يقوم المركز حاليا بتحديث الموقع وتحسينه ويرحب بأية ملاحظات قد تكون موجودة لدى الأخوة الزائرين
10 September 2010
الجمعة 1 شوال 1431

 
 
العدد الرابع - الفكر السياسي عند الإمام الخميني > الحوزة العلمية وعلماء الدين في فكر الإمام وسيرته
 
New Page 1

الحوزة العلمية في السيرة النظرية والعملية للإمام

بهرام اخوان الكاظمي

 

تحدث الإمام الخميني في بعض خطبه وكتبه عن العلماء وطلاب العلوم الدينية بشكل واسع. إنه يرى أن العلماء الأصليون والملتزمون قد قاموا دون شك طوال القرون المتمادية بإداء واجبهم في حفظ الإسلام والدفاع عن أسسه ومبانيه المقدسة. وأن هؤلاء العلماء لم يكلّوا وضحّوا بأرواحهم وراحتهم، وتحملوا أنواع الضغط، وجاهدوا وتعلّموا وعلّموا ليل نهار، فصانوا الإسلام الأصيل من حملات المهاجمين وسلّموه للأجيال اللاحقة.

إن ثورة الإمام الخميني وحركته اعتمدت أيضاً على هذا العضد القوي، لهذا فإنّ كثيراً من كتاباته وخطبه مملوءة بتجليل العلماء الأصليين وشرح خدماتهم وجهودهم([1]) كما كان هناك خلال حركة النهضة معممون سيئون أيضاً، كانوا يشكلون عاملاً في إيجاد الفوضى في الحوزات العلمية، وقد شكّلوا أكبر سدّ وقف في وجه أمواج النهضة من خلال قلة إدراكهم وجهلهم وتحجّرهم وتعلقهم بالدنيا وزخارفها.

كان الإمام الخميني يعتبر الحوزات وعلماء الدين هم عماد حياة الإسلام، ولهذا السبب ركّز في بداية النهضة حركته الإصلاحية والتصحيحية من هناك. وهذا العام حيث يصادف الذكرى المئوية لولادة الإمام الخميني ، فإن سؤالاً مهماً يطرح وهو: كيف كان يتعامل الإمام مع الحوزات والعلماء وطلاب العلوم الدينية، وما هي رؤيته لهذه المؤسسة المهمة، وإلى أي مدى تحققت رؤيته وآماله فيها؟

هذه المقالة تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال إلقاء نظرة تفصيلية على وضع الحوزات العلمية والعلماء خلال مرحلتي ما قبل الثورة وما بعدها.

 

1- الإمام الخميني(س) ووضع الحوزات ما قبل انتصار الثورة الإسلامية:

لقد أدت الحوزات العلمية والعلماء في الماضي والحاضر أعظم دور في حفظ الإسلام وترويجه، وقد واجهت هذه المؤسسة طوال العقود الماضية آفات كثيرة، حتى شغلت قضية إصلاح الحوزات قلوب وأذهان كثير من الزعماء الشيعة.

قال الإمام الخميني في هذا المجال:

"إننا لا ندّعي أبداً أن هذه الفئة كانت كلها جديدة وتقدمية، وأنه لا داعي للقيام بإصلاحها، فبين أولئك الحسن والسيء كسائر الفئات، والسيء منهم أسوأ من كل سيء وأكثر ضرراً، كما أن الحسن منهم أكثر نفعاً من كل الفئات، ونفعهم للناس وللبلاد وللاستقلال أكثر وأسمى"([2]).

من الجدير ذكره أن جذور تلك الآفات تعود عادةً إلى نفوذ الأجانب والاستعمار إلى الحوزات واختراقهم لها، وإلى ضغط الحكومات الجائرة، والضعف والنقص الموجود في الحوزات والعلماء. ولما كان العلماء يقفون دوماً في وجه الاستعمار وحكومات الجور، لذلك فإن الأجانب والحكومات البائدة سعوا إلى إضعاف الحوزات وعلمائها من خلال التهديد والإغراء واستخدام العناصر المشبوهة وانفاذهم داخل الحوزات. كما سعوا إلى عزل العلماء ومحاصرتهم في البيوت والمساجد من خلال طرح شعارات(فصل الدين عن السياسة). هذا إضافة إلى وجود فئة من طلاب الدنيا، والمتلبسين بلبوس العلم والقداسة الذي انبروا لتفسير بعض الروايات على هواهم، وتمسّكوا بالتقية طلباً للعافية، وذمّوا المواجهة السياسية مع الجائرين، بل انهم اتهموا العلماء الأصليين بأنواع التهم ومارسوا شتى الضغط عليهم.

إن البحث في علل الجمود في الحوزات العلمية وانفعالاته السياسية يتطلب مجالاً أوسع من هذه المقالة، لهذا سنكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها:

- عدم اهتمام الفقهاء بالشكل المطلوب بموضوع الحكومة الإسلامية في زمان الغيبة، ويأسهم من احتمال تشكيلها: رغم الآيات والروايات التي لا تعد في باب القضايا السياسية والاجتماعية. حيث كانت معظم الكتب الفقهية الشيعية خالية من باب مستقل لموضوع الحكومة في زمن الغيبة وأسسها العلمية والفقهية، في حين أنها غصّت بمئات الفروع الفقهية في باب العبادات والمعاملات وغير ذلك. ومن أسباب ذلك يأس الفقهاء من إمكانية تشكيل الحكومة الإسلامية، وقد سرى هذا اليأس منذ القدم وحتى  انتصار الثورة الإسلامية إلى كثير من العلماء، فكانوا إما أنهم يمتنعون عن المواجهة لإقامة الحكومة الإسلامية لأسباب قاهرة، أو أنهم لا يأملون بإمكانية إقامتها مطلقاً.

- وجود ترسبات أفكار قديمة إخبارية بين بعض العلماء وجمود فكري: وقد سيطر هذا التفكير على ساحة الفكر الإسلامي خلال الفترات الماضية، مما أدى إلى إيجاد تحجّر فكري لدى بعض العلماء، لهذا تغيّرت العلاقة بين المقلّد ومرجع التقليد إلى علاقة المحدث والمستمع، وأغلق المجال أمام أي استنباط جديد يتطابق مع حاجات العصر، وفي النتيجة كان الأفراد يفرّون من اقتحام الساحة السياسية والاجتماعية ومن الوقوف في وجه الحكومات الجائرة متأثرين بذلك الفكر.

- تضييق حدود الفروع الدراسية في العوم الدينية، وتحجيم الفقه كثيراً، وعدم أصالته: بحيث يعّبر الشهيد المطهري عن ذلك عام 1961م فيقول: (إن فروع دراسة العلوم الدينية أصبحت أخيراً محدودة جداً، حتى هضمت جميع الفروع في الفقه، كما أن فروع الفقه بدوره قد وقع في مجرى منذ مائة عام وحتى الآن جعله لا يتابع تكامله)([3]).

وخلال العقود الماضية عندما كانت تطرح مباحث الحكومة الإسلامية كانت تطرح في قالب الفقه، في حين ينبغي أن تطرح هذه الأبحاث في ساحة الأبحاث الكلامية كالإمامة والقيادة، ذلك لأنه لا يمكن تحديد الآفاق الواسعة للحكومة الإسلامية وأبعادها من خلال استنتاجات الفقه وحدها، دون الاستفادة من علم الكلام والأدلة العقلية.

- سريان شعار (تنظيم الحوزات في عدم انتظامها): فقد كان هذا الشعار حاكماً عملياً في الحوزات، وكانت تبعاته السلبية تلقي بظلالها على الحوزات عن إرادة ودون إرادة، يتحدث عن ذلك العلامة محمد تقي الجعفري فيقول:" في زمان المرحوم آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني في النجف، كان المرحوم أية الله السيد علي يرى ضرورة إجراء تغيير في الحوزة في مجال الدراسة العلمية والمعاشات، لكن اقتراحه ذاك لم يلق تأييداً، وكانت الأكثرية تعتقد أن الحوزات إذا انتظمت فلن تثمر، وستخسر حالة الخلوص والانقطاع إلى الله، وكان المرجع آنذاك يعتقد أن تنظيمنا هو في عدم انتظامنا. أظن أن قلقهم كان نابعاً من أن النظام في الحوزة يطرح أهدافاً مجازية، وذلك يؤثر على العلم والإخلاص والتقوى والأخلاق. وأن التدخل المضّر يسهل في المجموعات المنظمة أكثر"([4]).

وكان آية الله العظمى البروجردي من جملة من سعى إلى القضاء إلى حد ما على هذه الفوضى خلال مدى زعامته، وكما قال الشهيد المطهري (وكان تحرك سماحته هذا في جو يتصدر قافلته شعار: النظام في عدم النظام، والخطة هي عدم التخطيط، والبرنامج هو عدم البرمجة، وسر بقاء العلمائية في عدم وجود برنامج وخطة وحساب)([5]).

أما الإمام الخميني الراحل فلم يكن يعتقد بهذه الشعارات مطلقاً، بل كان يوصي العلماء والطلاب بالنظام دوماً، ويعتبر أن تحلّي الطلاب بهذه الصفة يؤدي إلى مواجهتهم للمفاسد بشكل أفضل:

"إذا كنتم منظمين ومهذبين وكل أموركم خاضعة للنظام والترتيب فلن يطمع بكم الآخرون، أي لن يجدوا طريقاً إلى ذلك. فهذبوا أنفسكم وجهّزوها للمستقبل، هيئوا أنفسكم لمواجهة المفاسد التي ستأتي"([6]).

ويشير سماحة  الإمام في وصيته السياسية الإلهية إلى الخطة المشؤومة التي تحاك ضد الحوزات، ويؤكد "لعل نظرية النظام في عدم الانتظام من جملة التلقينات المشؤومة لهؤلاء المخططين والمتآمرين"([7]). ويؤكد أن القيام بتنظيم الحوزات أمر ضروري، لتصان هذه المراكز من الضرر([8]).

