نطاق علم الفقه بين الموقف المبدئي ومعطيات الشريعة
القسم الأول
أ. محمد مصطفوي
تمهيد:
ما هو نطاق الفقه الإسلامي؟ وما هو دوره في رسم الخطوط العامة أو التفصيلية
لحركة الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية ؟
السؤال عن دور الفقه في حياة الإنسان يؤدي بنا إلى السؤال مسبقاً عن دور الدين في
حياة الإنسان. ما هو دور الدين في حياة الإنسان؟ ولو افترضنا أن دور الدين يتجسّد
أساساً في هداية الناس إلى الصراط المستقيم؟ فماذا تعني الهداية بالنسبة إلى
الإنسان؟ هل الهداية تقتضي إراءة الطريق أم تتطّلب الإيصال إلى المطلوب ؟ وبتعبير
آخر، هل يتطّلب دور الدين أن يلازم حركة الإنسان في الحياة ليتأكد من سيره الدقيق
على الطريق الصحيح؟
وعلى افتراض أن الجواب بالإيجاب عن السؤالين الأخيرين، فما هو سبيل الدين لتحقيق
هذه الغاية ؟ هل الدين (الإسلام) يحقق غاياته من خلال الشريعة ؟ وإذا كان الجواب
بالإيجاب فما هي علاقة الشريعة بالعقل الإنساني وحريته الذاتية ؟ هل الشريعة تأخذ
اعتبارها من معقوليتها؟ أم العقل يأخذ اعتباره من مشروعيته ؟ وبتعبير آخر، هل الدين
يسبق العقل أم العقل يسبق الدين ؟ وبتعبير ثالث، هل العقل يبرر الدين أم الدين يبرر
العقل ؟
ولو افترضنا أن العقل يسبق الدين فهل معناه أن القضايا الدينية تخضع لرقابة العقل
وتأخذ جدوائيتها من حكم العقل. وبطبيعة الحال يأتي الحديث عن العقل الذي يحكم على
أساسه على الدين وقضاياه. والعكس أيضا صحيح.
ثم الحلول التي تقدمها الشريعة لمشاكل الإنسان هل من شأنها أن تغطّي كامل
مساحة حياة الإنسان، بحيث لا يبقى فراغ يسد بغيرها. أم أن هناك نقاط فراغ ومناطق
عفو في الشريعة، إذن فكيف يتم ملؤها ؟ بالعقل أم بالشرع؟
أو أن الشريعة تتولى تحديد المعالم العامة لحركة الإنسان في الحياة، وتتم
عملية التوجيه الشرعي من خلالها من دون مباشرة التفاصيل إلا بقدر الحاجة والضرورة؟
أم يقتصر دور الشريعة في مجال النسك والطقوس والشعائر الدينية، وليس من شأنها
الدخول في مجال الحياة العامة ؟
تتولى الإجابة التفصيلية لهذه الأسئلة وغيرها فلسفة الدين وعلم الكلام، ولا
نريد أن نقف عندها طويلا خوفا من الإسهاب، بل نكتفي بالحديث المقتضب عن الاتجاهات
الثلاثة الأخيرة لصلتها بتحديد دائرة الفقه ونطاقه، ونحيل البحث التفصيلي حول
الأسئلة السابقة الى الكتب المتخصصة في مجال فلسفة الدين وعلم الكلام.
من هنا، سوف نتحدث في هذه الدراسة عن مرحلتين بالنسبة إلى
دائرة الفقه ونطاقه، ففي المرحلة الأولى نتناول الموضوع من خلال الموقف المبدئي().
وفي المرحلة الثانية نتناول الموضوع من خلال المعطيات الشرعية والأدلة القائمة
بخصوص الفقه والشريعة. لابد من الإشارة مسبقاً أن البحث حول الموضوع في المرحلتين
لا يعني الإنفصال الواقعي بين الموقف المبدئي ومعطيات الشريعة، بل نعتقد أن التعاطي
والتبادل بين الموقف المبدئي والموقف الشرعي قائم وكل بدوره يؤثر على الآخر وكلاهما
يساهمان في تحديد الصورة النهائية والموقف الأخير من الموضوع.
المرحلة الأولى: نطاق الفقه على ضوء الموقف المبدئي
يمكن البحث حول الشريعة والفقه ونطاقه على مستوى التنظير
(الموقف المبدئي الفلسفي) دون مرحلة الإثبات().
من خلال أطروحات ثلاث:
الأولى: أطروحة التوجيه المباشر
الثانية: أطروحة التوجيه عبر العناوين الكبرى
الثالثة: أطروحة الفصل بين الشأن الديني والشأن الدنيوي
وبعد البحث عن هذه الأطروحات يأتي الحديث عن مرحلة الإثبات، أي البحث من داخل
الشريعة نفسها، لتحديد دائرتها ودائرة الفقه من خلال ما ورد في الشرع ( وهذا كما هو
واضح بحث من داخل الشريعة وليس من خارجها).
وسوف نتحدث عن هذه الأطروحات الثلاث بشيء من التفصيل. وقبل البحث عن هذه الأطروحات
ومدى تطابقها مع واقع الشرع الإسلامي ينبغي بيان المقصود من الشريعة والفقه في
اللغة والاصطلاح.
-
الشريعــة والفقــه
أ – الشريعة
الشريعة في اللغة
تطلق على الطريقة المستقيمة، ومن ذلك قوله تعالى:"ثم جعلناك على شريعة
من الأمر فاتبعها "الجاثية /18.
وسميت الشريعة كذلك لاستقامتها وعدم انحرافها عن الطريق
المستقيم. وقال بعضهم: سميت الشريعة شريعة تشبيهاً بشريعة الماء().
"والشريعة "في الاصطلاح ما شرّعه الله للناس من
قواعد الدين سواء كانت متعلقة بالعقيدة الدينية أم الأخلاق أم بأفعال المكلفين من
عبادات ومعاملات. وهذا المفهوم يساوي معنى الفقه في صدر الإسلام().
