مفهوم الوسطية الإسلامي(*)
أ.
السيد محمد حسن الأمين
وصلى
الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.
نحاول
في هذا اللقاء اليوم أن نبحث مفهوماً من المفاهيم ذات المكانة المميزة في الفكر
الديني الإسلامي وهو أيضاً من المفاهيم الذي تعنى به العلوم الفلسفية والسياسية
والإجتماعية في آن واحد أعني به مفهوم الوسطية.
إنه
مفهوم إسلامي بالدرجة الأولى ولعل أبرز نص إسلامي يتحدث عن الوسطية أو عن الوسط هو
النص الذي تجسده الآية القرآنية المباركة في قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطى
لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً".
وورد
في الحديث المأثور (خير الأمور أوسطها) وعرّف بعض فلاسفة اليونان الفضيلة بأنها
الوسط بين رذيلتين بمعنى أن هناك تطرفاً في سلوك الإنسان مرّة بإتجاه التفريط ومرة
بإتجاه الإفراط، ممثلين ذلك ببعض المفاهيم الخلقية والسلوكية فيقولون مثلاً بأن
الشجاعة وهي صفة من الفضائل الإنسانية هي وسط بين رذيلتين بين الجبن والتهور فإذاً
الفضيلة تكمن بين هاتين الرذيلتين بين التهور الذي هو صفة غير محمودة والجبن الذي
هو صفة مذمومة، والوسط بينهما هو الشجاعة ولذلك كانت الفضيلة هي الشجاعة لأنها
الوسط بينهما وكذلك الأمر بالنسبة لفضيلة الكرم وهو الوسط بين رذيلتين، رذيلة
الإسراف ورزيلة البخل، بينهما تكمن فضيلة الكرم، أي بين الإفراط والتفريط لا شك أن
هذا النوع من التوصيف للأفضلية هو إدراك الشيء من هذه الوسطية التي نادى بها
الإسلام والتي شاء الله سبحانه وتعالى للمسلمين أن يكونوا أمةً وسطاً يشهدون على
الناس، يشهدون على الإفراط ويشهدون على التفريط.
فالإسلام إذا هو دين الوسطية والإعتدال وشاءنا الله أن نكون أمةً وسطاً لأن ذلك أي
الوسطية مطلوبة لذاتها وبوصفها الفضيلة التي تحقق التوازن الإجتماعي البشري وشاءنا
أن نكون أمة وسطاً أيضاً لكي نكون نموذجاً وقدوة للناس كافة بإعتبار أن الإسلام ليس
ديناً محصوراً في أمةً من الأمم أو في شعبٍ من الشعوب وإنما هو للناس كافة وهدف
الإسلام أن تعم العقيدة الإسلامية ويعم الإنتماء الإسلامي على البشر كافة لذلك شاء
للمسلمين أن يشكلوا هذا النموذج أو هذه القدوة في حياتهم الخاصة والعامة وفي كل
أنماط سلوكهم لكي يكون ذلك عاملاً قوياً من العوامل التي تشد وتجذب الناس نحو هذا
النموذج الإنساني الذي لا شك انه يملك من عوامل الجذب ومن عوامل جلب الناس وعوامل
دفع الناس إلى الإلتزام بالعقيدة الإسلامية مقدار كبير بالإضافة إلى الأدلة
البديهية والأدلة العقلية التي تؤكد أحقية هذا الدين.
نحن
في هذا اللقاء لن نبحث التفاصيل التي إختلف وإتفق عليها المفسرون لمفهوم الوسطية
ولمفهوم الآية الكريمة التي أشرنا إليها وهو ليس مجال بحثنا الراهن فقد تعودنا أن
تكون محاضراتنا ولقاءاتنا محاولة لدراسة مفاهيم الإسلام من خلال الإشكاليات التي
يطرحها عصرنا الراهن وهذا من أجل أن نستعيد للتبليغ قوته المطلوبة وقدرة هذا
التبليغ على أن يكون تبليغاً معاصراً وليس مجرد نقلٍ شفهيٍ أو نقلاً سائداً
للمفاهيم والتعاليم الإسلامية دون أن يمر ذلك بإشكاليات العصر الذي نعيش فيه وهي
إشكاليات كما تعرفون كبيرة ومتعددة.
إذا
سوف نبحث هذه الوسطية فيما يخص الإجتماع الإنساني من زاوية إسلامية ومن زاوية
إجتماعية فالوسطية والتوسط فيما يخص التوسط الإجتماعي هي بالمفهوم الإسلامي وسطية
القيم والمفاهيم والعقائد ولا علاقة لها بمفهوم الطبقات بالعلوم السياسية
والإجتماعية.
العلوم السياسية والإجتماعية المعاصر تقسم المجتمع إلى ثلاث طبقات وهذا ربما أصبح
من البديهيات المعروفة لدينا جميعاً.
1ـ إن
هناك طبقة في المجتمع تسمى طبقة الأثرياء.
2ـ
وطبقة الفقراء.
3ـ
وطبقة متوسطة.