 

- انزواء العلماء بسبب إحباطهم السياسي في مسألة المشروطة وتأميم الصناعة النفطية:

انطلقت حركة المشروطة أو الحركة الدستورية بقيادة بعض علماء الدين، لكن اختلاف العلماء وتشتت آرائهم حولها، وفشل الحركة وانحرافها، وشنق آية الله فضل الله النوري، واغتيال المرحوم الطباطبائي أدى إلى انفعال الناس الصالحين، وانكفاء الحوزات العلمية، إلى حد ينقل أن العلامة النائيني، جمع كتبه القيّمة، ورمى بها في نهر دجلة، وفشل انتفاضة تأميم النفط وجهت بدورها ضربة قوية أخرى إلى مسيرة التحرك العلمائي والشعبي.

 

- الضغط والقمع والإرهاب الذي مارسته الأسرة البهلوية بعهديها ضد العلماء، والإعلام الواسع المعادي للعلماء:

هذا الأمر دفع بعض العلماء إلى اللجوء إلى التقية بوتيرة متصاعدة، مما ساهم في زوي العلماء وانفصال الناس عنهم، فعهد القمع الذي مارسه رضا خان كان عهداً مراً للعلماء الملتزمين وللإمام الخميني، وقد تحدث السيد أحمد الخميني عن ذلك قائلاً: "إن الإمام يتحدث عن ذلك العهد بمرارة، ويذكر أنه كان عهداً صعباً جداً علينا، وينقل أنه كان مع عدة أشخاص آخرين يضطرون إلى الخروج من قم قبل طلوع الشمس ليدرسوا ويتباحثوا في مكان خارج المدينة، ويعودون إلى بيوتهم بعد حلول الظلام لئلا يتعرضوا لهجوم رضا خان المتجبر بسبب تمسّكهم بالزي الديني"([9]).

ويتحدث الإمام الخميني عن إعلام رضا خان المعادي للعلماء فيقول: "كان الإعلام موجهاً بحيث أن الناس كانوا لا يقلّون المعمم بسياراتهم، الله يشهد أن المرحوم سماحة الشيخ عباس الطهراني(ره) قال: كنت أنوي أن أستقل السيارة لأذهب إلى(أراك) فقال لي السائق إننا لا ننقل فئتين المعمم والمرأة الفاحشة.

إلى هذا الحد كان قد بلغ وضع المعمم آنذاك، أي هكذا جعلوه، فصلوهم عن الشعب، ولقد فعل رضا خان ما أراده"([10]).

 

- تلويث اسم السياسة والحكومة:

الجرائم التي ارتكبتها الحكومات المستبدة طوال السنوات المتمادية تحت اسم الحكومة والسياسة، مما أدى إلى تلويث اسم السياسة والحكومة في أوساط الحوزات، وتجنّب الصالحين لهما.

 

- تدخل العلماء المزيفين:

إن تدخّل المعممين من طلاب الدنيا ووعاظ السلاطين في السياسة، وتكتمهم على جرائم الحكومات المختلفة، وقباحة ذلك، جعله من العوامل التي رسمت صورة سيئة للأحداث السياسية والتدخل في شؤون الحكومة لدى الناس والعلماء الصالحين في الحوزات.

 

- عدم التنسيق الكامل بين العلماء والمراجع، وتشتت آرائهم حول كيفية مواجهة الاستبداد الداخلي:

فلقد كان العلماء موحدون في نظرتهم إلى مواجهة الأجانب (المستعمرين)، ولكنهم لم يكونوا كذلك في نظرتهم إلى الحكومات الداخلية الظالمة. كما أن الاستعمار والحكومات وأحياناً مكاتب العلماء كانت من العوامل المحركة للفرقة والاختلاف بين بعض العلماء، كما حدث في انتفاضة المشروطة حيث برزت الخلافات إلى العلن، وطرحت بين عامة الناس.

 

- إعطاء العلماء الأولوية لشعار حفظ وصيانة الحوزة تجاه التشنج والتزلزل، بدل أولوية المواجهة مع الحكومة البهلوية:

إن أحد الأسباب المهمة التي دفعت العلماء إلى التركيز على هذه الشعارات، وإشاحتهم عن المواجهة المفتوحة مع الحكومة الفاسدة حتى أوائل الستينات غفلةً الناس وعدم مواكبتهم للعلماء. إضافةً إلى أن العلماء بدورهم لم يكونوا يمتلكون الأساليب الكافية لتعبئة الناس وإقامة علاقة جيدة معهم، كما فعل ذلك الإمام الخميني من بعد. لهذا كان العلماء يعتبرون أنهم قد أدوا تكليفهم عند قيامهم ببعض التحركات ضد السلالة البهلوية وعدم تبعية الناس لهم بالشكل المطلوب، فكانوا يتحولون إلى مؤسسة منعزلة، ويميلون إلى حياتهم العبادية.

المجتمع الديني تخلّى –خلال عهد القمع الذي مارسه رضا خان وخلال العقود المصيرية عن مسؤوليته في قيادة المجتمع، وحتى عن كسب السلطة أو المشاركة فيها، ليعيش حياته بعيداً عن تأثير الجو والواقع وعرض القوة السياسية ويتقوقع في جو محدود.

 

- الحوزات العلمية والتأثر بالعوام:

كان الشهيد المطهري أحد الذين حدّدوا آفات الحوزات العلمية، وأكد على ضرورة إصلاح الحوزات. وقد حوى كلامه أموراً كثيرة في هذا المجال، وحقائق تاريخية كثيرة، وقد ساهم أكثر في دركنا لحركة الإمام ونظرياته وساحة تحركه، نذكر منها بعض هذه النظريات.

في مقالة للشهيد المطهري نشرت عام 1961م ذكر فيها الامتيازات الهامة للحوزات العلمية، وأكد على وجود آفة التأثر بالعوام. وأشار فيها إلى أن تأمين الحاجات المالية للحوزات الذي يؤمّن عبر الحقوق  الشرعية التي يدفعها الناس قد منح العلماء استقلالهم عن الحكومات، لكن هذه التبعية المالية قد تؤدي إلى تأثر الحوزات بالعوام. وقد تناول هذا المفكر الإسلامي الكبير بعد انتصار الثورة الإسلامية في كتبه بحث آفات الحوزات ووجوب إصلاحها، وأكد على آرائه السابقة ضمن توجه نهضة الإمام الخميني(س)([11]) فاعتبر أن بقاء العلماء والإسلام واستمرارهما يتعرض للتهديد إذا لم تجري إصلاحات عميقة على يد زعماء الدين.

نكتفي بهذا المقدر من استعراض أسباب جمود الحوزات وتحركها السياسي، لكن لابد من الإشارة إلى أن هذا الركود لم يكن مختصاً بالحوزات العلمية في إيران، بل كان أشد من ذلك في حوزات النجف، وخاصةً خلال سنوات نفي الإمام الخميني(س) إليها.

فرموز الاستعمار داخل الحوزة وعملاء النظام الإيراني والعراقي وغيرهم استطاعوا أن يحاصروا تحرك الإمام الخميني(س) في العراق، وأن يقفوا في وجه تحركه لإيجاد نهضة في العراق، وإنقاذ حوزة النجف([12]). وكان للمعمين المتحجرين والمتأثرين بالاستعمار دور أكبر في ذلك، وكانت الغربة الأكبر على أيديهم. وقد بيّن الإمام(س) أسفه في تلك الأيام من وضع النجف.

"لا أدري ماذا أفعل بجو النجف هذا، فكلما قمت بخطوة يواجهني بعض معممي النجف بالمعارضة ووضع العقبات، فإن أنا اتخذت موقفاً حازماً وشديداً تجاه الحكام البعثيين، رفعوا أصواتهم في النجف فوراً أنه يريد أن تدب الفوضى في حوزة النجف! وإن أنا سكتُ سكت عن البعثيين، يقولون ها هو انسجم معهم! وإن عاملت البعثيين بلغة النصيحة، يقولون ما الذي جرى حتى يتعامل مع نظام الشاه بتلك الصورة، ويعامل نظام العراق باللين. وحتى عندما أقوم بعمل ما لصالح السادة في النجف شخصياً فلن يقلعوا عن معارضتي ووضع العقبات في طريقي"([13]).

وفي نفس السياق قال الإمام الخميني في الأيام الأخيرة لإقامته في النجف الأشرف:

"يعلم الله أني متأسف على هذه الحوزات، إني متأسف على حوزة النجف... إنني قمّي، لكنّي متأسف على النجف، إننا نحب أولئك جميعاً، إننا نحب هذه الحوزة التي عمّرت لأكثر من ألف عام، لا تَدَعُوا هذه الحوزة يقضى عليها، لا  تدعوها تنسى"([14]).

ورغم غربته ووحدته في النجف، ووجود المضايقات المذكورة، ودون خوف من اللسعات والضحك على اللحى وقلة المروءة، قدّم الإمام الخميني مشروع الحكومة الإسلامية بشكل مفصل وصريح، مما أعطى الجرأة لبعض العلماء الذين تلمسوا الوجع، ذلك لأن (كان هناك عدد قليل يعرفون هذه القضايا أيضاً، لكنهم لم يكونوا قد تجرأوا من قبل على إظهار هذه المعاني، فكان من آثار وفوائد وجود الإمام في النجف أن تجرأ بعض الأفراد على التصدي لقضايا الإسلام الأساسية"([15]).

 

2- المراجع والحركة السياسية للإمام الخميني:

إذا أردنا أن نتأمل في السيرة السياسية للمراجع الشيعة خلال نصف القرن الأخير في إيران، تبرز هذه الحقيقة بوضوح وهي أن أكثرية المراجع والعلماء قاموا بأساليب مختلفة مواجهة الأنظمة الغاضبة والجائرة استناداً إلى تكليفهم الشرعي، ودفاعاً عن أسس الإسلام واستقلال إيران وبناءاً لمصالح الأمة الإسلامية.

فكان العلماء الأعلام الشيعة كلما ابتلوا بأناس عوام ومخدوعين يضطرون إلى استخدام النصح والتكتيك وتحكيم العلاقة معهم، لحثهم على مواجهة ظلم الأنظمة المستبدة، ليتمكنوا بذلك من التخفيف من ظلم أولئك للإسلام ولحقوق الناس.