وبتعبير آخر "الشريعة"هي النظم التي شرعها الله
او شرع أصولها ليأخذ الإنسان نفسه في علاقته بربه (وسبيلها أداء الواجبات الدينية
كالصلاة والصيام) وعلاقته بأخيه المسلم (وسبيلها تبادل المحبة والتناصر على الدوام،
والأحكام الخاصة بتكوين الأسرة والميراث)، وعلاقته بأخيه الإنسان (وسبيلها التعاون
في تقدم الحياة العامة، والسلم العام)، وعلاقته بالحياة (وسبيلها التمتع بلذائذ
الحياة الحلال دون إسراف أو تقشف)().
ويمكن تقسيم قواعد الشرع الإسلامي حسب هذا التعريف()
إلى ثلاث فئات:
الأولى: قواعد العقيدة الدينية،
وتتناول ما يتصل بذات الله تعالى وصفاته، والايمان به وبرسله واليوم الأخر بما فيه
من حساب وثواب وعقاب، ومحل دراستها علم الكلام أو العقائد.
الثانية: القواعد
الأخلاقية:وتتناول كيفية تهذيب النفس واصلاحها وضرورة تمسك المسلم بالمثل
العليا، ومحل دراستها علم الأخلاق أو التصوف والعرفان.
الثالثة:
القواعد العملية: وتتناول العبادات والمعاملات بين الأفراد والجماعات والدول من
جميع جوانبها، ومحل دراستها علم الفقه().
وقد حصر البعض
الشريعة بخصوص الفئة الأخيرة وعرّفها بما يلي:
"الشريعة "هي كل حكم أخذ من القران الكريم أو من أحاديث
النبي وأهل بيته صلوات الله تعالى عليه وعليهم، أو ما ثبت عند المذاهب الإسلامية
جواز الاعتماد عليه في استنباط الأحكام من الأصول والقواعد الفقهية، وهو الذي يصطلح
عليه بـ "السنة"ويقابل ذلك مصطلح "البدعة "().
وهناك تعريف آخر، اعتمده بعض الفقهاء يرجع إلى تحليل الاسلام اصطلاحياً إلى جزئي:
"العقيدة والشريعة"قاصداً بـ "العقيدة"مجموعة المفاهيم او
المعلومات الجازمة التي يعقد عليها القلب. و"بالشريعة": "مجموعة القوانين
والانظمة التي جاء بها الرسول"ص"التي تعالج الحياة البشرية كافة،
الفكرية منها والروحية والاجتماعية بمختلف الوانها من اقتصادية وسياسية وغيرها
"().
وكما يظهر من هذا
التعريف فإن الاخلاق قد تم دمجها في الشريعة من خلال تفسيرها "بالقوانين والانظمة".
والانظمة بإطلاقها تتناول النظام الخلقي في الاسلام كغيرها من الانظمة الإسلامية.
ب- الفقه
الفقه في اللغة له
معنيان:
الأول – مطلق
الفهم، يقال فلان يفقه الخير والشر أي يفهمه.
والثاني- فهم قصد المتكلم من كلامه (أي الفهم الدقيق)، قال
تعالى: "واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي"()،
أي يفهموا المقصود من كلامي.
وغلب استعمال الفقه على العلم بأحكام الدين لشرفه، يقول
النبي (ص):"إذا أراد الله
بعبد خيراً يفقّهه في الدين"().
وكان الفقه يطلق في صدر الاسلام على العلم بالقواعد الشرعية
بجميع انواعها، اعتقادية كانت ام اخلاقية ام عملية().
ولما تمايزت العلوم والمعارف، ضاقت دائرة الفقه واصبح مختصاً
بجزء من اجزاءه وهو "القواعد العملية "فقط. من هنا جاء تعريف الفقه في
الاصطلاح بانه "العلم بالاحكام الشرعية الفرعية عن ادلتها التفصيلية"().
فالشرع هو الأساس في بناء الفقه، والفقه هو الجانب المرن وغير الثابت من الشريعة()
لانه يرتبط بمدى فهمنا للثابت وهو "النص الشرعي"ومن هنا، فان الفقه اضعف
من الشرع من حيث القوة الملزمة.
هذا وتقتضي الدقة في الاصطلاح عدم إطلاق اسم الشرع على
الآراء الفقهية المحضة، بل احتفاظها بتسمية الفقه فقط، لان الشرع من عند الله وهو
مستقر لا يمكن تبديله وتغييره، فاذا جوزنا اطلاق اسم الشرع على الأراء الفقهية التي
تقبل التغيير، لأدّى ذلك الى القول بجواز تغيير بعض قواعد الشرع، الأمر غير الجائز
اسلامياً().
نعم، إذا استند رأي
فقهي إلى دليل شرعي فهو بمثابة الشرع عند أغلب الفقهاء ويصحّ اطلاق الشرع عليه، كما
أنه بمرتبته عندهم من حيث "القوة الملزمة".
وعلى ما بينا فان
الفقه يرتبط ارتباطاً مباشراً بعملية الاجتهاد التي تعني فيما تعني بذل الجهد في
استخراج الاحكام الشرعية من مصادرها المعتبرة.
وبعد هذا التوضيح
المفهومي حول الفقه والشريعة نستعرض الأطروحات الثلاث التي يمكن من خلالها تفسير
الشريعة ودورها في حياة الإنسان على مستوى التنظير والموقف المبدئي(الفلسفي).
أطروحة التوجيه المباشر
الأطروحة الأولى (والمعتمدة لدى فقهاء المسلمين) في فهم
الشريعة والفقه ودورهما ودائرتهما هي أطروحة التوجيه المباشر والتي تعني أن الشريعة
من شأنها مباشرة تفاصيل حركة الإنسان في الحياة، لأن الشريعة حسب هذه الأطروحة
منهاج كامل لإدارة حياة الإنسان، ولا يقتصر دورها على العبادات والنواحي الخلقية بل
يمتد إلى أنظمة الحكم والتشريع وتتضمن الشريعة قواعد تنظم شؤون الدولة والمجتمع،
وتعني إضافة إلى الاهتمام ببيان علاقة الإنسان بربه بالعلاقات الإجتماعية السائدة
بين الناس بعضهم ببعض وعلاقة الإنسان بالكون. ولا يستغني الانسان حسب هذه الأطروحة
عن الشريعة في القضايا الجزئية والكلية، العامة والخاصة، لأن الشريعة معنية بتحديد
تفاصيل حركة الإنسان في الحياة، ورسم ما يحتاج إليه، والتخطيط له منذ ولادته إلى
وفاته (بل قبل ولادته وبعد وفاته) على الصعيد الفردي والاجتماعي، فليس هناك شأن من
شؤون الحياة إلا وتناوله الشرع وأوضح فيه الخير والشر وميّز الصحيح عن الفاسد().
