يقوم المركز حاليا بتحديث الموقع وتحسينه ويرحب بأية ملاحظات قد تكون موجودة لدى الأخوة الزائرين
09 September 2010
الخميس 30 رمضان 1431

 
 
العدد الرابع - الفكر السياسي عند الإمام الخميني > الإمام الخميني ومبحث الحرية
 

الإمام الخميني(قده) ومبحث الحرية

 أحمد واعظي

 

خلال دراسة التمدن الغربي المعاصر تبرز واقعية هي أن هذا التمدن رغم وجود نقاط ضعف ونقص أساسية فيه، وبصرف النظر عن بعض نتائجه وتبعاته المرّة، فإن فيه ظواهر جديدة متعددة وفي عدة مجالات. ففي بطن هذا التمدن هناك توجهات وقضايا لم تكن مطروحة من قبل في التاريخ البشري، وتعدّ من خصوصيات الحداثة والتمدن الغربي المعاصر.

إنها نوع من نظرةٍ إلى العلم وأهدافه وغاياته وأساليبه، إعادة النظر في المنزلة العلمية للإنسان، وجر الفلسفة والعقل المحض إلى النقد، وترويج الإستحسان العقلي والعلم البشري، والإستغناء عن الوحي، وضع أسس الحكومة الحديثة، رواج الديمقراطية والحكومة القائمة على المشاركة الشعبية، طرح مسألة الحرية في أبعادها المختلفة السياسية والثقافية والإقتصادية. تلك هي أهم خصوصيات ظهور التمدن المعاصر.

إنها نوع من نظرة إلى العلم وأهدافه وغاياته وأساليبه، إعادة النظر في المنزلة العلمية للإنسان، وجر الفلسفة والعقل المحض إلى النقد، وترويج الإستحسان العقلي والعلم البشري، والإستغناء عن الوحي، وضع أسس الحكومة الحديثة، رواج الديموقراطية والحكومة القائمة على المشاركة الشعبية، طرح مسألة الحرية في أبعادها المختلفة السياسية والثقافية والإقتصادية. تلك هي أهم خصوصيات ظهور التمدن المعاصر.

من وجهة النظر الدينية وبناءاً على التركيز على التعاليم الإسلامية فإن النتائج التي قدمها التمدن الغربي للإنسان المعاصر في عدة مجالات مرفوضة وقابلة للنقد. إن دراسة أبعاد هذا الصراع، وتحليل الموقف بشكل تفصيلي يعد محور بحث لطيف ملفت وبحاجة لتأمل آخر لسنا في مقام تناوله هنا. بل سنسعى في هذه المقالة أن نقوم بتقييم إجمالي ومحدود لبعض جوانب تفسير المدنية المعاصرة للحرية من جهة ورأي التعاليم الدينية بها، ونقوم بمحاكمتهما. وللقيام بذلك سنركز بشكل خاص على رأي ورؤية عالم الإسلام القدير والمجاهد الذي مزج العرفان والبرهان والقرآن والفقاهة والسياسة. والإمام العظيم الذي كان مقيداً بالأصول والمبادئ والقيم الإسلامية إلى درجة مدهشة، وفي نفس الوقت كان يمتلك في ساحة العمل والرأي إدراكاً واقعياً ومنصفاً للظروف العالمية وواقعيات المدنية المعاصرة. وإذا كان رفض أو انتقد بعض وجوهها، فلم يكن ذلك عن تعصب، بل عن بعد نظر ووضوح رؤية([1]).

إن منزلة الإمام الراحل كقائدة للثورة وبانٍ لحكومة حديثة تقتضي أن يخوض صراعاً فكرياً وتجاذباً أشد مع وجوه التمدن المعاصر. وكان عليه كقائد لثورة ومؤسس لنظام أن يعلن عن موقف صريح تجاه مقولات مثل: الجمهورية، الديموقراطية، الحرية. وقد دلّ تاريخ الثورة على تلفيق الإسلامية مع الجمهورية، ورفع مستوى دور الناس ومشاركتهم في الحكم على مدى التصوّر الواضح لديه عن حكومة دينية تتناسب مع الظروف البشرية الحديثة ثقافياً وسياسياً واجتماعياً([2]).