وإذا كان شعبهم واعياً ووفياً كانوا يبادرون إلى المواجهة السلبية والانتفاضة. وبهذا وذلك كانت الحوزات العلمية والعلماء الأعلام هم حافظو الاستقلال والسيادة في الدول الإسلامية دوماً.

وكان تحديداً المراجع لأسلوب المواجهة ومستواها مع الحكام المستبدّين يخضع للأدلة والتوجيهات الشرعية، وكان كل منهم يعمل على أساس رأيه واجتهاده. وهذا ما جعل المراجع يخرجون برأي واحد في مواجهة التدخل الأجنبي، وأن يفتقروا إلى ذلك عند مواجهتهم للاستبداد الداخلي وأشكال مواجهته.

وقد ارتفع مستوى الرشد الكيفي للثقافة السياسية للحوزات العلمية والدينية في زمن الإمام الخميني بحيث لم يعد نظام الشاه يتلقى الدعم والتأييد من كبار العلماء سوى القليلين جداً، لكن ثقافة المواجهة السلبية والمسلحة ضد الحكومة الملكية وإقامة الحكومة الإسلامية لم تكن مطروحة أيضاً، بل كانت هذه الفكرة تواجه غفلة أو إنكاراً، ورفضاً من قبل المجامع العلمانية.

وكان المراجع والعلماء يرون أن واجبهم هو تعليم الإسلام والتربية الإسلامية والإشراف على المجتمع ومراقبته في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحث المسلمين والفئات الأخرى على أداء هذا الواجب بشكله الصحيح. ولم يكونوا يخطون بعد ذلك أية خطوة حسب كلام الشهيد المطهري. في حين أن نهضة الإمام بعد خوضها لتجارب كثيرة وطويلة وصلت إلى نتيجة مفادها إذا لم يحدث تغيير أساسي في عقلية المجتمع، ولم تقام حكومة إسلامية، فإن كل الجهود لتحقيق سائر الأهداف سوف لا تثمر.

وكان الضغط الداخلي، وقلة الوعي السياسي والديني لدى الجماهير، وافتقار العلماء إلى الخبرة والقدرة الكافية على تعبئة الناس، وابتعاد الحوزات العلمية عن السياسة، والعوامل الأخرى أدت كلها إلى إيجاد اليأس لدى زعماء الدين من المواجهة السلبية مع الحكومة. لهذا كان شعار الحوزات العلمية ومعظم المراجع في تلك المرحلة هو صيانة الدين والحوزة من الاهتزاز والتشنج. وإن الحفاظ على كيان الإسلام بالمواجهة السلبية دون استعمال العنف أفضل، لأن المواجهة السياسية العنيفة قد تقضي على أساس الإسلام في الحوزات.

في هكذا جو كان للإمام الخميني قبل مرجعيته وبعدها وقبل انتصار الثورة الإسلامية وبعدها موقفاً ثابتاً ومنسجماً تجاه سائر المراجع، يمكن تلخيصه بالعناوين التالية:

- الالتزام باحترام المراجع وتكريمهم، وتوصية الآخرين بهذا الأمر من خلال الخطابات والبيانات.

- توجيههم وتنويرهم سياسياً، وتذكيرهم بواجباتهم السياسية والاجتماعية، وتشجيعهم وتنشيطهم نحو تحقيق أهداف النهضة الإسلامية.

- السعي لتوحيد كلمة المراجع، وإيجاد الانسجام النظري والعلمي بينهم.

لقد قام الإمام الخميني(س) بتكريم المراجع العظام بشكل وافر، وذكر عدة مرات أنه يقبل أيدي المراجع، وكان خلال وصاياه إلى الطلاب بتهذيب نفوسهم ينهاهم بشدة عن التجاسر على المراجع. وكان مما قاله في أحد كلماته في النجف:

"لقد دخلتم الآن في سلك طلب العلم، عليكم ترويض أنفسكم، وتحمل العناء، عليكم الانتباه، أن تحاكموا أنفسكم. كم تجاسرتم على العلماء؟ هل تعلمون أية معصية كبيرة ترتكبون عندما توجه كلمة واحدة، كلمة إهانة إلى أحد المراجع؟ أولئك هم أولياء الله..."([16]).

كان الإمام الخميني أعلم الفقهاء الأوائل في زمانه، وكان ذلك بارزاً بقوة في مجال الفلسفة والعرفان النظري. فقد كان الإمام متمكناً من مباني الفقه والفلسفة الإسلامية بأعلى أشكالهما، وكان أفضل الفقهاء والفلاسفة يعدّون من تلامذته. وكان الإمام بلطف الله وهدايته قد بلغ حد التمام والكمال من مقدرة التحليل والرؤية السياسية المستقبلية([17]) وبسبب هذه الخصائص وخاصة درايته المدهشة، وتوكله اللامتناهي على الله، واهتمامه بأداء التكليف الشرعي دون ملاحظة ما سواه، رأى منذ العام 1962 أن المواجهة السلبية والعنيفة ضد النظام، والتحرك نحو إقامة الحكومة الإسلامية أمراً مناسباً، وسعى إلى توعية وتحريك سائر المراجع معه.

كان الإمام قبل سنوات مرجعيته أحد أهم مستشاري المرجع آنذاك آية الله العظمى البروجردي(ره) وسعى خلال نفيه إلى النجف أن يبين للمرحوم آية الله العظمى الحكيم النهج السياسي الصحيح. لكن الظروف آنذاك وتدخل بعض الحواشي جعل التحرك السياسي للمرحوم البروجردي دون مستوى توقع الإمام. فمثلاً (عند صدور الحكم بإعدام نواب صفوي وباقي أعضاء فدائيو الإسلام كان للإمام مأخذ على المرحوم البروجردي وباقي المراجع لأنهم لم يتخذوا موقفاً شديداً ضد نظام الشاه، ليتمكنوا بذلك من تخليصهم، وقد واجه الإمام في هذه المسألة صدمة روحية شديد"([18]).

من الجدير ذكره أن المراجع من أمثال آيات الله العظمى البروجردي والحكيم لم يكونوا يأملون كثيراً بتعاون الناس ودعمهم، وقد نقل عن المرحوم البروجردي قوله (إنني منذ أن توليت المرجعية العامة كنت أظنّ أن عليَّ الاستنباط، وعلى الناس العمل، وأن الناس سيعملون بما أفتي به. لكن عند صدور الفتاوى- التي كانت لا تناسب ذوق العوام- وجدت أن الأمر ليس كذلك)([19]).

المرحوم البروجردي لم يكن يرغب بالتدخل في الشؤون السياسية، ولم يمتلك رؤية وحزماً كافيين في هذه الأمور، وكان إخفاق العلماء في المشروطة، وكبر سنّه من العوامل التي أضعفت تدخله في السياسة، حيث نقل عنه أيضاً قوله (ينتقدني الكثيرون، ويقولون: لماذا لا تقوم بعمل جيد؟ في الواقع أني منذ كنت في النجف الأشرف، ورأيت الأستاذ الأخوند الخراساني والمرحوم النائيني يتدخلون في شؤون المشروطة، وحصل ما نعرفه جميعاً، أصبحت حساساً تجاه مثل هذه الأمور، بحيث أني أصاب بوسوسة وتردد عند اتخاذي لقرار ما في هذا المجال، وكنت أندم بعد إصداري للأمر مباشرة، فأغيّر رأيي، ذلك لأني غير مطلع على الأمور بشكل كامل، وأخشى أن يخدعوني، وأن لا تجري الأمور كما نريد، فنندم، أو يلحق بالدين والحيثية الإسلامية لطمة أحياناً، خاصة في هذا العمر حيث لا يمكننا متابعة هذه الأمور بشكل كامل)([20]).

في تشرين الأول من  عام 1965م أي خلال نفي الإمام الخميني إلى النجف، دار بينه وبين آية الله العظمى الحكيم حوار يبين لنا طريقة تفكير المراجع والإمام وتفاوت أسلوب ومستوى المواجهة لديهما، وكيف أن بعض الزعماء الدينيين كانوا يرون أن تكليفهم العمل على أساس السيرة للإمام الحسن(ع) وأن الظروف لا تقتضي ثورة حسينية.

قال الإمام للحكيم: "من المناسب أن تذهبوا إلى إيران لتغيير الماء والهواء، وتشاهدوا الأوضاع هناك عن قرب، وما يجري على هذا الشعب المسلم. ففي زمان المرحوم البروجردي كنت أحمل عدم تحركه ضد الحكومة المتجبرة على الصحة، وكنت أقول إنهم لا يوصلون إليه ما يجري. وهكذا الأمر بالنسبة لجنابكم فإنني أعتقد أنهم لا يبلغون مسامعكم ما ترتكبه حكومة إيران من فجائع، وإلا لما سكتكم".

السيد الحكيم: إنكم هنا، وليس مستساغاً لي أن أذهب إلى إيران، ثم ماذا يمكن أن يُعمل؟ وما أثره؟

الإمام "إن لذلك أثر أكيد، فبنهضتنا هذه أوقفنا قرارات خطرة للحكومة. كيف لا يكون مؤثراً؟ إذا اتحد العلماء، فسيكون لذلك أثر حتمي".

السيد الحكيم: إذا كان هناك احتمال عقلائي، وتمّ عن طريق عقلائي فحسن.

الإمام: "إن لذلك تأثير حتمي، وقد رأينا أثره. وما نقصده من التحرك هو التحرك العقلائي، ولسنا أساساً في وارد بحث تحرك غير عقلائي. ما نقصده هو تحرك العلماء وعقلاء الشعب".

المحروم الحكيم: إذا قمنا بتحرك حاد، فلن يتّبعنا الناس. الناس يكذبون، إنهم أتباع الشهوات، ولا يمزقون صدورهم من أجل الدين.

الإمام: "كيف الناس يكذبون؟ لقد قدم أولئك أرواحهم، تحملوا العناء، سجنوا، نفوا، نهبت أموالهم. فكيف يكذب الناس من بقال وعطار فتحوا صدورهم للرصاص أمام محلاتهم".

المحروم الحكيم: إنهم لا يتعبوننا، إنهم يتّبعون الشهوات والأغراض المادية.

الإمام: "لقد ذكرت لكم أن الناس قد أظهروا مروءتهم وصدقهم في الخامس عشر من خرداد".