وحسب التوجيه المباشر يفترض على الإنسان الانقياد بكل ما
يدعو اليه الشرع وليس له المندوحة في تخطّي الحدود المرسومة له، لأن الشرع لا يجيز
لجهات أخرى أن تعالج قضايا الإنسان والتشريع له().
وللشريعة السيادة والسلطان المطلق (أن الحكم إلا لله)().
فأطروحة التوجيه
المباشر للشريعة لتفاصيل قضايا الحياة تعني:
أولاً: أن للشرع تصور وحكم في كل صغيرة وكبيرة من قضايا الحياة الإنسانية.
ثانياً: التصور والرأي
الشرعيان يختلفان في جوهرهما عن آراء تصدر من مواقع مختلفة لمعالجة قضايا الإنسان.
ثالثا:
الرأي والحكم الشرعيان هما الصواب (أو على الأقل هما المشروع) ولا مشروعية لباقي
الآراء، من هنا لا يسمح الشرع بمعالجة قضايا الحياة برأي سواه.
والمصدر الأول والأساس لإستبيان الرأي الشرعي في هذه
الأطروحة هو النص، لأن النص الإسلامي كتاباً وسنة هو الحاكم الأعلى والسلطة التي لا
تعلوها سلطة وهو القاعدة الكبرى التي قام عليها المجتمع الإسلامي، بل هو السلطة
المؤسسة والمنظمة للجماعة والدولة والحضارة ().
لقد شكل النص منذ البداية الأساس لكل شيء في الجماعة
المتكونة في رحابه فهو الفصل وهو الحاكم والمأدبة والغذاء اليومي لهؤلاء الذين
التفوا حول النبي البشر().
وحيث لا تفي النصوص الخاصة
()
لمعالجة كافة القضايا الحياتية للأنسان يأتي دور الإجتهاد في استنطاق النصوص في
مجالها التداولي لبناء قواعد عامة كلية لإستخدامها في مجالات مختلفة، من هنا، نشأ
علم أصول الفقه لدراسة العناصر المشتركة في عملية الإستنباط الفقهي.
وقد لا يمكن استخدام القواعد العامة لإستكشاف الحكم الشرعي
فيلجأ الفقيه إلى استخدام قواعد عامة بديلة تؤدي إلى تحديد الوظيفة العملية
للمكلف(والطرق البديلة مأخوذة أساساً من نصوص شرعية تقرر قواعد عملية
()
وقد لا تكون قاعدة شرعية مأخوذة من النص بل قاعدة عقلية محضة كالبراءة العقلية).
وفي مطلق الأحوال، هناك أصل أولي يرجع إليه الفقيه في حالة
فقدان النص، وهذا الأصل الأولي يتأرجح (نتيجة الإتجاه الكلامي للفقيه) بين قاعدة
قبح العقاب بلا بيان (أصالة الإباحة أو البراءة العقلية)()
وأصل حق الطاعة()،
أو قاعدة الاحتياط والاشتغال.
الأطروحة هذه تعتمد
على المرتكزات التالية:
أولاً: تبني الاختلاف الجوهري
بين الحكم الشرعي وغيره من أحكام
حيث أن الحكم
الشرعي يختلف في جوهره مع الأحكام التي تصدر من جهات تشريعية بشرية لمعالجة قضايا
الانسان والحياة، وذلك للاختلاف في مصدر الحكم، إذ أن مصدر التشريع في أحكام
الشريعة هو الله تعالى، في حين أن مصدر التشريع في الأحكام الصادرة من جهات تشريعية
وضعية هو الإنسان (الأعم من الفرد والمجتمع الإنساني).
ثانياً: عدم مشروعية الأحكام
الصادرة من جهات بشرية
ذلك أن الرأي ذا
المصدر البشري لا يتمتع بالمشروعية للأسباب التالية:
أ-فقدان الصلاحية:
إن التشريع عمل معقد يتطلب المعرفة التامة، والوعي الكامل
لأبعاد الإنسان ومتطلباته، وهذا الوعي لا يتوفر للإنسان ( لأسباب تتعلق بنواقص
معينة فيه ). من هنا، لا بد للشريعة أن تقوم بهذا الدور، لأنه بإمكانها أن
تنفذ إلى أعماق الإنسان وأبعاده المختلفة من خلال عالمي الغيب والشهادة().
وهذا ما يتطلب التوجيه المباشر والتفصيلي للشريعة في شؤون الحياة.
ب-التزاحم في
الولاية:
إن التشريع الإنساني يتوقف على ثبوت الولاية للإنسان في ذلك.
وعلى فرض ثبوت الولاية للإنسان على نفسه (بالأصل) وعلى غيره (بالتفويض والوكالة)،
تصطدم هذه الولاية مع الولاية المطلقة الإلهية، ومع ما ورد في القرآن من نفي
الولاية لغير الله().
ج- المخالفة مع
مبدأ العبودية:
إن مبدأ التوحيد (قاعدة الأديان السماوية) كما يدعو إلى التوحيد في الألوهية
والخلق، يدعو إلى التوحيد في الربوبية والعبادة. والتدخل المباشر والتفصيلي للشريعة
في قضايا الحياة والإنسان أكثر انسجاماً مع روح العبودية المطلقة لله تعالى. كما
أنه أكثر أمناً واطمئناناً من الوقوع في شراك مشاركة غير الله في الطاعة والعبودية0
والطاعة من مقتضيات التشريع ولوازمه.