وقد أولى مسألة العلاقة بين الدين والحرية إهتماماً جدياً، وقد أعلن رأيه حولها عدّة مرات.

وقبل البدء ببحث أكثر تفصيلاً لابد لنا في هذا المجال أن نشير إلى أبعاد وجوانب البحوث المختلفة التي قد تطرح في باب الحرية، ليتضح محور هذا البحث، ومكانه بين مباحث الحرية.

 

الساحات المختلفة للبحث في الحرية:

إنّ التفسير الجديد للحرية، وخاصةً في طريقة التفكير الليبرالية فجرت مباحث ونزاعات عديدة، يمكن تقسيمها في عدة مجموعات هي:

أ- البحث في مفهوم الحرية: الحرية مفهوم مطاط، ويحتمل تفاسير كثيرة. وعلى كل نحلة فكرية أن تحدد تفسيرها الذي تعتمده للحرية، ونفيها وإثباتها لأي مفهوم للحرية موجه.

المقالة المعروفة لـ (آيزايا برلين) تحت عنوان (مفهومين للحرية) التي كتبها عام 1957م كان لها التأثير الكبير في رفع حدة النقاش حول مفهوم الحرية، وحوّله إلى بحث محوري حول الحرية.

ب- هل الحرية حق أم قيمةك هل الحرية حق من الحقوق الطبيعية والفطرية للبشر، أم إنها قيمة. ومعنى أن تكون الحرية قيمة هو الإنسان يجد آثاراً ونتائجاً إيجابية من كونه حراً مما يتطلب منه أن يدافع عنها، ويعطي الإنسان حريته.

أما معنى أن تكون الحرية حقاً فهو أن حرية البشر هي واقع لابد من تمكين الإنسان منه، ولا يمكن سلبها عنه إلا لسبب ودليل، ولا يحتاج اعطاؤها للإنسان إلى سبب ودليل. وأن الحرية حق منحه الله أو الطبيعة للإنسان.

النظرة التقيمية للحرية تراها بمثابة أسلوب، كأسلوب أثبت فائدته وفعاليته، وفي نظر الإنسان المعاصر أنها أسلوب مفيد يستخدم في مجال السياسة والثقافة والإقتصاد.

ج- الحرية مطلقة أم مقيدة: هل الحرية المطلقة هي المطلوبة، أم لا بد أن تكون مقيدة في بعض جهاتها؟ وهل يحق لإطار القوانين الوضعية أن يحدد بعض جوانب الحريات، ويضيق مساحتها؟

د- قيمة الحرية المطلقة: الفكر الليبرالي يرى أن الحرية هي قيمة مطلقة، أي أننا إذا اعتبرنا أن الحرية حق، فهي فوق كل الحقوق. وإذا اعتبرناها قيمة، فهي أسمى من كل القيم. ومعنى أنها مطلقة أنه لا يمكن تحديد الحرية وتضييقها تحت أي ظرف ولصالح أي قيمة أخرى. وأنه لا تحدها أية قيمة سوى الحرية نفسها. فإذا كانت حرية شخص ما تخلّ بحرية شخص آخر عند ذلك يمكن الحد من حرية الشخص الأول. لهذا فإن المدافعين عن فكرة أن الحرية قيمة مطلقة يرون أنه لا يمكن إلغاء بعض الحريات أو الحد منها لصالح العدالة أو الدين أو لأنها تهدد الأخلاق الفردية والقيم الدينية.