الحكيم: إذا تحركنا وسال الدم من أنف أحدهم، علت الأصوات، يشتموننا ويعلو ضجيجهم.

الإمام: "لقد قمنا، ولم نتلق من أحدٍ سوى مزيد من الاحترام والسلام وتقبيل الأيدي، ومن قصّر وتخلّف سمع كلاماً بارداً، وابتعد عنه الناس، خلال نفيي إلى تركيا ذهبت إلى إحدى القرى التركية، لا أذكر اسمها، نقل أهالي القرية أنه عندما قام أتاتورك بعملياته المعادية للدين، اجتمع علماء تركيا، وقاموا بنشاطات ضد قرارات اتاتورك، فحاصر أتاتورك القرية، وقتل أربعين شخصاً من علماء تركيا.

فخجلت من ذلك، وقلت في نفسي هؤلاء من السنة، وعندما رأوا الخطر يحدق بدين الإسلام قدموا أربعين قتيلاً، لكن علماء الشيعة لم تسل دماء أنوفهم في هذا الخطر العظيم الذي يداهم ديننا- لا من أنفي ولا من أنفك ولا من الآخرين- حقاً إنه لأمرٌ مخجل".

الحكيم: ما العمل؟ لا بد أن نحتمل التأثير، فما أثر تقديم القتلى؟

الإمام: "إن العمليات المعادية للدين على شكلين: الأول مثل رضا خان الذي كان يلحد ويقول أنا أفعل ذلك، ولم يكن ينسب الأمر للشرع، فكان التحرك ضده من باب النهي عن المنكر. لكن الشاه الحالي ينسب إلى الدين كل ما يفعله من أعمال مخالفة للقرآن والدين، ويقول هذا رأي القرآن، وإني أنقل عن القرآن. وتلك بدعة تضر بأصل الدين، وهي لا تحتمل. لا بد من تقديم الأرواح تجاهها، دعوا التاريخ يسجل أنه عندما تعرض الدين  إلى هجوم، هب جمع من علماء الشيعة، وقتل بعضهم".

الحكيم: ما فائدة التاريخ؟ لابد من وجود تأثير.

الإمام: "كيف لا يفيد؟ ألم تقدم ثورة الحسين بن علي عليه السلام خدمة مؤثرة في التاريخ؟ وما أعظم الفائدة التي استفدناها من ثورته".

الحكيم: وماذا تقول في الإمام الحسن؟ فهو لم يثور؟

الإمام: لو كان لدى الإمام الحسن أتباع بعدد ما لديكم لثار، لقد ثار أول الأمر، ثم وجد أن أتباعه قد اشتروا، لذا لم ينتصر. أما أنتم فلديكم في جميع الدول الإسلامية مقلّدون وأتباع".

الحكيم: إني لا أرى عندي من يتّبعني إذا قمت بتحرك ما.

الإمام: "تحركوا وثوروا وسأكون أول من يتبعكم".

تبسّم السيد الحكيم وسكت([21]).

طبعاً لقد قام آية الله الحكيم بحركة إعتراضية على حكومة البعث اعتراضاً على طرد الإيرانيين من العراق، لكن تحركه ذاك لم يفلح لفقدانه التوقيت المطلوب والبرنامج الصحيح، وفي الختام تنحى كإعلان عن سخطه على الحكومة، وتوفي في شهر ربيع الأول من عام 1390هـ.

في أوائل عقد الستينات استمر الإمام بتعاطيه الواضح مع باقي المراجع، وسعى من خلال عقد اجتماعات مشتركة ولنبذ الفرقة أن يوحدهم ضد النظام:

"لقد ظننتم أنكم من خلال دسائسكم ستتمكنون من زرع الخلاف بين العلماء، إن العلماء متحدون، إنني أجلّ جميع العلماء، إنني أقبّل ثانية أيدي جميع العلماء، وإذا كنت قد قبّلت يد المراجع ذلك اليوم، فإنني اليوم أقبّل يد الكاسب أيضاً".

وقد دخل المراجع العظام ساحة مواجهة الشاه بشكل فعّال بمؤازرة الإمام وتشجيعه لهم، وأصدروا عشرات البيانات الفردية والجماعية ضد الشاه وحكومته. لكن بعد فاجعة 15 خرداد(15 حزيران) ونفي الإمام، انخفض مستوى المؤازرة، ولهذا توقفت المواجهة العنيفة، رغم أن سماحة الإمام بنظرته البعيدة كان يرى ضرورة استمرار المواجهة حتى إسقاط النظام.

ولعل مقولة (حامد الكار) هذه كانت مطابقة للواقع: "لقد وافق العلماء عدة مرات في بلوغ أهدافهم الفورية السياسية، ومع هذا فإنهم عندما كانت تقع أحداث خاصة كانوا يحتاجون إلى شهامة أكبر، فلم يكن هناك غالباً قدرة على الاستنتاج، ولا الاهتمام بالنتائج اللاحقة"([22]).

ففي ذلك الوضع طالب بعض المراجع بوقف مواجهة الإمام السلبية ضد نظام الشاه. يقو ل الإمام عن ذلك:

"كتب لي بعض السادة من قم أن هذا يكفي، وأن الشاه باقٍ، فتوقف. حسناً، أولئك لا يعرفون الأمر، وكانوا معذورين، وأرادوا خيراً، وكانوا معذورين أيضاً"([23]).

لقد اعتبر الإمام الخميني أن التقية والسكوت آنذاك أمام نظام الشاه من الكبائر، وطلب الدعم من الزعماء ومراجع الإسلام للدفاع عن الإسلام:

"والله إنه مذنب من لا يصرخ، والله إنه مرتكب للكبائر من لا يرفع صوته، فيا زعماء الإسلام أنقذوا الإسلام، يا علماء النجف أنقذوا الإسلام، يا علماء قم أدركوا الإسلام، فلقد قضي على الإسلام"([24]).

"إن السادة أصحاب السماحة يرون كيف أن أصول الإسلام في معرض الخطر، والقرآن والدين في خطر، ومع هذا الاحتمال، فإن التقيّة حرام، إظهار الحقائق واجب- ولو بلغ ما بلغ"([25]).

إن وقوع فاجعة 15 خرداد دفع بمرجع كشريعتمداري الذي كان قد لحق بساحة النهضة حديثاً أن ينفصل عن خط المواجهة الذي سار فيه الإمام، وأن يميل نحو النظام البهلوي.

ومع بدء مرحلة نفي الإمام إلى النجف، لم يتوقف الإمام الخميني عن أداء واجبه الشرعي بدعوة المراجع إلى القيام والمواجهة، وإلى الاعتراض والإقلاع عن السكوت، فهو كان يرى أن السكوت يعني تأييد الأعمال الخيانية لنظام الشاه، حيث يقول: "إني أحسّ بالتكليف أن أذكّر في بعض الفرص بمصائب المسلمين وابتلاءاتهم... إن في إيران حالياً خمسون ألف معمم، من ملاّ ومرجع وحجة الإسلام وآية الله. إذا قام أولئك بالاعتراض، أقلعوا عن السكوت الذي يعد إمضاءاً وموافقة، وقاموا باعتراض جماعي، فهل سيقضون على أولئك كلهم؟ لو كانوا يريدون ذلك لقضوا عليَّ في أول الأمر، لكن رأينا أنهم لم يفعلوا ذلك، ولا يرونه من صالحهم. وليتهم قضوا عليّ، لكن ذلك ليس من صالحهم... أمام هذه البلايا والمصائب التي حلّت بالمسلمين والإسلام ماذا افعل؟ هل أعطيكم درساً في الأخلاق في ظروف يقضى فيها على المسلمين والإسلام؟، فهل أقعد لأتحدّث عن تهذيب النفوس؟ لست مهذباً إن لم أهتم بالإسلام والأمة الإسلامية، لو كنّا مهذّبين لكنّا اهتمينا"([26]).

"على أصحاب السماحة المراجع العظام والعلماء الأعلام –دامت بركاتهم- أن لا يرضوا بالقضاء على الحوزات الدينية بالذلة والمهانة. فالموت بعزّ خير من العيش بذل وتحت الأسر، وأسأل الله العظيم العظمة للإسلام والمسلمين، ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"([27]).

اعتبر الإمام الخميني في كتابه (الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه) إن التقيّة وسكوت الفقهاء عندما تتعرض أصول الإسلام وحيثيته للخطر أمر غير جائز([28]). وخلال مدة نفي الإمام الخميني إلى النجف عمل بعض المراجع مثل المرحوم آية الله العظمى الكلبالكاني على استمرار الصرخة بوجه النظام، حيث يقول سماحة الإمام الخامنئي: "خلال مرحلة الضغط الشديد، وفي مواجهة الحوادث الأليمة في سنوات نفي الإمام الخميني-قدس سره- كان صوت هذا الرجل العظيم أحياناً هو الصوت الوحيد الذي ينطلق من الحوزة العلمية في قم مهدداً، ومحفزاً للنهضة وممدّها بالقوة"([29]).

وعند تجدد النهضة عام 1977م عاد المراجع الذين ساهموا في المواجهة من قبل، عادوا إلى الساحة مجدداً، ورافقوا حركة الإمام، رغم وجود اختلاف في آرائهم حول كيفية المواجهة. يقول سماحة الشيخ الهاشمي الرفسنجاني حول ذلك: (خلال فترة المواجهة في إيران كان هناك اختلاف آراء أيضاً بين علمائنا حول كثير من المسائل –عن حسن نية- حتى في مواجهة الأسرة البهلوية، ولقد انتصرنا على ذلك الوضع)([30]).

وقد التزم الإمام الخميني(س) بعد انتصار الثورة الإسلامية وحتى وفاته سيرة السلف في تعامله مع المراجع، وكان يحثهم على المشاركة بالقول والفعل، وعدم التقوقع، فقال في شتاء عام 1983م: "لنعتبر من المؤامرات والمفاسد التي حصلت بسبب تقوقع المتدينين، ومن الصفعة التي تلقاها الإسلام والمسلون، ولنعلم وندرك أن النظام الإسلامي وتطبيق أحكامه السماوية ومصالح الشعب والدولة الإسلامية وحفظها من نهب الأجانب، كل ذلك يرتبط بتدخل فئات الشعب وخاصة العلماء المحترمون والمراجع العظام. وإذا وجهت صفعة أو ضربة إلى الإسلام أو الدولة الإسلامية –لاسمح الله- بسبب عدم تدخلهم في مصير المجتمع، فإن كل فرد من أفراد المجتمع سيكون مسؤولاً عن ذلك أمام الله القادر القهار، وقد تتعرض الأجيال القادمة لآلاف أنواع الاعتداءات بسبب التقوقع الحالي، ولن يسامحونا على ذلك"([31]).

