوق الإنسانية لأن كليهما إنسان"([26]). من هنا فإن المرأة تستخدم حقّها في الحرية كالرجل.

ثانياً: بما أن "الإسلام يعتني بالمرأة أكثر من الرجل"([27]). فإن للنساء في الإسلام حقوقاً أوسع فـ "حق الدراسة، حق العمل، حق التملك، حق التصويت، حق الترشّح، حق التعبير"([28]).

ثالثاً: وتصبح حرية المرأة محدودة عندما "تصبح المرأة لعبة الرجل"([29]). وتكون وسيلة لنشر الحرام والفساد في المجتمع.

"إن الإسلام يؤيد حرية المرأة، بل إنه هو الذي وضع أسس حرية المرأة في جميع الأبعاد الوجودية للمرأة"([30]).

هـ4- حرية الصحافة أو المطبوعات: الإمام الخميني كان يعتقد أن من حق المطبوعات أن تطرح آراء الأفراد والفئات، ويساهموا بذلك في تقوية النظام، ذلك لأن "الشؤون السياسية لا تصل إلى هدفها دون النقاش"([31])، ويجب أن تكون لغة الصحافة هي "لغة النصيحة"([32])، و"لغة الانتقاد. أما حدود حرية الصحافة فهي "إضعاف الجمهورية الإسلامية" و"التآمر على الثورة" و"الانتقام"([33]).

"إن حرية القلم وحرية التعبير لا تعني أن يكتب قلم أحد ما بحرية ضد مصلحة البلد، أن يكتب خلافاً للثورة التي ضحى الناس بدماءهم من أجلها. تلك حرية غير صحيحة، فالقلم حرّ في كتابة القضايا، لا أن يتآمر ضد الثورة... إنا نحترم الصحافة التي تدرك معنى حرية التعبير وحرية القلم"([34]).

هـ5- الانتخابات: كما أشرنا سابقاً فإن الإمام الخميني يرى أن التصويت والترشح هما من الحقوق الأولية للإنسان. لهذا فإن الإنسان حر ليقوم في "جو حرٍ" و"دون أي ضغط أو قوة أو تهديد أو تطميع"([35]) بالمشاركة في الانتخابات.

"كما قلت مراراً إن الناس أحرار في الانتخابات، ولا يحتاجون إلى قيّم عليهم، ولا يحق لأي فرد أو فئة وجماعة أن تفرض على الناس شخص أو أشخاص. فالمجتمع الإسلامي في إيران – الذي أيّد الجمهورية الإسلامية وقيمها السامية وحكومة القوانين الإلهية بدرايته ورشده السياسي، وبقي وفياً لهذه البيعة وهذا العهد الكبير - من المسلّم به أنه قادر على تحديد المرشح الأصلح وانتخابه. لكن من البديهي أن المشورة في الأعمال هي مما أمر به الإسلام"([36]).

من هنا فإن الحكومة المثالية للإمام الخميني هي الحكومة التي أولاً: التي لا تمنع الحريات للناس أي (رفض التسلط). ثانياً: وتحترم تلك الحريات ضمن إطار حقوق الإنسان والشريعة الإسلامية، وتحافظ عليها أي (الجمهورية الإسلامية).

2- الحرية الفردية أو الحريم الشخصي(Individual Space): إن الدستور ذي المواد الثمانية الذي أصدره الإمام الخميني بتاريخ 14/12/1982م إلى السلطة القضائية وجميع الأجهزة التنفيذية حول أسلمة القوانين والأساليب، هو في الحقيقة بيان حريات الإنسان في الحريم الشخصي. وقد أكد في دستوره هذا على "الوضع الحالي للأشخاص بغض النظر عن بعض زلاتهم التي ارتكبوها في النظام السابق". فقال: "لا يحق لأحد توقيف أحد ما أو استدعاءه دون حكم قاضٍ يستند إلى الموازين الشرعية، مهما كانت مدة التوقيف قصير. إن التوقيف أو الاستدعاء بعنف هو جرم، يستدعي التعزيز الشرعي.