ثالثاً: جامعية الشريعة
وشموليتها
جامعية الشريعة وان لم تكن ذات مفهوم واضح ومحدّد في الفقه
الاسلامي، ولكن من المسلم به عند فقهاء المسلمين أن من معاني الجامعية قدرة الشريعة
على إعطاء الحلول المناسبة للحاجات التشريعية للإنسان من خلال جهاز الإستنباط
الفقهي وعملية الاجتهاد. وعادة يتم إثبات الجامعية()
بمعانيها المختلفة من داخل المجال الديني
كالآيات والرويات التي قد توحي ذلك()
يعتمد الإتجاه
الشمولي في تصوره هذا على تفسير خاص للإنسان والحياة والشريعة، والذي ينطلق أساساً
من إدراك يقوم على نفي استقلال الإنسان بعقله الطبيعي وحريته الذاتية في التشريع
والتخطيط لشؤون الحياة. والنظر إلى طبيعة العلاقة القائمة بين قضايا الحياة
والمعرفة الدينية (الشريعة) على أنّه علاقة ترجع بالأساس إلى طبيعة العلاقة بين
الخالق والمخلوق وهي أساساً علاقة طاعة مطلقة (خلق الإنسان ليطيع) والطاعة "هي التي
تؤدى على الأمر، لا على ما يسر ويتلذذ"()،
أو بالأحرى هي "موافقة الأمر"()
الإلهي.
وبناء على هذا
التصور يأتي دور الفقه "في استنطاق النص الشرعي بحثاً عن الأمر والنهي
الإلهيين"، وينتهي هذا البحث تارة إلى أحكام صارمة بصيغتي الوجوب والحرمة (الحكم
الملزم) وأخرى إلى أحكام غير صارمة بصيغتي الاستحباب والكراهة وثالثة إلى الإباحة،
ليجسد بذلك الطاعة بكل تفاصيلها.
من هنا، نجد أن الفقه يتحول إلى "علم التكليف
"مستنداً إلى "نظرية التكليف"التي تأخذ شرعيتها
من مبدأ "حق الطاعة"كأصل أساسي ومرجعي يحتكم إليه في كل مورد لا نملك
الدليل على الخلاف لإثبات التكليف واشتغال الذمة().
ونصوص الشريعة دالة من حيث الأساس (على ضوء هذا التفسير) على التكليف، بل هي عين
التكليف0 وأما سائر العلوم التي تقنن للشريعة كالكلام واللغة والفقه وغيرها فتتمركز
كلها باتجاه تلك النظرية الأم وبناء عليه، فدائرة البحوث الفقهية هي عينها دائرة
"علم التكليف".
ومن خصائص هذا
الاتجاه سلطة النصوص الدينية في عملية الاستنباط الفقهي ومعالجة النصوص اثباتاً
ودلالة وتقويماً داخل المجال الديني، والإنسحاب الخجول للعقل الإنساني في بعض
الإتجاهات أمام النص الشرعي، وقراءة النصوص الخاصة قراءة منعزلة في الغالب عن
الأهداف والعناوين الكبرى للشريعة، وهيمنة النظرة الفردية إلى الشريعة. ولا يخفى في
هذا المجال دور جهود علماء كبار لغرض تصحيح الرؤية نحو الشريعة
()،
والسعي للحيلولة دون سقوط الفقه الاسلامي إلى مستوى"الفقه البدوي الجامد"على
حد تعبير الشيخ محمد الغزالي، أو أن يؤدي إلى"زوال التمدن الجديد "على
حد تعبير الإمام الخميني().
فعلى ضوء هذه الأطروحة التي تبتني على
شمولية الشريعة وجامعيتها لقضايا الحياة، فإن دائرة الفقه تمتد نظرياً بامتداد
دواعي الحياة المتجددة، وتتسع لجميع الحاجات التشريعية للإنسان في حياته الفردية
والإجتماعية. ولكن هل بإمكان هذا الإتجاه أن يعكس نظاماً متكاملاً؟
الجواب نظرياً
بالإيجاب ولكن بما أن تكوين النظام الاسلامي السياسي أو الإقتصادي أو الاجتماعي أو
التربوي و000 يتوقف على الأحكام والمفاهيم، فهو انعكاس لاجتهاد معين، لأن تلك
الأحكام والمفاهيم التي يتوقف عليها تكوين النظام نتيجة لاجتهاد خاص في فهم النصوص،
وطريقة تنسيقها والجمع بينها. وما دامت الصورة التي نكونّها عن النظام الاسلامي
اجتهادية فليس من الحتم أن تكون هي الصورة الواقعية، لأن الخطأ في الإجتهاد ممكن.
ولأجل ذلك كان من الممكن لمفكرين اسلاميين، أن يقدموا صوراً مختلفة للنظام الاسلامي
في حقول مختلفة ().
2-أطروحة التوجيه عبر العناوين الكبرى
الأطروحة الثانية
لتفسير الشريعة وفهم دورها هي أطروحة التوجيه عبر العناوين الكبرى التي ترتكز على
المعاملات بالمعنى العام دون العبادات وتقوم على الاعتبارات التالية:
أولاً: الشريعة معنية بالإطار
العام
إن دور الشريعة
أساساً هو رسم الخطوط العريضة والاطار العام لحياة الإنسان دون الاستغراق في
التفاصيل، وتمارس الشريعة هذا الدور من خلال تحديدها للعناوين الكبرى (القيم
والمبادئ العامة) مثل، مبدأ العدالة الاجتماعية، والمسؤولية العامة والمشتركة
للإنسان، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحقاق الحق وإزهاق
الباطل، وحفظ النظام العام، ومبدأ المساواة أمام القانون والشرع ( قاعدة الاشتراك
في أحد معينيه)، ومبدأ حرية التعاقد و.. . ويترك للإنسان (الفقيه) أن ينخرط
في التفاصيل ويندمج في إطارها المفروض من دون أن تكون الشريعة معنية بالتفاصيل،
كونها مرتبطة بعوامل متغيرة لا يمكن ضبطها وتقنينها.
ثانياً:
التفاصيل الشرعية تطبيقات ومصاديق
إن ما ورد من آراء
شرعية تفصيلية قي معالجة القضايا الجزئية (في دائرة المعاملات بالمعنى العام) يفسر
على ضوء نظرية التوجيه عبر العناوين الكبرى بأنها مصاديق وتطبيقات لتلك العناوين،
والتطبيق يخضع في أساسه لعاملي (الزمان والمكان) والواقع الذي ينشأه.
وعليه، فان ما يرجع
إلى المصاديق والجانب التطبيقي للعناوين الشرعية الكبرى لا يشكل أمراً ثابتاً بحيث
يصلح لكل زمان ومكان ولا تشمله الأدلة الواردة حول أبدية الأحكام الشرعية.