وقد أكد الإمام على ذلك في وصيته أيضاً فيقول:

"وأوصي العلماء المحترمين –لاسّيما المراجع العظام- أن لا يعتزلوا قضايا المجتمع، خصوصاً عند انتخاب رئيس الجمهورية أو نوّاب المجلس، وأن لا يكونوا غير مكترثين بهذه الأمور"([32]).

ويشير الإمام الخميني إلى عزل العلماء خلال حركة المشروطة من قبل سياسيي الشرق والغرب، وعدم تدخّلهم في شؤون بلاد المسلمين.

وخلال عشرة سنوات من قيادة الإمام شارك المراجع العظام في الساحات المختلفة للثورة الإسلامية، وأكدوا من خلالها متابعتهم على حفظ الأصالة الإسلامية للنهضة، وسعوا من خلال تقديم الملاحظات والانتقادات التذكير بتلك الأصالة. وكان المرحوم آية الله العظمى الكلبالكاني أكثر مشاركة وإبداء للرأي، وقد راجع وتابع مقررات مجلس الشورى، وسائر الشؤون التشريعية والتنفيذية بدقة، ولم يتوانى عن إبداء رأيه فيها. لكن الغربيين كانوا يطرحون هذه الآراء المشفقة على شكل معارضة للنظام، مثلاً كتبت (نيكيكدي) حول ذلك فقالت: "لم يكن آية الله شريعتمداري عام 1979م وحده الذي ينتقد سياسة الحكومة، بل إن أكثر الزعماء الدينيين المسنّين المعروفين بآيات الله العظمى كانوا يعترضون على أفكار وسياسات الخميني في شتى المجالات وبدرجات متفاوتة، لكن كان من الصعب عليهم إظهار معارضتهم تلك في حياة الخميني"([33]).

لكن الواقع لم يكن كذلك، فرغم اختلاف آراء المراجع آنذاك، وعدم اتفاقهم الكامل فقهياً مع الإمام في حدود صلاحيات الولي الفقيه، لكن معظمهم كان يؤيد نظام الجمهورية الإسلامية الجديد ويدعمه، وكان الإمام يحترم المراجع احتراماً خاصاً، ويسعى في مناسبات عديدة لمعرفة آرائهم. إضافة إلى أن الاختلاف في الرأي والاستنتاج لم يكن منحصراً بالمراجع فقط، بل كان موجوداً في مجلس الشورى وشورى صيانة الدستور وجامعة مدرسي الحوزة العلمية بقم وغيرها. يقول الشيخ الهاشمي الرفسنجاني عن ذلك : (قد يكون هناك اختلاف في الآراء في مجلس الشورى، وفي شورى صيانة الدستور المحترمة، وبين مراجعنا، لكنها اختلافات قابلة للحل، ونحن نحلّها ونتقدم إلى الأمام، لكن ذلك يحتاج إلى الوقت. فهذه الاختلافات في الاستنتاج تعود إلى قرون)([34]).

البيانات التي أصدرها المراجع العظام عند وفاة الإمام تدل بوضوح على احترامهم الكبير وإيمانهم العظيم بقائد الثورة الإسلامية الفقيد([35]) وتبين أن تعدد أساليبهم ومستوياتهم النظرية والعلمية في المسائل الفقهية والسياسية الاجتماعية يعود إلى تفاوت اجتهادهم الشرعي، وليس لذلك أية علاقة بالمعارضة المبنية على أساس الهوى والهوس. ويبين الإمام ذلك بقوله:

"إن كتب فقهاء الإسلام العظام مملوءة باختلاف الآراء والأساليب والاستنتاجات في المجالات العسكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية والعبادية المختلفة، بحيث أن المسائل التي يدّعى فيها بالإجماع نجد فيها قولاً أو أقوالاً مخالفة، وحتى في مسائل الإجماع قد يوجد قول مخالف... فهل يمكن أن  نتصور أن الفقهاء كانوا يعملون خلافاً للحق وخلافاً لدين الله –نعوذ بالله- لأن آراءهم كانت مختلفة؟ كلا مطلقاً"([36]).

 

3- مواجهة الإمام للتحجر والتظاهر بالقداسة:

كان الإمام يرى أن خطر أعداء الإسلام والنهضة الإسلامية هم المتظاهرون بالقداسة وذوي الأدمغة الجافة. لذلك كانت أولى خطواته في مواجهته الطويلة تحطيم جو التحجّر، ومواجهة المتظاهرين بالقداسة (ذلك لأنه لو لم يحطم سد المتحجّرين الذين لا يعتقدون بترابط الدين والسياسة وامتزاجهما، لما تمكن الإمام من القيام بقوة وإحكام الخطوة التالية من المواجهة الطويلة. لذا فقد أحسن التشخيص عندما اعتبر أن تنوير أصحاب الفكر يجب أن يبدأ من الحوزة، ثم نتوقع التحوّل إلى خارج الحوزات)([37]).

التقى الإمام الخميني بالعلماء والمراجع في بداية المواجهات، وبيّن لهم هذا الخطر على هذه الصورة:

"علينا قبل أي عمل تكليفنا مع العلماء المزيفين الذين يعدّون اليوم من أخطر أعداء الإسلام والمسلمين، الذين تنفذ بأيديهم الخطط المشؤومة لأعداء الإسلام الحاقدين وصنائع الاستعمار. وعلينا أن نقطع أيديهم عن الحوزات العلمية والمساجد والمحافل الإسلامية، لنتمكن عندئذ من قطع الأيدي المتجاوزة العلمية والمساجد وأعداء الإسلام والقرآن الكريم. وندافع عن الاستقلال ونصون الدول الإسلامية والأمة الإسلامية"([38]).

فالمتحجرين والمتظاهرين بالقداسة يعتقدون فصل الدين والعلماء عن السياسة، وتبعاً لذلك فإنهم لا يعتقدون بمواجهة النظام الجائر الحاكم. أما دوافع وجذور هذا التفكير فتعود إلى عوامل مثل: الجهل، وعبادة الدنيا، والخلود إلى الراحة، والتبعية للاستعمار أو للأجهزة الحاكمة الداخلية، والافتقار إلى الرؤية السياسية والفقهية الصحيحة، وتأويل بعض الروايات بشكل غير صحيح.

أولئك كانوا يعرقلون كل تحرك إيجابي في الحوزات ويتهمونه، ويعتبرون تدخل العلماء في السياسة معصية وفسقاً. وتعلّم اللغات الأجنبية والفلسفة وحتى امتلاك صحيفة خطيئة. وركوب السيارة أمراً جديداً، فيفضلون ركوب العربة. إلى أن حطم آية الله البروجردي هذا السدّ، وتجرأ الآخرون على ركوب السيارة([39]).

(إن المتظاهرين بالقداسة المتحجّرين لم يكونوا يطيقوا نظرة الإمام في دروسه العرفانية والفلسفية، وكانوا يعدّون الأجواء ضده، بحيث كانوا يستعملون ملقط الفحم لالتقاط كتاب المنظومة العائد له، لأنه نجس باعتقادهم)([40]).وينقل أنه كان لأولئك دور في إيقاف درس الأخلاق الذي كان يعطيه الإمام في عقد الأربعينات. ويقول السيد الموسوي الأردبيلي عن ذوي هذا النوع من التفكير:

(أولئك يعارضون عادة أي أمر جديد، يعارضون الثورة، يقولون أحياناً: إن الطماطم أرمنية. وكان يعارضون الكهرباء ويقولون: الشيطان يمر في الكهرباء، ويستدلون بأنه من غير الممكن أن يضيء مصباح دون زيت. وكانوا يعارضون لبس الأحذية، ويولون لبس النعلين أفضل. وقد عارضوا مد أنابيب المياه، وقالوا إنها تقضي على أحكام الماء القليل، فإذا مدت أنابيب مياه في بيتك، فستكون المياه عندك بحكم الكر والجاري دوماً... كانت تلك جماعة، وكان بينهم من هو مقدس، أي أنه كان من أهل الدعاء والزيارة، وطأطأة الرأس، وإذا تحدث تكلم بلحن هادئ، ويكثر من قول أستغفر الله ولا إله إلا الله، ويتأوه، بتلك الأعمال يصبح أحدهم متظاهراً بالقداسة، ويصبح فكره عملاً، وعمله جذبة. في حين أن فكره مسموم وخطر، وإذا صاحبهم الإنسان انخدع بظاهرهم، فيجده زاهداً، عابداً، يملك لسانه، لا يرفع صوته، يعفو، ويقول: أين نحن من الدنيا. ويفسّر الدنيا بشكل آخر، إنه يعتبر أن مقارعة الشاه دنيا، وأن مساعدة الفقير دنيا وهكذا. أولئك متحجرون، أولئك متظاهرون بالقداسة... أولئك يترعرعون داخل الحوزات أكثر، يوجد منهم خارج الحوزات، لكنهم قلة...)([41]).

(لم يكن المتحجّرون يعترفون بتغيّر ظروف الزمان والمكان، وكانوا في مقابل حركة الإمام الهادرة ضد النظام يعتقدون أن عليهم أن يتصرفوا كالإمام الحسن عليه السلام والإمام الصادق عليه السلام أو مثل مؤسس الحوزة العلمية في قم آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري. يطرحون دوماً بحث العفو والرأفة الإسلامية، وكانوا يوصدون باب الاجتهاد)([42]) وقد وجدوا في هذا المجال عدة روايات تناسب سيرة الإخباريين، فاختاروا بعضها وفسّروها سعياً وراء إيجاد سند شرعي لطريقة تفكيرهم. وتعتبر  هذه الجماعة أن كثيراً من الأحكام السياسية والاجتماعية في الإسلام تختص بزمان حضور الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف.