هـ- مصادر تحديد الحرية: لا يؤيد فكرة الحرية المطلقة إلا قليلون، على خلاف اعتبارها قيمة مطلقة. فكل حكومة تضطر إلى تحديد بعض الحريات الفردية والتضييق عليها في المجتمع من خلال التدابير والقوانين العامة. والسؤال الأساس في هذا المحور هو: ما هي المصادر لتحديد الحرية؟ وما هي المعايير التي يمكن اتباعها في الحد من الحرية الفردية في المجالات الإقتصادية والسياسية والثقافية المختلفة؟ وهل تعد الأخلاق والدين والتقاليد القومية معايير لتحديد الحرية؟

و- كيفية التوفيق بين حفظ اقتدار الحكومة ودفاعها عن الحريات: من المباحث الهامة والأساسية للفكر السياسي في القرون الأخيرة كيفية التوفيق بين ضرورتين هما: ضرورة حفظ هيبة الحكومة واقتدارها في المجتمع، وضرورة قيام تلك الحكومة المقتدرة بالحد من بعض الحريات الفردية من خلال سنّ القوانين واتخاذ القرارات.

وكيف يمكن أن تكون الحكومة مقتدرة، وتكون في نفس الوقت حامية للحريات الفردية؟

هذه المعضلة هي محور أساسي في تدوين الحقوق الأساسية في كثير من الأنظمة الحكومية والسياسية. فكل نظام سياسي يواجه هذه المشكلة بشكل ما، ويضع لها أسلوب حل خاص به.

ز- المباني والأسس النظرية للحرية: لقد أشرنا في المحور الأول أن هناك عدة تفاسير للحرية، ويعتمد كل تفسير على نظرية خاصة. وتنقيح هذه المباني وتبيين العلوم الإنسانية والمعرفة والفلسفة الأخلاقية، والإحاطة بكل منها يعد من المباحث اللطيفة والضرورية، لما له من علاقة بالحرية.

المباحث السبعة التي ذكرناها هي بحوث عامة تستدعي طرحها النظرة الشاملة للحرية، أما بالنسبة لعالم الدين فهناك جو آخر من البحث أمامه وهو معرفة النسبة والربط بين الفهم الرائج للحرية في الفكر الغربي المعاصر وبين الإسلام وتعاليمه. فعالم الدين يمكنه الدخول إلى هذه الساحات من خلال اعتماده على القيم والتعاليم الدينية، واتخاذ الموقف المناسب، والحكم من باب ميزان انطباق النظرات المختلفة مع الإسلام، والدفاع في بعض الأحيان عن منطقية عدم انسجام بعض التعاليم الدينية مع الفهم الرائج للحرية. أي على العالم الديني أن يكون قادراً على الدفاع عن فلسفة بعض أحكام الشريعة التي لا تتلائم مع بعض الحريات المتداولة والمقبولة.

هذه المباحث تعد من المباحث الخاصة للحرية. ولا بد هنا من الإعتراف أن البحث في الساحات المختلفة للحرية ونسبتها إلى الدين في المجتمع ببحث غير مكتمل، ولم يتصدى بجدية لهذه الأبحاث والدراسات لا المفكرين ولا علماء الدين. وقد أبدى الإمام الخميني(قده) رأيه في بعض هذه المجالات، لكن رأيه ذاك كان يغلب عليه طابع اتخاذ المواقف العامة والفصل بين الخطوط ورسمها، ولم يكن بحثاً أكاديمياً أو وردّ وإثباتات فلسفية وعلمية كتلك المتبعة في الدراسات النظرية والفكرية.

وقد ركّز الإمام الخميني في مجموعة خطاباته على محورين من المحاور السبعة للحرية أكثر من غيرهما، وهما الأول بحث مفهوم الحرية والفهم الإسلامي لها وتفاوته المتفاوت مع الفهم الغربي الرائج. والثاني بحث لزوم تقييد الحرية في إطار الإسلام وقوانينه. أي أنه يرى أن الحرية ليست قيمة مطلقة، بل يجب أن تكون محدودة بالقيم والقوانين الإسلامية([3]).

بالنظر لما مرّ آنفاً فإن مجال بحثنا في هذه المقالة سيكون محدوداً، لنوجهه نحو أنحاء التفاسير الموجودة للحرية ورأي الإمام الخاص في باب ماهية الحرية، ونترك البحث في سائر الجوانب الأخرى إلى مجال أوسع آخر.