إن
المسلم عندما يتحدث عن الوسطية ولا يعني هذا النوع من التقسيم الإجتماعي الإقتصادي
وإن كان الإسلام معني بطبيعة الحال بهذا التفاوت الطبقي وقدعالجه الإسلام بطرق
عديدة ولكن عندما يثار مفهوم الوسطية في الفكر الإسلامي فإنه يتجاوز هذا المعنى
ليشير إلى العقيدة والفكر والسلوك.
وسطية
الإسلام في العقيدة والفكر والسلوك يتجلى بالمقارنة مع الأديان السماوية، أديان أهل
الكتاب كما نسميهم.
فكيف
تتجلى هذه الوسطية؟
تتجلى
بأن المسيحية هي دعوة للتجرد والإبتعاد عن هذا العالم وعن قضايا العالم المادية عن
الشهوات وتركز على مجال االأخلاق والترفع عن الشهوات المادية وينسب إلى المسيح(ع)
قوله إن مملكتي ليست في هذا العالم. نسمع هذه الكلمة تردد على منابر الوعظ في
الكنائس، فالمسيحية دعوة للتجرد أو الخروج من هذا العالم وصولاً إلى عالم الغيب.
أما
اليهودية فإن أتباعها الآن لا يؤمنون بالبعث ويعتبرون وجودهم في هذه الحياة وجوداً
نهائياً ينتهي بالموت سوف نلاحظ أن في هاتين الفئتين من أتباع الديانات السماوية
إفراط ويوجد تفريطاً يوجد دين فأحدهم يدعو إلى السماء فقط أي إلى الغيب ويهمل
الدنيا والآخر يهمل البعث ويدعو للتمسك في هذه الدنيا.
وسطية
الإسلام تدعو إلى أنه المزج بين هذين العنصرين بين الغيب والشهادة ويعمل على صياغة
إنسان هو مزيج من عنصري الشهادة والغيب. وهذا ما يعنيه البعض حينما يقول أن الإنسان
دين ودنيا وأن الإسلام دين ودولة أي أن وسطية الإسلام لم تهمل في الكائن الإنساني
نزعته الدنيوية ولكنها في الوقت نفسه وفرت للإنسان هذا التطلع نحو الغيب نحو الله
سبحانه وتعالى أي نحو الآخرة ونحو البعث.
هذا
مجال وسطية الإسلام بالمقارنة مع الأديان السماوية وأديان أهل الكتاب ويوجد مجالات
أخرى لتشكل مصاديق لهذه الوسطية وهي مجالات تقوم بالعقيدة والسلوك وفي الفكر أيضاً.
أما
التقسيم الإقتصادي الإجتماعي السياسي للمجتمع الإنساني وفق الطبقات الثلاثة التي
ذكرناها فهي من خصوصيات علم الإقتصاد وعلم الإجتماع، يمكن للمسلم أن يكون ممثلاً
لمفهوم الوسطية وهو ينتمي إلى الطبقة الغنية في المجتمع ويمكن للمسلم أن يمثل
لمفهوم الوسطية وهو ينتمي إلى الطبقة الفقيرة للمجتمع ويمكن لـه بطبيعة الحال أن
يكون ممثل لمفهوم الوسطية وهو ينتمي إلى الطبقة الوسطى في المجتمع الإسلامي.
إن
النجاح في الوصول أكثر فأكثر إلى البنية الإجتماعية من خلال إمتلاكنا لمعرفة
المجتمع سوف تضطرنا لأن نبحث في طبيعة هذا التقسيم الذي جرت عليه العلوم والتقسيمات
السياسية والإجتماعية الحديثة للمجتمع.
تذهب
بعض الفلسفات الحديثة ومنها الفلسفة المادية الماركسية إلى القول بأن الإنتماء
الإجتماعي للإنسان هو الذي يحدد للإنسان نوعية الأفكار وأنماط السلوك التي تصدر عنه
فبمجرد أن يكون المرء من طبقة ما يقولون أننا نستطيع أن نعدد أنماط سلوك هذا
الإنسان وأفكار هذا الإنسان لأن إنتمائه الطبقي هو الذي يحدد له أفكاره ويجدد له
أنماط سلوكه وبالتالي شاءت الماركسية وكثير من الفلسفات الإجتماعية (ولكن الماركسية
بصورة خاصة ونحن ما زلنا نعيش بقايا الأنظمة التي أنشأتها الماركسية) شاءت أن تدخل
هذا التقسيم الإجتماعي للإنسان إلى عملية تغيير شاملة للإجتماع الإنساني ومن هنا
دعت الماركسية ومن ثم الشيوعية إلى ثورة تقوم بها الطبقة الدنيا في المجتمع سموها
بالمصطلح الأجنبي (البلورتاريا) يعني العمال والفقراء أن تتحد وتتغلب على الطبقتين
الآخريين وهما طبقة الأثرياء والطبقة الوسطى فتتحقق سيادة الطبقة العاملة
(الفقيرة).