ولعل الروايات المعدودة التي يستند إليها المتحجّرون والمتظاهرون بالقداسة تنقسم إلى خمسة أصناف:

- الروايات التي تحرّم القيام قبل ظهور الإمام المهدي(عج) وتعتبر القائم بها طاغوتاً.

- الروايات التي تدل على فشل كل قيام قبل ظهور صاحب الزمان.

- الروايات التي توصي الشيعة بعدم القيام مع من يقوم لنفسه، لا لرضا الله.

- الروايات التي توصي الشيعة بانتظار الفرج في زمان الغيبة، وانتظار وقوع العلامات الخاصة بظهوره.

- الروايات التي ترشد المؤمنين لعدم تحمل العناء من أجل إقامة حكومة وإزالة ملك الظالم، لأنهم لن يفلحوا في ذلك"([43]).

لكن هذه الروايات المعدودة جاءت أساساً في ردّ المدّعين للمهدوية، وحتى لو افترضنا توثيقها، عندئذ لابد من ملاحظة الوضع الجائر في زمان الأئمة عليهم السلام لمعرفة تفسيرها. إضافة إلى وجود مئات الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي تتناول فضيلة القيام والجهاد في طريق الحق، والتي تغطي على تلك الأحاديث المعدودة.

وقد وبّخ الإمام الخميني المتحجرين على استنادهم إلى تلك الروايات واعتبر أن فهمهم الخاطئ للإسلام أدى إلى تحريف الدين، وأعطى المتقاعسين حجة للهروب من تكليف القيام والمواجهة.

لكن لشدّة هذا التوجه، وصعوبة مواجهته، وسعياً في حفظ الهدوء في البلاد، اضطر الإمام الخميني إلى تأخير فضحه لأولئك بصراحة إلى آخر أشهر عمره. وتحدث السيد الموسوي الأردبيلي عن سبب تأخر فضحهم، واعتبر أن صعوبة الأمر، وقوة التوجه المذكور كان السبب في ذلك، وقال "لم يكن الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه- محتاطاً في مسألة ما كاحتياطه في هذه، فكل ما تحدث به عن هذا الأمر يعود إلى المرحلة الأخيرة، أي أنه ترك ذلك إلى الوقت الذي لم يبق مفرّ من قوله لمن يريد الوقوف بوجه هذا الفكر، فلهذا الفكر مؤيدون، لم يكن  دون مؤيدين، وليست قوته عسكرية، ليست قنابل وصواريخ، بل هي قوة تقديس وتقوى، فأحدهم يقف تحت شعار أنه متقي ومظلوم ومحق، لهذا فإن مواجهته أمر صعبٌ جداً)([44]).

وجه الإمام الخميني(س) في 22/2/1989م خطاباً تاريخياً إلى المراجع والعلماء والمعممين في أنحاء البلاد، وبيّن فيه الاستراتيجية المستقبلية للثورة وللحكومة الإسلامية، وفضح بتألم وجه التحجّر والتظاهر بالتقدس.

وفي 15/1/1989م كان قد وجه نداءاً آخراً يؤكد فيه على ضرورة تدوين تاريخ الثورة الإسلامية، وينذر فيه بوضوح من خطر المتحجّرين والمتقدسين. والملفت أن هذا الفضح جاء مباشرة بعد إصداره منشورة 6/1/1989م الذي جدد فيه وفصل صلاحيات ولاية الفقيه الواسعة.

وقد تناول أعمال المتحجرين التي مازالت حتى الآن موجودة، حيث قال:

"عند بدء الانتفاضة الإسلامية إذا أردت أن تقول أن الشاه خائن. يأتيك الجواب مباشرة: إن الشاه شيعي. كان هناك عدد من المتقدسين الرجعيين يعتبرون كل شيء، ولم يكن يستطيع أحد أن يقف في وجههم، إن الغصات الدامية للقلب التي تجرّعها أبوكم العجوز هذا من تلك الفئة المتحجّرة كانت أشد من كل الضغوط والصعاب التي واجهها من الآخرين"([45]).

"...خلال العام 1962م- عام بدء الثورة الإسلامية والمواجهة- ما أكثر الغصات التي تجرعها العلماء الأصليون، اتهموا بالتجسس والإلحاد، لكنهم توكلوا على الله العظيم، وشحذوا الهمم، ولم تقعدهم الاتهامات والشتائم، ورموا بأنفسهم في طوفان البلاد، وخاضوا حرباً غير متكافئة بين الإيمان والكفر، والعلم والخرافة، والتنّور والتحجّر، وخرجوا منها منتصرين مرفوعي الرأس لكن ملطخين بدم أحبائهم ورفاقهم"([46]).

"... خلال مرحلة نفوذ المتقدّسين الجهلاء والسذّج الأميين، عقد البعض هممهم، وقدموا أرواحهم وكراماتهم من أجل إنقاذ الإسلام والحوزة والعلماء. ولم تكن الأوضاع حينها كما هي عليه اليوم، لم يكن يعتقد كل واحد بالمواجهة الكاملة، بل كانوا يخرجون من ساحة المواجهة تحت ضغط المتقدسين وتهديداتهم. فمن المشاكل الكبرى والمهلكة ترويجهم لفكره (الشاه ظل الله) أو (اللحم والجلد لا يمكنهما الوقوف في وجه المدفع والدبابة) و(لسنا مكلّفون بالجهاد والمواجهة) و (من سيكون مسؤولاً عن دماء القتلى؟) والأكثر تحطيماً طرحهم للشعار المضل (الحكومة التي تقوم قبل ظهور صاحب الزمان عليه السلام هي حكومة باطل) وآلاف (إن قلت) أخرى، التي يصعب الوقوف بوجهها من خلال النصيحة والمواجهة السلبية والإعلام. فكان الحل الوحيد هو المواجهة والإيثار والدم حيث يسّر الله وسائلها. فشرّع العلماء والطلبة الملتزمون صدورهم لتلقي أي سهم مسموم يطلق نحو الإسلام، وتقدموا إلى مسلخ العشق. فكان أول فصل من الفصول الدامية للمواجهة وأهمها هي انتفاضة عاشوراء 15 خرداد، ففي 5 حزيران 1963م لم تكن المواجهة مع بنادق الشاه ورشاشاته، ولو كانت كذلك لكانت المواجهة سهلة، بل كانت رصاصات الألسنة الجارحة والنفاق والتلون، التي كانت تحرق الأكباد والأرواح وتسحقها آلاف أضعاف ما فعله البارود والرصاص. لم يكن يمر حينها دون وقوع حادثة ما، كانت أيادي الشاه الخفية والعلنية تستخدم الشائعات والتهم. كانت تطلق نفير (تارك الصلاة) و(الشيوعية) و(عملاء الإنجليز) على من كانوا يرشدون المواجهة ويقودونها. وكان العلماء الأصليون في وحدتهم وأسرهم يبكون دما لأن أمريكا وعميلها البهلوي يريدون قطع جذور الدين والإسلام، وأن جمعاً من المعممين المتقدسين الجهلاء أو المخدوعين، وجمع من العملاء –الذين تكشفت حقيقتهم بعد انتصار الثورة- كانوا يسيرون معهم في تنفيذ هذه الخيانة الكبرى"([47]).

هناك أمران أساسيان حول المتظاهرين بالقداسة والمتحجّرين وعلاقتهم بنهضة الإمام الإسلامية:

الأول: أن ملف فكر هذه الفئة ما زال مفتوحاً حسب تعبير الإمام نفسه.

الثاني: إن هؤلاء لم يتوقفوا طوال حياة الإمام عن تخطئته واتهامه، وكان هجومهم عليه يتصاعد كلما كان الإمام يستخدم الأسلوب الاجتهادي المطلوب لحل المشاكل والقضايا الجديدة.

ولإثبات هذا الإدعاء سنورد عدة شواهد عليه، منها ما قاله آية الله الأذري القمي: (إنني أعرف أشخاصاً كانوا يأتون إليَّ بعد أن أفتى الإمام –رحمة الله عليه- أن الشطرنج على االفرض المذكور لا إشكال فيه، وقالوا لي أن الإمام -والعياذ بالله- خسر دينه. إن أولئك يميلون –من بين أهل العلم- نحو التقوى الخاوية من مضمونها)([48]).

الشاهد الآخر هو كلام الإمام المفصل الذي يثبت الأمرين المذكورين آنفاً، ويؤيد علاقة شريعتمداري بقضية المتقدسين والمتحجرين. حيث قال في آذار 1989م:

"لقد تلقى الإسلام ضربات من المتقدسين المتظاهرين بالدين كما لم يتلق ذلك من أية فئة أخرى، والنموذج البارز لذلك هي مظلومية أمير المؤمنين عليه السلام وغربته المعروفة في التاريخ... لكن يجب أن يعلم الطلبة الشبان أن ملف فكر هذه الفئة ما زال مفتوحاً، وقد تغيّر أسلوب التقدس وبيع الدين.

فالمنهزمون بالأمس أضحوا اليوم لاعبو سياسة. فأولئك الذين لم يكونوا يجيزون لأنفسهم التدخل في الشؤون السياسية، أضحوا اليوم الداعمين لمن تمادوا إلى حد الإطاحة بالنظام والتآمر عليه. فالتحرك الخياني في قم وتبريز بالتنسيق مع اليساريين ومؤيدوا الملكية وانعزاليوا كردستان ما هي إلا نموذج مما يمكن أن نبرزه، وقد فشلوا في تلك الحوادث، لكنهم لم يتوقفوا عن ذلك، بل أطلوا برؤوسهم في مؤامرة (نوجه) وقد فضحهم الله أيضاً.

وهناك مجموعة أخرى من المتلبسين بزي العلماء الذين كانوا قبل انتصار الثورة يقولون بفصل الدين عن السياسة، وكانوا يمسحون رؤوسهم ببلاط الحكام، فأصبحوا فجأة متدينين، وأضحوا يكيلون تهمة الوهابية وأسوأ من الوهابية للعلماء الأعزاء الشرفاء الذين تحملوا كل الظلم والتشريد والسجن والنفي من أجل الإسلام.