من هنا، يكون
دور الاجتهاد أساسياً في تحديد الأصول الأبدية للشريعة
(العناوين الكبرى)، والأحكام القابلة للتغيير نتيجة المتغيرات المتتالية في حياة
الإنسان، من جهة، والجمع بين الأصول الأبدية والأحكام المتغيرة من جهة ثانية().
ثالثاً:
التنظيم الديني يلتقي مع التنظيم الدنيوي
الاتجاه
التوجيهي لا يعلن القطعية مع نظريات وأفكار وحلول تأتي من خارج إطار الشريعة وتعالج
قضايا الإنسان وتلتقي مع العناوين الكبرى والمبادئ العامة للشريعة، وذلك لأنّ
الشريعة تنظر إلى الحياة وقضاياها بنظرة موضوعية لا ذاتية()،
والواقع له نصيب كبير في تحديد مسار الرأي الشرعي والإتجاه الذي ينبغي أن يتجه
الفقيه إليه في تقرير حكم او إبداء رأي أو أخذ موقف تجاه قضية من القضايا.
كما أن ذلك مقتضى الجمع بين الأصالة والحداثة،والإسلام ومنجزات العصور الحديثة.
ومن هنا، صح القول "أن التنظيم الدنيوي أساس متين لاستقامة نظام الدين "().
ذلك أن الدين كنظام عقائد وعبادات وأخلاق وأحكام تشريعية، جزء لا يتجرأ من
الحياة الدنيا، ولكنه محتاج لعلماء حكماء هداة يفسرون أصوله بحسب مقتضى الأحوال().
ويترتب على
الاتجاه التوجيهي عبر العناوين الكبرى إفساح المجال الواسع للطاقات والخبرات
الإنسانية "ويدعو إلى بناء الحياة كلها على التفكير"()
ويسمح للفكر الإنساني أن يعبر عن توجهات الشريعة من خلال الطاقات والخبرات
الإنسانية وفقاً لمقتضيات الزمان والمكان، كما يدعو إلى الاجتهاد في تحديد المقاصد
والأهداف العامة للشريعة()،
من خلال المعالم العامة لها. من هنا، يكون للعامل الإنساني وعنصر العمل
البشري دوراً فاعلاً للتعبير عن الشريعة وفقاً "لمقتضيات الحكمة الزمانية "().
إن الاتجاه التوجيهي (عبر العناوين
الكبرى) يبني تصوراته من موقع اخفاق الاتجاه الشمولي في مجالات فكرية، واجتماعية،
وسياسية.
فكرياً، عدم استطاعة الاتجاه الشمولي
اعطاء تفسير شامل للشريعة ينسجم ومتطلبات الحياة في العصور الحديثة. واتصاف
مقارباته للقضايا النظرية بالاطلاق والتعميم، في حين أن المعرفة تخسر من
معرفيتها واحتمالات تقبلها كلما اقتربت من هاتين الصفتين.
وفقدان الوعي التاريخي العلمي المبني
على مبادئ وقوانين قادرة على تفسير الحاضر والاستفادة من الماضي فضلاً عن استشراف
المستقبل، وعدم النجاح في فهم الواقع فهماً علمياً واقعياً ومقاربته بأدوات مفهومية
إسلامية أصيلة قادرة على معالجة القضايا الفكرية والنظرية المعاصرة بأدواتها الخاصة
معالجة شاملة ودقيقة وواضحة.
اجتماعياً، تركيز الاتجاه الشمولي على
مستوى المسلم الفرد واهماله لباقي المستويات أي مستوى المجتمع المسلم، ومستوى
الإنسانية جمعاء. وتعميم الحلول المقترحة على مستوى الحياة الفردية (الخاصة)
إلى مستوى الحياة العامة.
سياسياً، ابتعاد
أصحاب الاتجاه الشمولي عن مراكز القرار السياسي في الغالب، وعدم معايشتهم للساحة
السياسية والاجتماعية بشكل مباشر وفاعل، وتبدل الفقه عندهم إلى العلم الافتراضي
بحيث "أصبح الفقه يثمر من النظر والافتراض أكثر مما يثمر من الوقائع
والعمل"().
هذه الأمور وغيرها أدت إلى البحث عن
نظريات بديلة تأخذ على عاتقها مهمة التوفيق بين "الثوابت الشرعية "
ومتطلبات الحياة في العصور المختلفة.
والمنطق العام الذي استعمله اصحاب
الاتجاه التوجيهي أقرب إلى الطابع التجريبي العملي منه إلى النظري المبلور.
ولذلك تبدو محاولات هؤلاء، جريئة وملتوية، طموحة ومتحفظة، واضحة ومرتبكة، واسعة
وناقصة.
إن هذا الاتجاه لم يبلور نظرياً بشكل
دقيق ولم تحدد معالمه تحت قلم المنتمين لهذا الاتجاه ولم يدون بشكل كامل ليعبر عن
تصور شامل له أصوله وحدوده وافكاره وتقانياته وآلياته ومبانيه الاجتهادية.
وما نجد تحت قلم هؤلاء، هو النقد الضمني او الصريح للاتجاه التقليدي وطرح بعض
الافكار العامة والدعوة إلى قراءة جديدة للشريعة وأحكامها ونصوصها، وتوصيـات في هذا
المجـال من دون أن يتمكنوا من تجسيد "منهج بديل" قادر على منافسة
"المنهج التقليدي للإجتهاد"وقادر على التفاعل مع معطيات العصر الحديث في
مجال العلم والمعرفة.
وفي مطلق الأحوال، فإن "دائرة الفقه"على
ضوء الاتجاه التوجيهي للشريعة عبر العناوين الكبرى تحدد بحدود النصوص الشرعية
الثابتة المتمثلة بالنص الكتابي والسنة القطعية وأما فيما وراء ذلك فإن الاتجاه
التوجيهي لا يطلب من الفقه أن يباشر تفاصيل قضايا الحياة وتحديد الموقف منها من
خلال مناطات فقهية بحتة بل يدعو إلى مباشرة ذوي الاختصاص لتحديد ما هو الصواب وما
هو الأصلح ضمن دائرة الاحتراف المجالي له (فيما يرتبط بالشأن العام وقضايا المجتمع
) ومن ثم عرض ما توصل إليه هؤلاء إلى الفقه ليعرضها بدوره إلى العناوين الكبرى
للشريعة والحكم على تلك المجهودات من خلال تصورات الشريعة العامة.