وقد
حقق الإتحاد السوفياتي هذه النقلة في الثورة التي قامت عام 1917 وأسقطت القيصر
وأعلنت الشيوعية في روسيا وفي الإتحاد السوفياتي ووافق ذلك شعار إنتصار
البلوريتاريا. لاحظوا أن الشيوعية بهذا المعنى تؤمن بما يسمى بصراع الطبقات لأن
الصراع بين هذه الطبقات هو قدر هذه الطبقات فالطبقة الثرية يجب أن تدافع عن مصالحها
ضد الطبقة الفقيرة وضد الطبقة المتوسطة وكذلك الطبقة الفقيرة يجب أن تدافع عن
مصالحها ضد الطبقة الثرية وضد الطبقة المتوسطة والطبقة المتوسطة تريد أن تحفظ
مصالحها ضد كلتا الطبقتين الأخريين إذا الماركسية الشيوعية تفهم العلاقة داخل
المجتمع على أنها علاقة صراع وبالتالي لا بد من إنتصار طبقة معينة، ففي المجتمع
الرأسمالي تنتصر الطبقة الثرية الرأسمالية وفي المجتمع البرجوازي تنتصر الطبقة
المتوسطة فتحكم المجتمع وفي المجتمع الشيوعي تنتصر الطبقة الفقيرة البلوريتاريا
فتحكم المجتمع.
الإسلام لا يرى أن العلاقة بين هذه الطبقات علاقة صراع لكن هذا لا يعني طبعاً أن
الإسلام يقر الظلم الذي تمارسه طبقة على أخرى بل يوجد في الإسلام من الأحكام
والآليات ما يمنع هذا النوع من الطبقية الحادة في المجتمع ويسعى في أن يقيم مجتمعاً
متوازياً يستلهم مبادئه وأفكاره من مفهوم الوسطية لأنه ليس مفهوماً مادياً بل هو
مفهوم عقائدي وقيمي ويتعلق بالسلوك والفكر.
نحن
الدعاة والمبلغين لسنا قوماً خارج هذا المجتمع نحن داخل هذا المجتمع وعندما ندخل في
نطاق هذا المجتمع ونقوم بواجباتنا فسون نكون عند ذلك على تماس مباشر مع هذا النوع
من الفروقات الإجتماعية والتي يحفل فيها مجتمعنا فهي موجودة في مجتمعنا بكل أسف لأن
مجتمعنا وإن كان ينتمي إلى الإسلام من حيث العقيدة البعض لا يجسد هذه العقيدة
الإسلامية نحن يجب أن نسعى في أن تتجسد العقيدة الإسلامية في بنية المجتمع وهذا سوف
يدفعنا أثناء عملنا الإجتماعي والسياسي بأن يكون أقرب إلى الطبقة المتوسطة في هذا
المجتمع وهذا لا يعني بأن الطبقة المتوسطة هي أكثر تديناً إذ يوجد بين الأغنياء
متدينون كما أنه يوجد في الفقراء متدينون لكن أريد أن أقول بأن أكثر الناس قدرة على
التفقه في الإسلام وعقيدته ومفاهيمه العليا هي الطبقة المتوسطة.
نحن
نعرف أن الإنتماء إلى الإسلام يتطلب الكثير من إعمال الفكر وإعمال الوجدان والتأمل
في الكون والحياة والمجتمع لأن المسلم مطالب دائماً بأن يعمل فكره وان لا يهمل عقله
على الإطلاق نلاحظ أن الناس الفقراء جداً المضطهدين والمسحوقين فإن جلّ إهتماماتهم
أو أكثر إهتماماتهم تنصب على القضايا المتعلقة على مسألة المعيشة ويسيطر عليهم هاجس
الحصول على أسباب المعيشة من طعام وشراب ومسكن إلخ…
بما
يعني أنهم لا يملكون الوقت الكافي للتأمل في القيم والمفاهيم وأن يناقشوا ويجادلوا
ويتفهموا الأمور والمفاهيم والقيم التي تقدمها العقيدة الإسلامية والتي تطمح بأن
تصوغ الإنسان المسلم صياغة كاملة وبسبب معاناتهم لا يبقى لهم من الوقت شيء يكفيهم
لأن يحصلوا على هذه الثقافة الإسلامية المعمقة.
كذلك
الأثرياء ثراءً فاحشاً قد يوجد بينهم من يلتزم بالعقيدة الإسلامية فكراً وسلوكاً
ولكن ثرواتهم غير شرعية غالباً وليس دائماً هم من النمط الإجتماعي الذي لا يعنيه في
هذه الحياة سوى المزيد من الحصول على الأموال وحماية هذه الثروات المالية الذي
حصلوا عليها وبالتالي فالذي يشغل بالهم وهمومهم هو الحصول على هذه المتع
والإمتيازات والمحافظة عليها.