بالأمس كان المتقدسون فاقدوا الإحساس يقولون: الدين منفك عن السياسة، ومواجهة الشاه حرام. واليوم يقولون أصبح مسؤولو النظام شيوعيين. وحتى الأمس كانوا يعتبرون أن بيع الخمور والفساد والفحشاء والفسق وحكومة الظالمين أمور مفيدة وتسهل الطريق لظهور صاحب الزمان-أرواحنا فداه- واليوم يطلقون صيحات واسلاماه لأن مخالفة شرعية ترتكب في زاوية ما دون إرادة المسؤولين...

نعم فالاتهام بالميل إلى أمريكا وروسيا والالتقاط، والاتهام بتجليل الحرام وتحريم الحلال، والاتهام بقتل النساء الحوامل وتحليل القمار والموسيقى عمن يصدر؟ هل يصدر عن الملحدين أم عن المتقدسين المتحجّرين فاقدي الشعور؟ ونداء تحريم القتال ضد أعداء الله، والاستهزاء بثقافة الشهداء والشهادة، إظهار المطاعن والكنايات حول شرعية النظام عمن تصدر كل تلك الأعمال؟ عن العوام أم الخواص؟ والخواص من أية فئة؟ من المعممين ظاهرياً أم غيرهم؟ لندع ذلك فالكلام عنه يطول.

كل تلك الأمور هي نتائج لتغلغل الأجانب في مواقع الحوزات وثقافتها، وإن المواجهة الحقيقية مع هذه المخاطر أمر صعب ومعقّد"([49]).

لقد أشار الإمام الخميني في وصيته عدة مرات إلى الخطر الدائم للمتحجرين والمتقدسين، وقد نبّه الحوزات العلمية في وصيته إلى أن أحد الطرق المهمة التي يستخدمها الأعداء من أجل الإطاحة بالجمهورية الإسلامية يتمثل في بث الأفراد والمنحرفين والفاسدين داخل الحوزات العلمية بهدف الإساءة إلى سمعة هذه المراكز، وضرب النهضة. فهو يرى أن المتلبسين بزي العلماء-إذا وجدوا الفرصة- فسيكونون أشد خطرا واكثر إضراراً من دعاة الوطنية والمفكرين المصطنعين. وإن القوى الكبرى الناهبة التي تعتبر مثل أولئك ذخائر ليؤدوا مهمتهم بعد ثلاثين أو أربعين عاماً القادمة. لذلك فإن مواجهة مثل هذه المؤامرات أكثر أولوية ولزوماً، وأن على المدرسين والأفاضل من ذوي الماضي الحسن أن يقوموا بتنظيم هذه المراكز وتصفيتها وبمباركة المراجع([50]).

 

4- منزلة العلماء في الحكومة وعلاقتهم بها:

هناك سؤال شائع يطرح دوماً عند استعراض أو تناول موقف الإمام من العلماء، والسؤال هو: ما هي منزلة العلماء في الحكومة الإسلامية؟ هل هم جزء من الحكومة؟ وهل يجب عليهم أن ينضووا في مؤسسة حكومية؟ وهل يجب أن يتسلموا المناصب الرئيسية؟ أم أن الأمر عكس ذلك؟

هذه الأسئلة كانت تطرح قبل انتصار الثورة بقوة، وكان الغربيون يركزون على طرح هذه الأسئلة لمعرفة مدى تدخل العلماء في الشأن السياسي.

فالغربيون كانوا يعتبرون أن استلام العلماء للمهام الحكومية الرئيسية يعني زيادة الميول نحو الأصولية للثورة، ولهذا كانوا يكثرون من أسئلتهم في هذا المحور خلال مقابلاتهم مع سماحة الإمام الخميني. ونظراً لأهمية هذه الأسئلة والأجوبة في بحثنا هذا، ننقل هنا بعضاً منها:

أ- سؤال صحيفة الأكونوميست البريطانية 8/1/1979م: كيف ترى دور العلماء والقيادات الدينية في المستقبل:

الجواب: "دور العلماء في حكومة المستقبل سيكون إرشاد الحكومة وهدايتها"([51]).

ب- سؤال مراسل وكالة رويتر في باريس 25/10/1978م: هل سيحكم العلماء بأنفسهم؟

الجواب: "لن يحكم العلماء بأنفسهم، بل هم المشرفون والمرشدون للمسؤولين. وهذه الحكومة ستعتمد في جميع مراحلها على آراء الناس، وستكون تحت إشراف وتقييم ونقد الجميع"([52]).

ج- سؤال إذاعة وتلفزيون فرنسا في النجف 13/9/1978م: ما هي نظرتكم للحكومة الإسلامية؟ هل تقصدون أن الزعماء الدينيين سيتولون إدارة الحكومة بأنفسهم؟ وما هي مراحل هذه الحكومة؟

الجواب: "كلا، ليس المقصود أن يتولى زعماء الدين إدارة الحكم بأنفسهم، بل سيقودون الناس من أجل تأمين مطالبهم الإسلامية، لأن أكثرية الناس من المسلمين، والحكومة الإسلامية تتلقى الدعم منهم، وتعتمد على الجماهير"([53]).

من أجوبة سماحة الإمام يتضح أنه يعتقد بأن دور العلماء هو إرشاد الحكومة، أما الشواهد فتدل إلى أنه بعد مرور مقطع من مرحلة ما بعد انتصار الثورة قام العلماء بتحمل المسؤوليات الأساسية في الحكم.

وهنا يطرح هذا السؤال وهو: هل هناك تعارض بين السيرة النظرية للإمام والواقع الموجود؟ الجواب على هذا السؤال بالنفي، ولتوضيح الجواب نقول: إن الإمام الخميني(س) كان دوماً يؤكد على استقلال العلماء وعدم تداخلهم بالحكومة. ويؤيد ذلك الشهيد المطهري، فيجيب على هذا السؤال بعد انتصار الثورة فيقول (الإمام يعتقد أن على العلماء أن يكونوا مستقلين، وأن يبقوا دوماً إلى جانب الناس، وأن لا يختلطوا مع الحكومة. فهو يعارض بشدة ارتباط العلماء بالحكومة وتبعيتهم لها كما هو الحال مع علماء العامة، حتى في الحكومة الإسلامية، كما إنه يعارض أن يصبح العلماء جزءاً من الحكومة، وأن يتسلموا مناصب حكومية. أما ما يجري حالياً من ترؤس العلماء للجان الثورية، فذلك أمر ضروري وإجباري، لكن معارضته للأمر لا تعد تحريماً له، بل رأي واقتراح. فقد تستدعي الضرورة أحياناً أن يتولى عالم معين منصباً حكومياً لعدم وجود من يتولاه، عندئذٍ لا نقول إن ذلك محرم على العلماء، وعليهم أن لا يتصدوا له، فلنأخذ مثلاً مسؤولية التربية والتعليم...)([54]).

فالإمام الخميني(س) يرجح أن تكون مهمة العلماء الإشراف والمراقبة، ويقول حول تولي العلماء لرئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء "ليس من صالحهم أن يكونوا كذلك"([55]).

كما إنه يعتقد أن العلماء لا ينتسبون إلى الحكومة، ولا هم خارجون عنها، حيث قال ذلك في كانون الثاني 1980م "وحول سؤالكم هل سينضم العلماء إلى الحكومة؟ أم ماذا؟ كلا لا يريدون أن يكونوا في الحكومة، لكنهم ليسوا خارجين عنها، ليسوا داخل الحكومة، وليسوا خارجين عنها. ليسوا داخل الحكومة بمعنى أنهم لا يريدون أن يتربعوا في مقر رئاسة الوزراء، ويقوموا بمهام رئيس الوزراء. وليسوا خارجين عنها بمعنى أن رئيس الوزراء إذا وضع قدمه جانباً فسيقفون بوجهه، يمكنهم الوقوف بوجهه"([56]).

بعد التجربة المريرة للحكومة المؤقتة، ثم مرحلة حكم بني صدر والأضرار العظيمة التي لحقت بالثورة الإسلامية، اقترح أعوان الإمام تسلم العلماء للمناصب الرئيسية في النظام، ولقي ذلك تأييداً من الشعب، مما جعل الإمام يوافق على ذلك للضرورة ولرعاية أولوية حفظ النظام وافق على تولي العلماء لرئاسة المناصب المهمة في النظام، رغم أنه لم يعدل عن ترجيحه النظري ذاك حتى آخر حياته، حيث قال في آب 1984م "لقد قلت عدة مرات أن على العلماء أن يؤدوا دوراً إرشادياً وتوجيهياً، لا أن يطلبوا الحكم. علينا أن لا نقوم بأمر فيقول الناس لم يكن بإمكان أولئك أن يفعلوا شيئاً، وما أن تمكنوا من ذلك حتى أصبحوا كذا وكذا، فالاستبداد الديني تهمة علينا أن نجتنبها"([57]).

حتى ولاية الفقيه تعني عند الإمام الإشراف والرقابة الفعالة، ولا تعني حكومة الحاكم على المحكومين. من هنا فإن حكومة الولي الفقيه تعني "الإشراف والرقابة على الأمور" والفقيه مراقب وليس حاكماً، أي أنه يراقب تنفيذ القوانين الإسلامية. كما أن الحكومة في النظام الإسلامي لا تعني أساساً الاستيلاء والتغلب للحاكم على المحكومين. فالولي الفقيه ليس جزءاً من الحكومة، وليس خارجاً عنها، بل إنه يمارس بفعالية إرشاد المجتمع ومسؤولي البلاد في المسار الإسلامي الصحيح، ومن خلال تدخله ذاك ورقابته تلك تجد الحكومة والنظام السياسي مشرعيتهما. يقول الإمام "علينا أن نحترم الناس، وأن نقف جانباً، وأن نراقب الأعمال خيرها وشرها"([58]).

يتضح من ذلك أن موقف الإمام الخميني من موقع العلماء في الحكومة الإسلامية وكيفية ارتباطهم بالمؤسسات الحكومية واضح وثابت، وليس فيه تعارض وتناقض.