 

تفاسير الحرية:

هناك تعاريف كثيرة للحرية، يمكن دمجها وتقسيمها إلى ثلاثة تفاسير وطرق فهم، أي أنه رغم الإختلاف في التعابير وتنوع الألفاظ لأي تعريف لا بد لأي منها أن ينضوي تحت أحد عناوين ثلاثة وهي:

أ- الحرية السلبية.

ب- الحرية الإيجابية.

ج- الحرية الإيجابية بحدها الأقصى.

 

الحرية السلبية (Negative Freedom): تعني فقدان الموانع والإجبار للقيام بالأعمال، لهذا يسمى هذا الفهم للحرية بـ (الحرية من Freedom from) وبناءاً لهذا التفسير فإن الفرد الذي لا يتعرض إلى ضغط وإجبار من قبل فرداً أو أفراد أو جماعة أو حكومة في أدائه لأعماله بشكل إرادي واختياري فهو حر، أي حرّ (من) الإجبار والإكراه.

إن الحرية السلبية تلعب دوراً محورياً في الفردية الليبرالية الأوروبية. فالليبراليون يدافعون دوماً عن هذا التفسير للحرية، ويقولون أن أي إنسان يجب أن يختار بنفسه طريقة تصرفاته، دون أن يكون مجبراً أو مكرهاً من قبل شخص أو سلطة على تصرف معين. فالليبراليون يعتبرون أن الحرية تعني الخلاص من أي فرض خارجي معين. ولعل أفضل كتاب يستعرض بوضوح هذا المفهوم للحرية الفردية الليبرالية هو كتاب (على باب الحرية On Liberty) لجون سيتوارات مل باللغة الإنكليزية([4]).

واستناداً إلى هذا الفهم الكلاسيكي للحرية فإن أي نوع من الإجبار يعد أمراً سيئاً ذاتاً لأنه يقف في وجه الآمال البشرية. حتى لو كان هذا الإجبار يهدف منع الأفراد من ارتكاب شرٍّ أكبر. وأن عدم التدخل –الذي يقابل الإجبار- يعد حسناً ذاتاً، وإن كان بمفرده أمراً سيئاً([5]).

التجديدية أي (الحرية الإيجابية) ليس ليبرالياً([6]).

والحرية الإيجابية (Positive) أو (الحرية لأجل Freedom to) تعني أن مجرد عدم وجود ضغط وإجبار خارجي لا يؤمن حرية البشر، فقد أكون في حالة وظروف لا أتعرض فيها إلى أي إجبار وإكراه خارجي من قبل الآخرين لكن لا أكون حرّاً.

قال هربرت صموئيل: (من كان أسيراً في سجن الفقر وانعدام الأمن فهو لا يعيش الحرية الحقيقة، فالحرية الحقيقية تكون في تحرره من هذه القيود أيضاً)([7]).

إن المعتقدين بالحرية الإيجابية يرون أن دفع غاية فرض وضغط الشخص أو الأشخاص الآخرين عن الإنسان لا يعد كافياً لحرية الإنسان واختياره. بل لا بد من تأمين العلل والأسباب الطبيعية أيضاً ليكون الإنسان حراً.

فأتباع الليبرالية الكلاسيكية وأتباع الحرية السلبية يركّزون على دور الإجبار والإكراه الإنسان في سلب الحرية، ويغفلون عن دور العلل والأسباب الطبيعية التي تكون أحياناً مانعاً لتحقيق الحرية.

هناك ثلاثة شروط حتى يصل الإنسان إلى مطلوبه وغايته وهي:

-       عدم وجود إجبار وفرض خارجي.

-       عدم وجود علل وموانع طبيعية تسد الطريق للوصول إلى المطلوب.

-       وجود الأسباب والقدرات التي تعين الشخص على وصوله إلى هدفه.