الطبقة الوسطى الذي تحدثنا عليها هي التي يوجد فيها هذا الحد الوسط بين تطلع
الإنسان إلى تحصيل أسباب المعيشة وأسباب المتاع في هذه الدنيا وبين التطلع إلى أن
يشبع حاجاته الروحية وحاجاته المعنوية والثقافية. والطبقة الوسطى بما أنها مرتاحة
إلى حد ما مادياً فإن لديها الوقت الكافي لكي تهتم بالأفكار والمفاهيم والقيم فهي
إذا الطبقة الأكثر قدرة على تفهم الحقيقة وعلى تفهم قيم العدل وقيم المساواة وقيم
الحرية وبالتالي فهي الأقرب إلى فهم القيم الإسلامية بإعتبارها القيم المتوسطة التي
تمجّد قيم الحق وقيم العدل وقيم شرف الإنسان.
هذا
ما نراه إذن أن الإسلام ودعوته ومفاهيمه هي أقرب إلى الفئة المتوسطة.
أنا
أطرح هذا الموضوع بوصفه موضوعاً يشمل كل المجتمعات الإسلامية على مستوى عالمنا كله
وأريد أن أشير إلى أن الإجتماع المتقدم أي ما يسمى بالإجتماع المتقدم في عصرنا وبكل
أسف فإنه يجب أن نعترف بأن هناك دولاً غير إسلامية حققت خطوات وأشواطاً بعيدة من
التقدم المادي والإجتماعي وحتى العقلي والفكري والعلمي سوف نلاحظ ظاهرة إجتماعية في
هذه المجتمعات في فرنسا في بريطانيا في أمريكا في السويد غالباً في أوروبا تلاحظون
أن الطبقة المتوسطة في هذه المجتمعات هي أوسع الطبقات على الإطلاق، يوجد طبقة رأس
مالية غنية جداً ويوجد طبقة فقيرة ولكن الطبقة المتوسطة هي الأوسع فإذا كانت الطبقة
الغنية تمثل 5 % من المجتمع والطبقة الفقيرة تمثل 5% من هذه المجتمعات سنجد أن
الطبقة المتوسطة تمثل 90 % من هذه المجتمعات.
في
العالم الذي يسمونه العالم الثالث الموصوف بالتخلف يكاد أن يكون هناك طبقتان في
المجتمع طبقة ثرية جداً وطبقة فقيرة جداً فمن يذهب إلى أفريقيا يشاهد أن الناس
ينقسمون إلى طبقتين طبقة أثرياء جداً وطبقة فقراء جداً لا يملكون أحياناً ما يقي
جلودهم من الحر والبرد.
إذا
صعدنا نحو المجتمعات الأرقى قليلاً إلى مجتمعاتنا في العالم العربي والإسلامي نرى
أن المجتمع ينقسم إلى ثلاث طبقات فقيرة وغنية ومتوسطة لكن نلاحظ أن الإغنياء هم
أقلية وكذلك المتوسطون فهم أقلية. الفقراء هم الأكثرية في هذا المجتمع فإذا تأملنا
هذه الظاهرة نشعر بأن المعيار للتقدم وفق مفاهيم عصرنا ووفق مفاهيم العدالة أيضاً
هو في أن تكون الطبقة المتوسطة طبقة متسعة وكل ما كانت هذه الطبقة متسعة كان ذلك
دليلاً على التقدم.
بالوسطية يريدنا أن نكون من العاملين على توسيع دائرة الطبقة الوسطى في مجتمعنا إلى
الدرجة التي نبلغ فيها أن لا يكون في مجتمعنا فقراء على الإطلاق، فلا شك في أن
السعي في إنهاء الفقر كلياً في المجتمع هو هم من هموم الإسلام وهو هم من هموم
الدعاة إلى الإسلام والمبلغين إلى الإسلام لأن الفقر هو مذهبة للعقل كما يقول
إمامنا أمير المؤمنين(ع) : "لو تجسد لي الفقر رجلاً لقتلته بسيفي هذا ،
وكاد الفقر أن يكون كفراً".
إذا
المناخ والمحيط الذي يتواجد فيه الفقراء هو محيط لا إنساني وبالتالي فإن الفقراء
بحكم المعانات التي لا يعيشونها يكون لديهم القدرة على تفهم وإستيعاب المفاهيم
العليا للإسلام التي تريد أن ترتقي بالإنسان فيجب أن نحرر هذه الطبقة من فقرها حتى
تستطيع أن تكون طبقة قادرة على وعي الإسلام وعياً حقيقياً وأيضاً فإن الداعية
المسلم والمبلغ المسلم الذي هو جزء من حيوية المجتمع يجب أن يتصدى للثراء الغير
الشرعي ومن هنا نفهم كيف أن الداعية الإسلامي في عصرنا هو ليس مجرد ناقل أقوال
وآيات قرآنية بل هو جزء من حركة المجتمع وصراع المجتمع من أجل أن يغير هذه البنية
الإجتماعية حتى تكون بنية قادرة أكثر على حمل العقيد الإسلامية وإحتمال موجبات هذه
العقيدة الإسلامية.