وبالأحرى يكفي
على ضوء هذا الاتجاه أن لا يصطدم مجهود نظري أو عملي إنساني مع المبادئ العامة
للشريعة بما فيها النصوص الثابتة ().
من هنا، فإن الفقه هو الجهاز المقوم
للنظر والعمل من خلال مبادئ الشريعة واحكامها الثابتة، وليس المنتج لهما، الفقه علم
معياري مهمته الأساسية هي التوفيق بين جهود أصحاب الاختصاص الحقلي والمبادئ العامة
للشريعة والنصوص القطعية وضروريات الدين.
ويتضح مما
بيّنا، موقف الاتجاه التوجيهي في خصوص تكوين النظام الإسلامي في حقول مختلفة، حيث
أن النظام القائم على تصورات فقهية بحتة ليس له وجود خارجي على ضوء هذا الاتجاه، بل
النظام الإسلامي هو النظام المنبعث من واقع حاجات الناس المتوافق مع تصورات الشريعة
العامة للحياة والإنسان سواء كان في حقل السياسة أو الاجتماع أو الاقتصاد أو غيرها.
بل هناك رأي لدى بعض أصحاب الاتجاه التوجيهي مفاده نفي قدرة الفقه في تجسيد النظام
معللاً ذلك بأن الفقه لم يدون أساساً لمعالجة هكذا قضايا بل مجاله الإجابة على
أسئلة السائلين().
ومما يختلف النظر فيه بين أطروحة
التوجيه المباشر وأطروحة التوجيه عبر العناوين الكبرى ما يرتبط بتفسير "المباح"وتحديد
"دائرته"حيث أن أصحاب أطروحة التوجيه المباشر يفسرون "المباح"حكماً
شرعياً مثله مثل الأحكام الشرعية (أي الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة) ويحيلون
في تحديده إلى الشرع بالاحتكام إلى آلية الاستنباط الفقهي وتطبيق القواعد والضوابط
المرعية في الاستنباط على الإباحة أيضا، واتصاف الأحكام المستخرجة ضمن دائرة
الإباحة أنها ربانية وشرعية مثلها مثل باقي الأحكام الشرعية.
في حين، أن
أصحاب أطروحة التوجيه عبر العناوين الكبرى يصنفون "الإباحة "خارج دائرة
الحكم الشرعي()
ويعتبرون "الإباحة"إنشاء من الشرع الإسلامي لدائرة الحرية الانسانية.
وحيث ترك الامر والتدبير في هذه
الدائرة للإرادة الانسانية الحرة، وخارج مساس الحكم الشرعي بحيث إذا صدر حكم في تلك
الدائرة فـ "لا يستند ذلك إلى الله تعالى، وانما يستند إلى أولي الامر
أو السلطة الحاكمة المسلمة التي من حقها الاجتهاد داخل دائرة المباح بايجاب بعض
المباحات أو بحظر بعضها. وطاعتها في ذلك واجبة شرعاً. ولكنها طاعة
موقوفة بزمانها ومكانها لا تمتد امتداداً مؤبداً في أجيال الأمة…
إن دائرة المباح في النهاية
…
ليست أكثر من افساح شرعي معترف به لمجال يراد تمليكه لحركة التاريخ بمعطياتها
الايكولوجية والعقلية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والنفسية والفكرية، بوجه
عام، بحركة الانسان مع المكان والزمان"().
ثم إن دائرة
الاباحة "تختلف سعة وضيقاً بالنظر إلى الاتجاهين السابقين، فحسب أطروحة
التوجيه المباشر فإن دائرة الإباحة تضيق من خلال مصادر غير نصية كالإجماع والقياس
والاستحسان وغيرها عند أهل السنة وحكم العقل وتنقيح المناط و.. . عند
الإمامية. في حين أن "دائرة الإباحة "لها سعة ومجال واسع حسب
أطروحة التوجيه عبر العناوين الكبرى، فإن لم يوجد نص قطعي ومعتبر يدخل في دائرة
الإباحة. ويقول ابن حزم الاندلسي "إن قولهم:"هذه مسئلة لا نص فيها "
قول باطـل وتدليس في الدين. لأن كل ما لم يحـرمه الله تعالى على لسـان نبيه
"ص"إلى أن مات فقد حلله بقوله تعالى: "خلق لكم ما في الأرض
جميعاً "وقوله تعالى: "وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم "وكل
ما لم يأمر به فلم يوجبه. وهذه ضرورة لا يمكن أن نقوم في عقل أحد غيرها"().
فإن جزءاً
كبيراً من الثروة الفقهية المتضخمة، الناشئة من مصادر غير نصية هو نتيجة الاتجاه
الذي يرى في دائرة الإباحة توجيهاً شرعياً مباشراً في حين أن الاتجاه الثاني يرى
نفسه في فسحة عن إلزامية الأحكام التي لها أساس توجيهي مباشر لأن "قانون النص يعمل
من خلال دائرة المباح، داخل الواقع البشري في زمن بعينه ومكان بعينه، معترفاً له
بدوره الطبيعي في حركة التشكيل. وإن ذلك يتم في مفهوم الإسلام وبمباركته،
كتحصيل حاصل يمثل القاعدة (إذا الإباحة هي الأصل ) وليس الاستثناء
"().
3-أطروحة الفصل بين الشأن الديني والشأن الدنيوي (العلمانية)
الأطروحة الثالثة للنظر إلى الدين
والشريعة هي أطروحة الفصل، هذه الأطروحة تدعو إلى الفصل بين دائرة الأمر القدسي (Secradreaim)
ودائرة الأمر الدنيوي (Secularreaim)
حيث أن الأمر القدسي والديني يأخذ اعتباره من ما وراء الطبيعة (Methaphisics)
ولا يبني أفكاره وتصوراته على المنفعة والفائدة الدنيويين (Utilitarian)
ولا يلتزم أساساً بالتبرير (Justification)
لأفكاره وتصوراته. وبالتعبير المنطقي فإن الأمر القدسي(قضايا قياساتها معها).
وعلى عكس ذلك تماما القيم والتصورات الدنيوية حيث تبتني على النفع الدنيوي
(Profan).