في أواخر القرن التاسع عشر برزت في أذهان وأفكار بعض الليبراليين فكرة تقول: إن الحرية الإقتصادية بمفهومها الكلاسيكي (أي أن كل إنسان حر بالقيام بأعماله الإقتصادية دون أي حدود وضغط من غيره). ستنتهي بإيجاد شكل جديد من الفقر واللاعدالة، وأن الحرية الإقتصادية للبعض ستؤدي إلى سلب قرص الحياة من كثير من الأفراد، مما يؤدي عملياً إلى سلب حريتهم. لذا إذا أردنا أن يكون الجميع أحراراً (أي الحرية الإيجابية) يجب أن يحصل الجميع على إمكانية وقرص ووسائل الوصول إلى غايتهم، وهذا يستدعي منع بعض النشاطات الإقتصادية والحد من حرية البعض (أي الحرية السلبية).

وكان غرين (T.H. Green) عام 1880م المنادي بهذا الفكر، وهذا ما أوجد ظهور تحول في الفكر الليبرالي، ومهد الطريق لزوال الليبرالية الكلاسيكية. هذا النوع من فهم الحرية لفت أنظار الإشتراكيين الديمقراطيين في القرن العشرين([8]).

وكما هو مشهود فإن (الحرية الإيجابية بالحد الأدنى) تهتم بالوسائل والأدوات، ولا يعتبر دعاته أن عدم وجود إكراه كافياً، وأن الحرية هي قدرة إيجابية للقيام بالأمور أو الإلتذاذ، قدرة تحصل عند تأمين الوسائط والأسباب وعند فقدان الموانع (من موانع طبيعية وإكراه وفرض من قبل الأشخاص والفئات).

هذا الفهم للحرية يهتم بالحاجات والقدرات والظروف الإجتماعية، ويطالب بتأمين الظروف والإمكانات الإجتماعية للجميع ليتمكنوا من بلوغ أهدافهم، وإذا لم يتحقق ذلك فليس هناك حرية، حتى لو لم يكن هناك ضغط وإكراه للأشخاص والآخرين([9]).

إن الحرية الإيجباية بحدها الأدنى لا تصدر أحكاماً حول غايات الأفراد وأهدافهم، بل تترك ذلك مبهماً، وتطالب بتأمين الظروف ليبلغ الأفراد غاياتهم، دون أن تعطي رأيها في نوع تلك الغاياات وتعيينها وتحديدها.

أما (الحرية الإيجابية بحدّها الأقصى) فإنها تتقدم عن سابقتها خطوة، فتحدد الغايات الخاصة، وتعتبر أن حرية البشر مشروطة بتأمين الأسباب والظروف لبلوغ تلك الغايات الخاصة.

الحرية الإيجابية بحدّها الأقصى تتفق مع الحرية الإيجابية بحدها الأدنى في أن حرية البشر لا تتحقق بمجرد عدم تعرضها للإجبار والإكراه الخارجي والحدود الإختيارية، بل يريان ضرورة تامين الأسباب والعلل والظروف، ورفع سائر الموانع أيضاً، لتصح تسمية الإنسان حراً. أما التفاوت الوحيد بين تلكما النظرتين إلى الحرية فهو موجود في أن نظرة الحد الأقصى تطرح غايات مثل: النمو الذاتي (Self Realization) أو تكامل النفس. ويعددون أموراً اعتبروها عنواناً لكمال النفس البشرية، واعتبروا أن الحرية تتحقق عند تأمين الأرضية المناسبة لبلوغ تلك الأمور.