لا يحق لأي أحد أن يتدخل ويتصرف أو يحجر أو يصادر مال أحد آخر منقولاً كان أو غير منقول، إلا استناداً إلى حكم حاكم الشرع، وذلك بعد التأكد الدقيق من ثبوت الحكم من الناحية الشرعية.

لا يحق لأي أحد أن يدخل بيت أو دكان أو مكان عمل شخص آخر دون إذن صاحبه، ولا أن يستدعيه، أو يطارده ويراقبه تحت شعار الكشف عن جرم أو ارتكاب ذنب أو أن يوجه إليه إهانة، ويرتكب بحقه أعمالاً لا إنسانية، ولا إسلامية، أو أن يتنصت على هاتفه أو يسجل صوته تحت شعار الكشف عن جرم أو الكشف عن مركز ذنب، أو يضع أجهزة تنصت أو يتتبع أسرار الناس للكشف عن ذنب وجرم مهما كان كبيراً، أو أن يتجسس على ذنوب الآخرين أو على أسرار الآخرين التي وصلته، ولا أن يفشيها حتى لشخص واحد. فكل واحد من تلك الأعمال هو جرم وذنب، وبعضها كإشاعة الفحشاء والمعاصي فإنها من الكبائر العظيمة جداً، وكل من يرتكب ما ذكر آنفاً فهو مجرم ومستحق للتغرير الشرعي، وبعضها يستوجب الحد الشرعي".

ويشير إلى حدود هذه الحرية فيقول: "إن ما ذكر وأعلن عنه لا يشمل ما يتعلق بالمؤامرات والفئات المعادية للإسلام ولنظام الجمهورية الإسلامية الذين يجتمعون في بيوت أمنية وفئوية للإحاطة بنظام الجمهورية الإسلامية واغتيال الشخصيات المجاهدة والأبرياء من الناس في الأزقة والأسواق، ولرسم الخطط للتخريب والإفساد في الأرض. والذين هم من المحاربين لله ورسوله. بل يجب التعامل مع أولئك – في أي نقطة كانوا، وفي جميع المؤسسات الحكومية والأجهزة القضائية  والجامعات والكليات وباقي المراكز - بحزم وشدّة، ولكن باحتياط كامل، وضمن الضوابط الشرعية وبما يتفق مع أمر المحاكم والإدعاء العام، لأن تعدي الحدود الشرعية أمر غير جائز حتى بالنسبة لأولئك، كما لا تجوز المسامحة والتساهل معهم. كما لا يجوز لرجال الأمن أن يقوموا بأي عمل تجاههم خارج حدود مهامهم المنحصرة بإفشال أولئك حسب الضوابط المقررة والأحكام الشرعية.

وأنبّه وأؤكد أنهم إذا دخلوا عن طريق الخطأ أو الشبهة عند محاولتهم اكتشاف بيوت التآمر ومراكز التجسس والإفساد وضد نظام الجمهورية الإسلامية إلى منزل شخصي أو مكان عمل شخص ووجدوا عنده آلات لهو أو آلات قمار وفحشاء وسائر أشكال الانحراف كالمخدرات، فليس لهم الحق بفضحه أمام الآخرين، ذلك لأن إشاعة الفحشاء هي من أعظم الكبائر، ولا يحق لأحد هتك حرمة مسلم، وتجاوز الضوابط الشرعية، بل عليهم أن يقوموا بواجبهم في النهي عن المنكر، بالطريقة التي أقرّها الإسلام، وليس لهم الحق في استدعاء أو اعتقال أو ضرب أو شتم أصحاب ذلك البيت وساكنيه، فإن تجاوز على الحدود الإلهية ظلم، ويستدعي التغرير والتقاصّ أحياناً. وأما أولئك الذين يظهر أن عملهم جمع المخدرات وتوزيعها بين الناس، فإنهم في حكم المفسد في الأرض، ومصداق للساعي في الأرض لإفساد وإهلاك الحرث والنسل، فلا بد من ضبط تلك الموجودات، وتقديم أولئك إلى مسئولي القضاء. ولا يحق لأي من القضاة إصدار حكم ابتداء يجيز فيه لقوى الأمن دخول منازل أو أماكن على أفراد ليست بأوكار أمنية ولا أماكن تآمر ضد نظام الجمهورية الإسلامية، ويتعرض مصدر هكذا حكم ومنفّذه إلى الملاحقة القانونية والشرعية"([37]).