وهذا
ما يجب أن يكون من أهدافنا لذلك شئنا في هذا الدرس في هذه المحاضرة أن نلقي بعض
الأضواء على المسألة الإجتماعية لكي نكون على معرفة بالعلاقة بين مهماتنا
المستقبلية وبين ضرورة المعرفة والإحاطة بالبنية الإجتماعية حتى يكون ذلك طريقاً في
عملنا ونجاحنا.
قد
تحدثنا عن مفهوم الوسطية الإسلامي وميزنا بين مفهوم الوسطية في الإسلام وبين
المفهوم الاجتماعي والاقتصادي الحديث لمفهوم الوسطية وتداولنا التقسيم تقسيم
المبادئ الاقتصادية والاجتماعية الحديثة للمجتمع بوصفه منقسماً إلى ثلاث طبقات :
1- الطبقة
الغنية
2- الطبقة
الفقيرة
3- الطبقة
الوسطى
وتحدثنا عن ضرورة الإلمام والمعرفة بهذه العلوم الاجتماعية وبهذا النوع من التقسيم
الاجتماعي والاقتصادي الحديث ولما لذلك من تأثير كبير على معرفتنا بطبيعة المجتمع
الذي نعمل فيه أو نريد في المستقبل أن نكون ممثلين وفاعلين فيه بوصفنا دعاةً
للإسلام وبوصفنا مبلغين نستهدف أن نؤثر على المجتمع بكامل طبقاته مما يجعلنا مضطرين
لأن نكون على إلمام و معرفة وثيقة بالتمايزات الاجتماعية وتأثير هذه التمايزات على
الأفراد وعلى الجماعات لكي نستطيع أن نخاطبها بما يتناسب وواقع هذه الطبقات
الاجتماعية. وميزنا بين مفهوم الوسطية في الإسلام وبين مفهوم الوسطية الاقتصادي
والاجتماعي لمعنى الوسطية وقلنا أن الوسطية الإسلامية تتجاوز مفهوم تقسيم المجتمع
إلى طبقات ثلاثة وأن الفرد المسلم أو المجموعة تنتمي إلى هذا المفهوم الوسطي لا
بالمعنى الاقتصادي ولكن بالمعنى الفكري وبالمعنى الروحي والمسلكي. والآن نحن نريد
أن نستطرد ونتابع حديثنا حول مفهوم الوسطية ونميز بين الإسلام بوصفه مصدراً
لمفاهيمنا وقيمنا ورؤيتنا للمجتمع وبين هذه المذاهب الفلسفية والاجتماعية
الاقتصادية التي تحدثنا عليها وأولها ما نريد أن نميز بين الإسلام وهذه المذاهب هو
أن هذه المذاهب وخاصة المادية وبشكل أخص الفلسفة الماركسية أو ما يسمى المادية
التاريخية والمادية الجدلية والتي يعبر عنها بالفلسفة الديالكتيكية التي تعتبر أن
أخلاق الفرد وأنماط سلوكه في المجتمع تتحدد من خلال الطبقة الاجتماعية التي ينتمي
إليها هذا الفرد وبمعنى أوضح فإن المادية التاريخية أو الديالكتيكية الجدلية ترى
أنك يمكن أن تتنبأ بأخلاق فردٍ ما وبأنماط سلوك هذا الفرد وبتصرفات هذا الفرد بمجرد
أن تعرف إلى أي طبقة اجتماعية ينتمي فإن كان ينتمي إلى الطبقة الثرية فلا بد أن
يكون هناك نمط من السلوك و التفكير و الأخلاق يتصف بها هذا الفرد الذي ينتمي إلى
هذه الطبقة الغنية وكذلك أنت تستطيع أن تتنبأ بسلوك فرد آخر بمجرد أن تعرف أنه
ينتمي إلى الطبقة الفقيرة أو المتوسطة
إذاً
هذه الفلسفة أو هذه الفلسفات الاجتماعية تعتبر أن السلوك وأنماط التصرف والأخلاق
تحددها الانتماءات الطبقية للإنسان ويوجد في هذه الفلسفات نوع من الجبرية إذا صح
التعبير أي بمعنى قل لي إلى أي طبقة اجتماعية تنتمي أقل لك ما هو فكرك وسلوكك وما
هي أخلاقك ولذلك سعت هذه الفلسفات والنظريات الاجتماعية وعلى الأخص منها الفلسفة
المادية الماركسية إلى دفع المجتمع إلى مزيد من الصراع بين الطبقات، إنهم يؤكدون
بأن العلاقة التي تقوم بين الطبقات في المجتمع ليست علاقة تكامل وتعاون وإنما هي
علاقة صراع وعلاقة نفي ونفي متبادل ولعل الذين اطلعوا منكم على شيء من الفكر
الماركسي والفلسفة الماركسية الشيوعية يعرف أن هذه الفلسفة استناداً إلى هذا الفكر
الذي تقوم عليه قد دعت إلى أن تنتصر في هذا الصراع طبقة البلورتاريا، أي طبقة
الفقراء والعمال وأنه لا بد أن ينتهي هذا الصراع بانتصار هذه الطبقة، وقامت تجربة
سياسية ضخمة وطويلة المدى نسبياً بناءً على هذا الفكر، أي الفكر المادي التاريخي
والمادية الديالكتيكية0 فالثورة التي حصلت في الاتحاد السوفياتي هي ثورة موجهة بهذا