أما الحرية الإيجابية بحدّها الأقصى فإنها تقوم على أساس علوم إنسانية خاصة، تعتبر أن الإنسان هو مفهوم أوسع من الغريزة والشهوات، يقول (آيزايا برلين): (إذا فسّرنا الحرية على أنها سيادة الإنسان على نفسه وأن لا يكون عبداً لغيره، عندئذٍ يطرح بحث مهم وهو أي إنسان هذا؟ فهيغل وأفلاطون وأنصارهما اعتبروا أن هناك النفس الطبيعية وأدنى والنفس المعنوية وأسمى، وذكروا عبودية الطبيعة. فقد يكون الإنسان غير متعرض لأي ضغط وإكراه خارجي، لكن في نفس الوقت يكون عبداً للطبيعة وللأنا السفلية. فرغم أن مفهوم الحرية السلبية لم يمس، لكن الحرية الإيجابية لم تتحقق. وبعبارة أخرى فإن تحرير النفس يصاحبه دوماً عبودية لنفسنا الأخرى. فإذا كانت النفس الطبيعية حرة غير ملجومة كانت النفس العقلائية والمعنوية مقيدة)([10])

 

الإمام الخميني ومفهوم الحرية:

لقد رفض الإمام الخميني الليبرالية الغربية أي الحرية بمعناها الأول، وذلك من خلال كلماته المتعددة. فهو يرى أن التحرر من القيود وترك الإنسان لحاله ليس أمراً مطلوباً في كل الأحيان، بل لا بد من تحديد الحريات الفردية في بعض المواد للوصول إلى صلاح المجتمع ورشده:

"إن الحرية الغربية هي شيء من الفحشاء يقومون بها كما يحلو لهم، أحرار في شهواتهم من كل قيد وحد، أحرار يفعلون ما يحلو لهم، انغمسوا في الفحشاء"([11]).

"علينا أن نعلم جميعاً أن الحرية بشكلها الغربي تؤدي إلى ضياع الشبان والفتيات واليافعين، وهي مرفوضة من قبل الإسلام والعقل، وإن الإعلام والمقالات والخطب والكتب والمجلات المخالفة للإسلام وللعفة العامة ولمصالح البلد فهي حرام"([12]).

"يقال إن المطبوعات حرة، وأن التعبير. لكن ذلك لا يعني أن الناس أحرار في أن يفعلوا ما يحلو لهم، مثلاً أحرار أن يسرقوا، أن يتوجهوا نحو الفحشاء، أحرار أن يؤسسوا مراكز فحشاء. هذه الحرية هي الحرية الغربية –باستثناء السرقة- تلك هي الحرية الغربية في أن يفعل كل إنسان ما يحلو له، حتى لو كان فعله ذاك غير لائق، مثل تلك الحرية لا يمكن أن تكون في إيران"([13]).

كما يلاحظ أنه يرفض بصراحة الحرية الليبرالية أو الحرية السلبية بشكل كامل، ويميل نحو الحرية الإيجابية بحدها الأقصى. فسماحة الإمام يرى أن الحدود التي وضعتها الشريعة افسلامية وقوانينها لا تخل بالحرية، بل تجعل الإنسان أكثر حرية، وهذا التحليل لا يتناسب إلا مع قبول مفهوم الحرية بحدها الأقصى.

"إن مقدار الحرية التي منحها الله تبارك وتعالى للناس أكبر من الحريات التي أقرّها الآخرون. فأولئك أعطوا حريات غير منطقية، أما الحريات التي منحها لله فهي حريات منطقية. فكل ما أعطاه أولئك فليس حرية، فلا بد أن تكون الحرية منطقية وخاضعة للقوانين"([14]).

إنه يرى أن الحرية الحقيقية تجد معناها في إطار التعاليم الإسلامية، فرغم أن الحرية قيمة ونعمة إلهية، لكنها ليست أسمى من سائر القيم، فالإسلام وقيمه وتعاليمه هم أسمى من أي شيء، ولا بد من رسم حدود الحرية في إطار الإسلام وقوانينه.

"إننا نريد الحرية في كنف الإسلام، نريد الإستقلال في كنف الإسلام، فالإسلام هو أساس ما نريد"([15]).