ويلتزم أصحاب هذه النظرية بإثبات فائدة وجدوائية
(demonstrable
efficacy) تلك القيم والتصورات.
يقول المفكر الفرنسي (اميل دوركهايم) بعد ربطه بين اشكال العقد الاجتماعي
(Social
Band)
والتقدم البشري، ان النقلة النوعية التي حصلت في حياة البشرية نتيجة العقد
الاجتماعي هو الفصل بين الامر القدسي والأمر المفيد وباقي الفروقات راجعة إليه().
وقد نشأت هذه النظرية من خلال إرهاصات عديدة وصراعات مريرة بين السلطة الدينية
والسلطة المدنية في الغرب. وفي الإمكان القول أن "الحركة العلمانية "بدأت
في أوروبا مع عصر النهضة (Renaissance
) ذلك بان اوروبا كانت خاضعة خلال العصر الوسيط لسلطان الكنيسة الكاثوليكية التي
علّمت ان جسد الإنسان والأرض التي هي جزء منها مأخوذان بخطيئة آدم، ومن هنا فهما لا
يستحقان من المسيحي الصحيح أكثر من الازدراء. فلما بزغ عصر النهضة وانهمك أهل
المدن في ألوان من النشاط تبعث في ذات نفسها على الابتهاج والفتنة وتقضي إلى مكاسب
مادية ضخمة وجد هؤلاء أنفسهم في وضع يتعارض مع تعاليم الكنيسة تعارضا كاملاً:
الكنيسة تدعوهم إلى احتقار الجسد وهم يلهثون وراء كل ما يلبي حاجات الجسد ومطالبه،
والكنيسة تطالبهم بازدراء الأرض والحياة وهم يجدون الأرض مصدر الثروة ويعملون
لدنياهم في المقام الأول وهكذا بدا الانقسام بين الكنيسة وقطاعات كبيرة من اتباعها.
حتى إذا حاولت الكنيسة أن تعرض وجهات نظرها على هذه القطاعات تمرد القوم عليها
ودعوا إلى الأخذ بالعلمانية، أي تحرير النشاطات والمؤسسات على اختلافها من سلطان
الكنيسة ورجالها. وأيا كان فان العلمانية لم تتخذ شكلا فلسفيا نظاميا إلا في
منتصف القرن التاسع عشر، وفي رأس مسلماتها حرية الفكر، وحرية كل أمر في مناقشة جميع
المسائل الجوهرية من مثل وجود الله، وخلود الروح وأسس الالتزام الأخلاقي().
من هنا، جاء تعريف العلمانية على النحو الآتي: "هي
جملة من التدابير جاءت وليدة الصراع الطويل.. . بين السلطتين الدينية
والدنيوية في أوروبا، واستهدفت فك الاشتباك بينهما، واعتماد فكرة الفصل بين الدين
والدولة، بما يضمن حياد هذه تجاه الدين، أي دين، ويضمن حرية الرأي... ويمنع رجال
الدين من إعطاء آرائهم... صفة مقدسة...().
وهذا هو التوجه الذي يؤكد على التخلص من هيمنة الكنيسة على شؤون السياسية وتحرير
السلطة السياسية من أي تاثير مباشر او غير مباشر من قبل السلطة الدينية المتمثلة
بسلطة الاكيلروس الديني المسيحي.
وكما يبدو من خلال
أدبيات هذه النظرية فان مصطلح العلمانية (Secularism
) يطلق على مجالين مرتبطين:
الأول: المفاهيم والقيم
الثاني: السلطة
ففي المجال الأول، ترى العلمانية أن المفاهيم والقيم ان كانت من القضايا الحقيقية
فلا بد ان تتصف بالعقلانية (Rational)،
وان كانت سلوكيات وقضايا اعتبارية (Norm) كالفقه والقانون فلا بد من اتصافها بالعقلائية (Rationalize).
والأمور العقلائية هي ما لا يوجب فعله او تركه ذم العقلاء بما هم عقلاء، ويتولى
العقلاء الحكم عليها بالحسن او القبح. وفي المجال الثاني، فان العلمانية ترمي
إلى الفصل بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية (church-state
differentiation)، وهو ما
يطلق عليه فصل الدين عن السياسة.
وكما يصرّح عادل ضاهر فإن ما يكمن في الواقع وراء إصرار
العلماني على عدم حسبان الدين الأساس الأخير للالتزام السياسي هو اعتقاده
باستقلالية العقل وبأسبقيته على النقل. وحسب قوله، فإن المسألة التي لها
أهميتها القصوى، بناء على فهمنا للعلمانية، ليست النتائج المترتبة، واقعيا
وموضوعيا، على الطابع الكلياني للدولة الدينية، وبالتالي على جعل الدين المصدر
الأخير للشرعية وللالتزام السياسي. إن هذه النتائج، لا شك، لها أهميتها
للعلماني، إنما هناك مسئلة أخرى تفوقها أهمية هي مسالة كون الطابع الكلياني للدولة
الدينية يقوم على مبدأ تقديم النقل على العقل الذي يقضي بتعطيل استقلالية العقل().
إلا أن العلمانية في مضامينها الفلسفية المادية ترمي إلى
ابعد من ذلك أي إقصاء "الله "عن المجتمع. فلقد كان القرن التاسع
عشر، هو الذي طرحت فيه التقنية كمشكلة فلسفية وهو التأسيس للانطلاقة في تتابع
محطاتها. إذا ما انتهى هذا القرن، إلا وكان الله قد مات عند الغربيين، وهو لم
يمت كما يقول "نيتشة "و "سارتر "ولكن
الإنسان قتله().
وقبل اللاهوتيين الوضعيين بقرن، نصف، أعلن، "فيو رباخ "(Fuerboh
) موت الله، وقبل قرنين من الترجمات البنيوية، أو التوجيهية لكتابه، أجهز، لا
مترى، ( La
Mettrie) على الإنسان، إنها فلسفات موت الإنسان والإله، لقد
انتهى الغرب إلى عبادة اله ميت، وهو ما يسمح بقيام دين "الوسائل "و"التقدم
والنماء "الذي اخذ دور "أفيون الشعوب "().