النوع من الفكر، أي تسليم السلطة في الاتحاد السوفياتي إلى طبقة البلوريتاريا وكان
الحزب الشيوعي الذي حكم هو الذي يمثل هذه الطبقة لأن المادية الديالكيتيكية
والتاريخية تؤمن بأن هذا الصراع بين الطبقات لا بد أن ينتهي بفوز الطبقة الفقيرة
التي تحكم من أجل أن تحمي مصالح هذا المجتمع وتجعله بدون طبقات0
نحن
منهجنا في الإسلام لا يبتعد عن رؤية المجتمع وطبقات المجتمع
فمنذ أقدم عصور التاريخ إلى يومنا هذا نجد أن هناك طبقات ونحن نقرّ أيضاً بأن
المجتمع الذي ينقسم إلى هذه الطبقات الثلاثة فإن الطبقات توجد بينها في كثير من
الأحيان علاقة صراع ولكننا لا نؤمن بأن علاقة الصرع هي القدر المتيقن والضروري
للعلاقات بين الطبقات الاجتماعية مع العلم أننا كمسلمين نعمل بكل إيمان وعقيدة وبكل
فهم دقيق للإسلام الذي يريد أن ينتج مجتمع العدالة وتكافؤ الفرص ومجتمع الكفاية
والعدل نعمل من أجل أن يكون هنالك مجتمع تذوب بنسبة عالية هذه الفروق بين فئة
اجتماعية وبين فئة اجتماعية أخرى ولكننا لا نؤمن أن الصرع هو القدر بين الطبقات
الاجتماعية. كما أن الإسلام يتجاوز في فهمه للكائن الإنساني هذه الرؤيا الأحادية
الجانب. والإسلام لا يفسر التاريخ والمجتمع والكون والحياة بوجهةٍ أحادية ولا نقول
بأن الاقتصاد هو المحرك الوحيد للتاريخ والمجتمع كما لا نقول بأن الرغبة الجنسية
عند الإنسان هي التي تحرك التاريخ وهي التي تشكل أنماط سلوك الإنسان وهي التي تتحكم
في كل تصرفات الإنسان وكذلك نحن لا نقول بأن الرغبة في النفوذ والسلطة. على ما تذهب
إليه بعض الفلسفات والنظريات الاجتماعية. هي التي تتحكم في سلوك الإنسان والتي تفسر
أي سلوك وأي تصرف من تصرفات الإنسان. نحن نؤمن بأن هناك تكامل بأن هذه العوامل التي
ذكرتها هذه الفلسفات سواء كانت من المال أو الجنس أو النفوذ لكن لا يصلح كل عامل من
العوامل المذكورة أن يكون محركاً وحيداً للتاريخ والمجتمعات0 لكن فبالإضافة إلى هذه
المحركات الطبيعية الموجودة في المجتمع وفي الكائن الإنساني نحن نؤمن أن أحد أقوى
الدوافع المهمة في سلوك الإنسان هو الإيمان، الإيمان بأن هذه الحياة التي نعيشها
ليست هي الحياة النهائية
فمن
الطبيعي أن المنتمي إلى الإسلام وبالتالي المنتمي إلى خط الديانات السماوية أو إلى
السلسلة المضيئة من الديانات السماوية يرتكز في وجدانه وفي عقله وفي روحه، أن
الحياة هي معبر وممر إلى حياة أبقى، هذه الحياة التي تكون بعد الموت والتي تكون
مجال للثواب والعقاب وأن الحياة الدنيا هي امتحان للإنسان.
لنرَ
ما هو تأثير هذه العقيدة على سلوك الإنسان في الحياة الدنيا. فهذه العقيدة التي
تقوم على الإيمان بالبعث والإيمان بالحساب من شأنها أن تجعل من الدوافع السامية
والدوافع الرفيعة حاكمةً على الدوافع الاقتصادية والاجتماعية التي تعتبر الفلسفات
الوضعية بأنها تشكل المصدر الوحيد لسلوك الإنسان. الإسلام يرتفع عليها من خلال
تكريس هذا الإيمان في وجدان الإنسان وفي روحه وفي عقله ويجعله قادراً على أن عيش
هذه الحياة بمعزل عن الضغوط التي تنشأ عن انتمائه الطبقي فمثلاً:
يمكن
للمرء أن ينتمي إذا كان مؤمن حقيقي وإذا كان يصدر في سلوكه عن هذا الإيمان الحقيقي
يمكن أن ينتمي إلى الطبقة الثرية في هذا المجتمع ولكن سلوكه ليس بالضرورة أن يكون
سلوكاً شبيهاً بسلوك الفرد الذي ينتمي إلى هذه الطبقة ولكنه لا يؤمن بالحساب ولا
البعث ولا يؤمن بالله سبحانه وتعالى
في
المجتمعات الغربية بصورة عامة تمّ إلى حد بعيد مصادرة هذا الإيمان، الإيمان بالبعث
والإيمان بالحساب والعقاب للأنسان فتحول الإنسان إلى كائن وجودي يعيش هذه الحياة
باعتبارها هي الفرصة الوحيدة للوجود وبعد ذلك لا يوجد فرصة أخرى لأن يكون موجوداً.