وقد ميّز الإمام الخميني في بحثه لولاية الفقيه بين القضايا الاجتماعية والحريم الشخصي للأفراد، واعتبر أن ولاية الفقيه لا تشمل الحياة الشخصية للأفراد:

"في الجوانب المتعلقة بالحكومة فإن جميع الصلاحيات التي كانت لرسول الله والأئمة من بعده- صلوات الله عليهم جميعاً - فهي صلاحيات الفقيه العادل... لكن إذا ثبت للنبي والأئمة المعصومين(ع) ولاية خارج نطاق الحكومة فلا تثبت للفقيه. فإذا اعتقدنا أن للمعصوم ولاية على طلاق الزوج الرجل أو بيع أملاكه أو أخذها حتى لو لم تقتضي ذلك مصلحة عامة، فلا تثبت تلك الولاية للفقيه"([38]).


 

الهوامش:

[1]  صحيفة النور، ج7، ص 181.

[2]  صحيفة النور، ج12، ص 115.

[3]  صحيفة النور، ج10، ص 55.

[4]  صحيفة النور، ج9، ص 257.

[5]  صحيفة النور، ج9، ص 143.

[6]  خطاب الإمام بعد إطلاق سراحه من السجن بتاريخ 14/5/1964م.

[7]  من الرسالة المفتوحة التي وجهها إلى رئيس الوزراء عباس هويدا بتاريخ 15/4/1967م.

[8]  من كتاب الطلب والإرادة للإمام الخميني.

[9]  الحرية في الفكر السياسي للإمام الخميني، حميد حيدي، مجلة متين، العدد 2، ص 120.

[10]  مقالة مكانة الحرية في النظام السياسي، مجلة المعرفة، العدد 26.

[11]  صحيفة النور، ج9، ص 85. البعض استغل هذا الكلام ليثبت أن رؤية الإمام تتطابق مع رؤيا أيزايا برلين حول الحرية، لكن ذلك غير صحيح، ذلك لأن الإمام يرى أن الحق مولود غاية الإنسان والعالم، ومولد والفاعلية أيضاً، ويجب أن تكون الحرية مبنية على هذا الحق. من هنا يتبين أن رؤية الإمام  للحرية تختلف في ماهيتها مع نظرة آيزايا التي تقول بالحرية السلبية.

[12]  مقالة الإمام الخميني والحرية السياسية، صحيفة همشهري، بتاريخ 31/5/1999م.

[13]  صحيفة النور، ج 12، ص 103.

[14]  صحيفة النور، ج2، ص 130.

[15]  صحيفة النور، ج3، ص 67.

[16]  صحيفة النور، ج4، ص 76.

[17]  صحيفة النور، ج2، ص 125-126.

[18]  صحيفة النور، ج3، ص 48.

[19]  صحيفة النور، ج4، ص 258.

[20]  صحيفة النور، ج4، ص 258.

[21]  صحيفة النور، ج6، ص 98.

[22]  صحيفة النور، ج4، ص 161.

[23]  صحيفة النور، ج3، ص 103.

[24]  صحيفة النور، ج3، ص 103.

[25]  صحيفة النور، ج4، ص 205.

[26]  صحيفة النور، ج3، ص 49.

[27]  صحيفة النور، ج5، ص 221.

[28]  صحيفة النور، ج4، ص33-34.

[29]  صحيفة النور، ج3، ص 88.

[30]  صحيفة النور، ج 4، ص 192.

[31]  صحيفة النور، ج17، ص 267-268.

[32]  صحيفة النور، ج 20، ص 37.

[33]  صحيفة النور، ج 19، ص 216.

[34]  من كلام للإمام خلال لقائه بموظفي صحيفة كيهان بتاريخ 15/5/1979م.

[35]  صحيفة النور، ج 1، ص 24.

[36]  صحيفة النور، ج2، ص .194

[37]  صحيفة النور، ح17، ص 105-107.

[38]  كتاب البيع، ج2، ص 466، 489.

 
الرجوع