إن انقطاع الصلة الحقيقية للإنسان الأوروبي بالله تعالى
ونظرته إلى الأرض بدلا عن النظرة إلى السماء انتزع من ذهنه أي فكرة حقيقية عن
قيمومة رفيعة من جهة أعلى أو تحديات تفرض عليه من خارج نطاق ذاته وهيّأه ذلك نفسيا
وفكريا للإيمان بحقه في الحرية وغمره بفيض من الشعور بالاستقلال والفردية الأمر
الذي استطاعت بعد ذلك أن تترجمه إلى اللغة الفلسفية أو تعبر عنه على الصعيد الفلسفي
فلسفات كبرى في تاريخ أوروبا الحديثة وهي الوجودية().
وبعض العلمانيين الذين يتظاهرون بالاعتدال، يقدمون انفسهم
كمؤمنين بالله لكن على اساس أن الخالق عز وجل صنع العالم وتركه، وعليه فهم
يستبعدونه تعالى من النموذج المعرفي والاخلاقي، فهو عز وجل عند هذا البعض، بمثابة
صانع الساعة الذي صنعها ثم تركها تدور حسب قوانينها الداخلية الالية().
من هنا، فان لم نقل بان العلمانية تنادي بأيديولوجيا الإلحاد
في جانبها الفلسفي وتنكر الإيمان الديني وتدعو إلى مقاطعة الدين على كل الاصعدة،
انطلاقا من العلم ووصولا الى العلموية (العلم باعتباره جملة الطرائق الرياضية
والتجربية التي أمّنت للانسان سيطرة رائعة على الطبيعة، والعلموية باعتبارها جملة
الخرافات والمعتقدات الباطلة التي تدعي الافادة من شرعية خطوة هذه الطرائق، من اجل
ان تفسر بها وان تنفي باسمها جميع الابعاد الاخرى للحياة، كالفن على سبيل المثال،
والحب والتضحية، والايمان، او بساطة الانسان الاخر في نوعيته، فما يدعى خطأ اضرار
العلم، لا يصدر عن العلم، وانما عن فلسفة تجعل من العلم دينا لا نجرؤ على الجهر
باسمه)()
فمن المؤكد ان العلمانية تنفي دور الدين في المجال الاجتماعي والحياة العامة، وتطلب
من الدين الانسحاب الكامل من ساحة الشأن العام، والتموضع في زاويـة الاعمـال والنسك
الخـاصة، والاعتناء بتنظيم العلاقة بين البشر وربهم، كل ذلك في العلمانيات المعتدلة
(اللينة) وأما العلمانية المتشددة (الصلبة) كالماركسية فترفض أي نشاط متصور للدين
حتى على صعيد الطقوس الدينية البحتة.
يقول الشيخ
القرضاوي في هذا الخصوص: "والحقيقة أن النزاع بيننا وبين العلمانيين الأقحاح، الذين
يقولون بضرورة عزل الدين عن المجتمع والدولة، وحصره في ضمير الفرد... النزاع بيننا
وبين هؤلاء ليس في مسألة من مسائل الفروع بل هي في قضية من قضايا الأصول، لأنها
تتعلّق بـ (حاكمية الله) تعالى. هل من حقه عز وجل أن يحكم خلقه، ويأمرهم وينهاهم،
ويحلّل لهم ويحرّم عليهم أم لا؟
العلمانيون يحرمون الله- جل جلاله- من هذا الحق، ويتعالمون
على ربّهم، ويزعمون أنهم أعلم من الله بخلقه، وهذه مسألة أصولية عقيدية بلا ريب().
فعلى ضوء هذه
الأطروحة، فان دائرة الفقه (الدين) تتحدد بحدود العبادات وممارسة الشعائر والطقوس
الدينية. وليس للدين والفقه أي دور معترف به على صعيد الحياة العامة انطلاقا من
مبدأ فلسفي يرفض الآخر الذي لا ينطلق من مبادئهم الفلسفية في النظر إلى الحياة
والقضايا الاجتماعية. وللبحث صلة.
الهوامش:
()
يؤخذ على هذا التعريف وأمثاله ادخاله لقضايا العقيدة والأخلاق
ضمن القضايا التشريعية التي يرجع امرها الى الشارع، في حين أن أساس
الالتزام في القضايا المعتقدية ينشأ من خارج د ائرة الشرع (الأمر والنهي
الإلهيين). كما ان القضايا الخلقية راجعة أساساً إلى امور معياريه يستقل
بمعرفتها العقل ( الرأي المعتمد لدى حكماء المسلمين ) فمن الصعب تصنيف
المعتقد والأخلاق ضمن الشريعة ( التي تفترض مصدرية الهية لها ).
|
(2)
|
Nezbet & Perrin , 1977. |
()
عادل ضاهر: الأسس الفلسفية للعلمانية ( مرجع سابق)، ص53.
إن الفكرة العلمانية في تصور العلمانيين تقوم في الغالب على استرجاع
واجترار المفاهيم والأغراض التي قامت الحركات العلمانية في الغرب لتحقيقها،
نتيجة انطباع ساد الاوساط الفكرية والثقافية في عالمنا العربي والاسلامي من
أن تحديث المجتمع العربي ـ الاسلامي لا يتم إلا من خلال الدعوة إلى
العلمانية والفصل بين الامر الديني والدنيوي على غرار مآتم في الغرب إبان
النهضة.
وحسب (عادل ضاهر) فباستثناء "أنطون سعادة"من المفكرين القوميين،
لا يوجد أي مفكر قومي يذهب إلى حد النظر إلى العلمانية على انها موقف من
طبيعة الدين والقيم والعقل والانسان وعلاقته بالله. وبإستثناء "محمد
اركون"من المفكرين العرب لا يوجد من يولي أي اهتمام للعلمانية
بوصفها موقفاً من قضية المعرفة. (انظر: عادل ضاهر: مرجع سابق، ص39 ).
ويضاف إلى الإسمين السابقين عادل ضاهر نفسه حيث انه ينظّر للعلمانية بحثاً
عن المرجع الاخير في المعرفة رافضاً الفكر الديني ومتعلقاً بالقيم الخلقية،
وكأن الاخلاق خارج الفكر الديني لها ضماناتها المستقلة والزاماتها
المنفصلة.
()
ماجد فخري: ابعاد التجربة الفلسفية، دار النهار، 1980، ص158.