ومن
هنا تصبح العوامل المادية أكثر وابلغ تأثيراً على سلوك هذا الفرد الذي يعتبر أن
الدنيا هي فرصة الوجود الوحيدة للإنسان فيما المسلم يعتبر أن هذه الحياة في الدنيا
مقدمة وحلقة من حلقات وجوده الطويل فهو قادر على أن يتجاوز الضغوط الذي تمليها عليه
انتماءاته الاجتماعية وانتماءاته الطبقية.
يوجد
مفهوم وهذا ما نعتبر أن الإسلام يتميز به عن بقية هذه الفلسفات وهذه النظريات
الاجتماعية لا يمكن أن يكون موجوداً هذا المفهوم إلا في الإسلام أو في الديانات
السماوية الحقيقية يوجد في الإسلام ما نسميه بمفهوم الزهد الذي نعتبره نحن المسلمين
عنصر من عناصر صياغة سلوك الإنسان المسلم.
وهذا
المفهوم لا يوجد في الفلسفات الوضعية وخاصة في المادية منها يعني والسبب في ذلك
تتعاطى مع الإنسان بوصفه كائناً وجودياً ليس له امتداد ما بعد الموت، فمن الطبيعي
أن يكون هدف الإنسان هو الحصول على أكبر قدر ممكن من المتاع والملذات والمكاسب في
الحياة الدنيا أو على الأقل أن يكون مسعى الإنسان في هذه الدنيا قد وصل إلى كامل
حقوقه، فإذا شعر أن بعض حقوقه منقوصة فإنه يشعر بالأسى والألم الكبير لأنه لا يوجد
لديه إيمان بأنه سوف يعيش مرة أخرى وأن الله سبحانه وتعالى سوف يبعثه وبالتالي فإن
الآخرة هي الحياة الحقيقية فهي ليست موجودة في وجدانه، أما المسلم فعنده الإيمان
الذي يجعله قادراً على ممارسة الزهد وعلى التحرر من جبرية السلوك الطبقي0 الإيمان
بالزهد بما في هذه الحياة الدنيا من الأموال والمكاسب يحرر الإنسان من الجشع والطمع
وبالتالي يحرره من الظلم والجور ويحرره من النفاق والرياء. فالنفاق والرياء دائماً
هما سمة الإنسان الذي يضعف أمام حاجاته المادية فيضطر إلى سلوك النفاق والرياء لدى
من يعتقد أنه متسلط على حياته المادية وعلى مكاسبه ومنافعه.
مفهوم
الزهد الإسلامي يحرر الإنسان من كل هذه الصفات السلبية
لكننا بطبيعة الحال لا نعتقد أن المسلمين يمارسون هذا المفهوم ممارسة حقيقية
والقليل من المسلمين هم الذين تتسم أنماط سلوكهم بالزهد الحقيقي أحد مهماتنا نحن
كدعاة ومبلغين أن نبلور مفهوم الزهد الإسلامي وخصوصاً مفهوم الزهد السلبي، حيث
يعتقد البعض بأن الزهد الإسلامي هو شكل من أشكال الانقطاع عن الحياة، أن نزهد في
هذه الحياة يعني أن ننقطع عنها كلياً هذا النوع من الزهد في الحقيقة ليس زهداً
إسلامياً يوجد هذا النوع من الزهد في فلسفات غير إسلامية في فلسفات روحية وفي أنماط
سلوك لجماعات البوذية وغيرها من الجماعات التي تنتمي إلى أديان غير سماوية.
في
الإسلام الزهد
ليس عملية خروج من الحياة وانفصال عن الحياة إنما هو نوع من الترفع عن الرغبات التي
تجرد الإنسان ن مضمونه الإنساني ومن مضمون الإيماني ومضمون السمو عند الإنسان، يوجد
آية كريمة تحدد تماماً مفهوم الزهد الإنساني بكلامٍ قليلٍ جداً ولكنه بالغ الأهمية
في قوله تعالى: "كي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم "،
فالإسلام يطمح لبناء الكائن الإنساني الذي لا تخرجه الخسارة عن طوره الإنساني كما
أن الربح لا يخرجه عن طوره الإنساني بينما الكائن الإنساني ضمن الفلسفات الوضعية
الراهنة تراه يطغى إذا استغنى (أن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) ويصبح يائساً إذا
خسر أمام الفقر.
الإسلام يريد أن ينجز صياغة كائن إنساني يكون قادراً على الترفع عن المشاعر التي
تخرج الإنسان عن توازنه وتخرج الإنسان عن مسيرته باتجاه الله سبحانه وتعالى.