فاستنتاج الحد الأقصى لمفهوم الحرية الإيجابية في فكر الإمام ينبع من التعاليم الإسلامية. والآيات القرآنية والروايات تدعّم هذا الفهم للحرية، نشير هنا إلى بعضها:

فالقرآن الشريف يعتبر أن دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى التوحيد ورفض الشرك والترغيب بالعبودية تعمل على تحرير الإنسان، أي أنّ العقائد الباطلة والآداب غير الإسلامية تجعل الإنسان أسيراً وعبداً حتى لو كانت موافقة لميوله ورغباته وشهواته. قال تعالى: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)([16]).

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحريم بعض الأفعال يعد تضييقاً على حرية الإنسان في نظرة الليبرالية للحرية. لكن بما أنه يؤدي إلى كمال الإنسان وسمو نفسه الواقعية فإنه يعد عين الخلاص وبناء الإنسان في نظرة الحرية الإيجابية بحدّها الأقصى. والآية القرآنية الشريفة تدل على هذا المضمون فتسمي ذلك خلاصاً من الإصر والأغلال.

الروايات الإسلامية أشارت إلى الحرية الإيجابية أيضاً، حيث اعتبرت أن بعض الحدود المفروضة، والسير في خط العبودية لله، والسيطرة على الغرائز والشهوات عنواناً للسير نحو حرية الإنسان.

قال أمير المؤمنين علي عليه السلام: "من ترك الشهوات كان حرّاً"([17]).

وقال أيضاً: "من زهد في الدنيا أعتق نفسه وأرضى ربّه"([18]).

وقال كذلك: "من قام بشرائط الحرية أهلّ العتق"([19]).

إنّ ما قمنا ببحثه في هذه المقالة من العلاقة بين الدين والحرية كان بحثاً في مفهوم الحرية فقط، ونأمل أن يتصدى أهل التحقيق لسائر الأبعاد والجوانب المختلفة لهذا البحث، لنشهد في المستقبل القريب دراسات مفيدة في هذا المجال.

 

الهوامش:


[1]   كنموذج على ذلك إنه يقول في مجال التمدن المعاصر: "الإسلام يجيز جميع آثار التجدد والتمدن عدا تلك التي تجر فساداً أخلاقياً". صحيفة النور، ج4، ص 85. ويقول "إن الأنبياء يقبلون بجميع مظاهر التمدن لك المقيدة، لا المطلقة والمهملة" صحيفة النور، ج8، ص 62.

[2]   حيث يقول: "إن الحكومة الإسلامية لا تعود القهقرا، وهي تتفق مع جميع مظاهر التحدث، إلا تلك التي تضر بإستفزاز الشعب.

[3] حيث يقول: "يجب أن نعلم جميعاً أن الحرية بشكلها الغربي الذي يؤدي إلى ضياع الشبان والفتيات واليافعين مرفوضة في نظر الإسلام والعقل". صحيفة النور، ج21، ص 195. وقال: "إننا نريد الحرية في ظل الإسلام، نريد الإستقلال في ظل الإسلام، فأساس البحث هو الإسلام". صحيفة النور، ج6، ص 259.

[4]  Encyclopedia of Philosophy, Paul Edwards, Vol. 3, P222.

[5]  الليبرالية ومنتقدوها لمايكل ساندل، ترجمة أحمد تدين، ص 34.

[6]  Modern Political Idiologies, Andrew Vincent, P. 37.

[7]  Ibid, P. 40.

[8]  Political Idiologies, Andrew Heywood. P43, and Modern Political Idiologies, P 41.

[9]  Modern Political thought, Raymond Plant, P. 249.

[10]  آيزايا برلين، أربعة مقالات حول الحرية، محمد علي موحدة، ص 251.

[11]  صحيفة النور، ج8، ص 123.

[12]  صحيفة النور، ج21، ص 195، من وصيته السياسية الإلهية.

[13]  صحيفة النور، ج7، ص 18-19.

[14]  صحيفة النور، ج7، ص 202.

[15]  صحيفة النور، ج6، ص 259.

[16]  سورة الأعراف، الآية 157.

[17]  غرر الحكم للآمدي من.

[18]  غرر الحكم للآمدي من.

[19]  غرر الحكم للآمدي من.

 
الرجوع