إذاً
الزهد هو ما تعبر عنه الآية الكريمة في قوله تعالى: "لكي لا تأسوا على ما فاتكم
ولا تفرحوا بما آتاكم" لا بمعنى أن لا تحزنوا بالمطلق ولا بمعنى أن لا تفرحوا
بالمطلق وإلا لا يعود الكائن الإنساني كائناً إنسانياً ولكن المقصود بالآية أن لا
يخرجكم الحزن عن طوركم عند فقدكم لشيء تحبونه وأن لا يخرجكم الفرح عن طوركم عندما
تحصلون على شيء تحبونه هذا هو الزهد الإنساني ويبين الإمام الصادق(ع)
المعنى الدقيق لمفهوم الزهد الإنساني بما مضمونه: ليس الزهد في أن لا تملك
الأشياء ولكن الزهد في أن لا تملكك الأشياء، لاحظوا هذا الفارق الكبير بين أن
تملك الأشياء وبين أن تملكك الأشياء، فالكائن أو الفرد الآن الذي يعيش في ضمن
الحضارة المادية هو في الواقع لا يملك المال والعقارات والسيارات ومتاعات الحياة
بقدر ما هو مملوك لها، فإذا حصل على المال أصبح أسير هذا المال، لذلك تراه يحار في
هذا المال فهو لا يستطيع أن ينفقه مع العلم أنه هو سعى لتحصيل هذا المال من أجل أن
يكون قادراً على إنفاق هذا المال ولكنه في الواقع يصبح أسيراً لهذا المال.
المسلم ليس من يزهد في المال بمعنى أن لا يسعى في طلب المال، بل بالتأكيد فالمسلم
مدعو لإعمار هذه الحياة بالعمل وبالانتاج والازدهار، لذلك كما تعلمون أن من
الواجبات الكفائية وجود كل أنواع العمل في المجتمع يعني فإذا كان هناك مجتمع مسلم
ليس فيه طبيب فإن المجتمع يأثم بكامل أفراده عندما لا يكون هنالك طبيبب في هذا
المجتمع، فإذا قام أحد أفراد هذا المجتمع وتخصص في مجال الطب وأصبح طبيباً يسقط هذا
الواجب عن المسلمين، فإذاً الإسلام لا يدعو إلى خراب الحياة، بل إلى إعمارها وليس
دعوة إلى الفقر، بل دعوة إلى الرزق. والمسلم الذي يسعى إلى إعمار الحياة ويحصل على
مادة الحياة وهي المال لا يصبح أسيراً لهذا المال إنه يملك المال لا أن المال
يملكه، وهذه فكرة من أعمق وأسمى ما جاءت به الشرائع وما يمكن أن يراه الإنسان في
هذه الطبيعة البشرية التي هي في حكم تكوينها ترغب في الاستئثار وترغب في الظلم وفي
الملكية ولكن الإسلام جاء ليهذبها ويجعلها أكثر قدرةً على التعالي عن هذا الانشداد
إلى الملكية والعبودية للمال الإسلام يحررنا من هذه العبودية بأن يجعل من الإنسان
كائناً يسعى ويجاهد في سبيل إعمار حياته ولكنه لا يصبح أسيراً لما ينتجه.
ومن
هنا يمكن أن يكون الفرد المسلم فقيراً ولكن الفقير هل يعالج فقرة بالزهد كلاَّ هنا
الخطأ الذي نرتكبه عندما ندعو الفقراء أو نحسن للفقراء في مجتمعنا مفهوم الزهد.
الزهد
ليس علاجاً للفقر والفقير لا يمكنه أن يكون زاهداً الفقير والفقر يعالج بالصبر
والجهد من أجل مكافحة الفقر وقد أشرنا سابقاً لأقوال الإمام علي(ع)
وهو يواجه الفقر ويهجوه بكلامٍ له دلالاته الكبيرة (لو تمثل لي الفقر
رجلاً لقتلته. كاد الفقر أن يكون كفراً) إذاً نرى بأن الإمام علي(ع)
لا يحسن الفقر بوجه الناس، بل يدعوا إلى أن ينتصر الإنسان على الفقر.
إذاً
الفقر لا يعالج بالزهد يعالج بالصبر وبالجهاد في سبيل تحصيل الرزق ولكن الذي يعالج
بالزهد هو الطمع والجشع والاستكبار والطغيان الذي ينشأ عن امتلاك المال أو امتلاك
السلطة أو امتلاك النفوذ وهنا تكمن أهمية الزهد الإسلامي، الزهد الإسلامي هو منهجٌ
في سبيل الإرتقاء الحياة وبمستوى الحياة ومنهجٌ في سبيل تحرير الكائن الانساني من
جبرية الانتماء إلى القيم التي تحددها الانتماءات الطبقية في الفلسفات الوضعية وفي
الفلسفات المادية بصورة خاصة.
الهوامش:
*
ممن محاضرات ألقيت في معهد الرسول الأكرم للدراسات الإسلامية في بيروت.