من الجدير ذكره هنا أن اعتقاد الإمام بمهمة "الإشراف العام والفعّال للعلماء" وعدم ميل العلماء –الذين يشكلون مؤسسة عظيمة وحساسة- للدخول في الحكومة. لا يعني الفصل بين الدين والسياسة التمييز بينهما، أو تهميش العلماء وإبعادهم عن الخدمات الهامة الحكومية، بل يستنبط من ذلك أنه يرى العلماء هم الجهاز الأساسي لصيانة الإسلام، وملجأ جميع الناس. فإذا دخلت هذه الفئة في أحزاب واتجاهات سياسية خاصة فقدت شموليتها، وقد تنال حتى من اسلاميتها. فالعلماء الأصليون هم المؤشر على إسلامية أي نظام إسلامي، ومن البديهي أن هذا الجهاز إذا بقي متماسكاً، ولم يذوب في الحكومات أو في الأشكال المختلفة لإجراء حاكمية الحكومة الإسلامية، فسيتمكن من حفظ الإسلام أكثر، وأن ينبّه الحكام في كل زمان للمعايير الإسلامية.

فالعلماء يراقبون الحكومة ويصححون مسارها ويرشدونها على أساس الموازين الإسلامية، وكل حكومة تطابق هذه الموازين، فستستفيد من النقد البنّاء لهذا الجهاز.

ومن الواضح أن العلماء بدورهم المذكور هذا إذا دخلوا في إطار الحكومات الموجودة فستفقد الحكومة الإسلامية مرشدها ومراقبها الأصلي، وستزيد ثناءاً إلى الثناء السابق، وتفقد شيئاً فشيئاً إسلامية النظام. حتى لو بقي النظام يحمل اسم الإسلام ظاهرياً.

لذا فإن خيار الإمام الخميني(س) ووصته أن يكون العلماء مستقلون دينياً، لا أن يكونوا علماء عقيدة فقط يتتبعون العقائد المزورة والمصنوعة والموهومة لطلاب الدنيا والمتسلطين وأتباع الخرافات.

ومن هنا يتبين أن الإمام الخميني كان ينظر بوضوح إلى التجربة الطويلة للفقه الحكومي أو فقه الخلافة التي خاضتها مذاهب غير الشيعة مع الحكومات الجائرة، والعواقب السلبية لذلك. وكان يعتقد أن هذه المذاهب تعمل بإرادة أو دون إرادة لتبرير أعمال حكام الجور وإضفاء الشرعية عليهم، وخاصة في مجال العدل والتقوى([59]) وهذا ما جعلهم وعاّظ سلاطين. فمن الطرق الأساسية لمواجهة هذا الخطر حفظ استقلال العلماء الذي يمكنه منع تكرار تحول الإمامة والخلافة إلى ملكية وسلطنة.

لهذا فإن قيام العلماء بمهمة الرقابة الفعالة على الحكومة لا تعني مطلقاً رفضهم لأداء المهام الحكومية، يقول الإمام الخميني(س):

"بدءاً بالمراجع والعلماء الكبار وانتهاءاً بالتجار والكسبة والفلاحين والعمال والموظفين، كلهم مسؤولون عن مصير البلاد والإسلام، في الجيل الحاضر والأجيال القادمة، ولعل عدم حضورهم الفعال وتساهلهم في بعض الأحيان يشكل ذنباً يقع في رأس الكبائر"([60]).

ويوصي الإمام الخميني جميع المسلمين-ومنهم العلماء- بحفظ الحكومة الإسلامية هذه الأمانة الإلهية، ويطلب منهم أن يبذلوا جهدهم لإيجاد عوامل بقائها ورفع العقبات من أمامها وحل مشاكلها([61]). وكما ذكر سابقاً باختصار فإنه يحذر في وصيته العلماء والمراجع العظام من الانزواء واللامبالاة بالشؤون السياسية، ويعتبر أن سبب فشل الحركة الدستورية (المشروطة) وما رافقه من تحرك لسياسيي الشرق والغرب، وتوجيه ضربة إلى الدستور والإسلام كله كان بسببه أن أخرج العلماء من الساحة بعد أن كانوا أساس الحركة المشروطة، وبنوها بجهودهم وعنائهم. ووقع علماء آخرون  في حبائل السياسيين، فظنوا أن تدخلهم في شؤون البلاد والمسلمين أمر ليس من شأنهم، فتركوا الساحة للمتأثرين بالغرب"([62]).

 

5- أسلوب الاجتهاد الفقهي عند الإمام الخميني(س) والحوزة والعلماء:

من الآفات السابقة والفعلية للحوزات العلمية ضعف الأساليب الاجتهادية، والتفاعل الفقهي عند بعض العلماء عند تعاملهم مع قضايا العصر التي يواجهها العالم الإسلامي، وعدم تقديمهم للأجوبة اللازمة لها. هذه القضية لم تغب عن رؤية الإمام وهو الفقيه العارف بزمانه والمصلح السياسي والاجتماعي. فقد بيّن من خلال سيرته النظرية والعملية الطرق الصحيحة لاستنباط الأحكام والحجج الدينية ومن الأدلة الشرعية، وشرح خصوصيات هذا الجهد الاجتهادي تحت عنوان (الأسلوب اللازم للاجتهاد) وهذا السبك من الاستنباط يشكل في الحقيقة تتمة للأسلوب الاجتهادي القديم وهو ما سمّي بالاجتهاد الاصطلاحي. ورغم أن أساليب الاستنباط متعددة، لكن نظراً لأهمية الأسلوبين الأخيرين فسنذكرهما مع النظريات الإصلاحية للإمام.

 

أ- أسلوب الاجتهاد الاصطلاحي أو الرائج:

هذا الأسلوب هو أسلوب الفقهاء المتأخرين والمعاصرين، وهو أسلوب غير كافٍ في نظر الإمام، لأنه لا يهتم بدور وتأثير الزمان والمكان. رغم أنه كان يثمن دوماً المجتهدين السابقين، ويرى أن أسلوبهم ضروري أيضاً. إن رأس المال العلمي لهذا الأسلوب ينحصر في الأمور التالية:

معرفة علوم اللغة العربية بالمستوى الذي يمكنه من استخدامها في الاجتهاد.

معرفة تفسير القرآن.

معرفة علم الأصول وقواعد استنباط الحكم والقدرة عليه.

معرفة المنطق وقواعد الاستدلال.

معرفة علم الرجال والدراية والاستفادة الكافية من معارف الحديث وكلام المعصومين([63]).

أما الشروط الفردية للمجتهد على هذا الأسلوب فهي:

العدالة، الزهد، التقوى، الورع، الحياء، عدم الإقبال على الدنيا([64]) وإذا تعدد الأشخاص الذين يحملون هذه الشروط، عندئذ يضاف شرط الأعلمية عليها.

لكن الإمام لا يكتفي بهذه الشروط للاجتهاد، ويرى أن هذا الأسلوب الاجتهادي لا يفي بالحاجات المختلفة للحكومة الإسلامية، فيقول:

"إذا كان الفرد هو الأعلم في العلوم المعهودة في الحوزات، لكنه لا يتمكن من تحديد مصلحة المجتمع، ولا يمكنه التمييز بين الأفراد الصالحين والمفيدين من غير الصالحين، ويفتقر بشكل عام إلى النظرة الصحيحة وإلى قدرة اتخاذ القرار في المجالين الاجتماعي والسياسي، فإنه غير مجتهد في القضايا الاجتماعية والحكومية، ولا يمكنه الإمساك بزمام المجتمع"([65]).

لهذا فإن الإمام الخميني يعتقد أن "إضافة إلى ترويج الاجتهاد الجواهري بشكل محكم وثابت، لابد من الاستفادة من محاسن الأساليب الجديدة والعلوم التي تحتاجها الحوزات الإسلامية"([66]).

فمن ثغرات هذا النوع من الاجتهاد عدم التفاته إلى تغيير موضوع الحكم لتأثره بالزمان والمكان، علماً بأن هذا الإشكال ورد على لسان آخرين غير الإمام، فكان من أوائل المنتقدين لهذا الأسلوب الاجتهادي الشهيد المطهري([67]) والسيد الطالقاني([68]) في عقد الستينات.

طبعاً لا ننسى أن الظروف الحكومية الخاصة في هذا العصر لم تكن مطروحة للفقه والفقاهة في العصور السابقة، وهذا تبرير مقبول لصحة الاجتهاد الاصطلاحي، ذلك لأن "الفقه الإسلامي ومن جملته الفقه الشيعي طوال القرون لم تستخدم إلاّ في مجال الأحوال الشخصية وقضايا المسلم الفرد، وبعد تشكيل الحكومة الإسلامية أضحى الفقه الشيعي فجأة ساحة لعلم المجتمع الإيراني...."([69]).

لكن هذا التبرير ليس عذراً للاستمرار في استخدام أسلوب الاجتهاد الاصطلاحي، ولا يمكن القول أن أي إصلاح وتوسيع له غير جائز. فالواقع أنه "ما تزال هناك قدرات فقهية عظيمة لحل مشاكل الحياة ومعضلاتها، وهل النقاط غير الواضحة في القضايا الإسلامية للفرد والمجتمع، وبعضها غير معروف. فالمستجدات التي تظهر يوماً بعد يوم لا بد أن تجد جواباً قانعاً لها في مقام الاستفهام والاستفتاء من الفقه الإسلامي، وأن تجد حكماً استدلالياً لها"([70]).

ففي رأي الإمام أن الاجتهاد الاصطلاحي الذي يكتفي بالقيل والقال الدراسي، وتقديم البحوث التي لا تناسب التطبيق وتبيان العموميات، لا يمكنه أن يتناسب مع الشروط والتعقيدات الخاصة الزمانية والمكانية، لذلك لن يتمكن من حل المعضلات الداخلية والخارجية، وقد ظهر عجز هذا الأسلوب أكثر بعد قيام النظام الإسلامي في إيران. وقد قال الإمام عن ذلك:

"الحكومة تعّين الفلسفة العملية لمواجهة الشرك والكفر والمعضلات الداخلية والخارجية، وبحث طلبة المدارس الذي يدور في إطار نظري لا يمكنه ذلك، بل إنه يدفعنا نحو الطرق المدروسة، ويؤدي إلى نقض الدستور ظاهرياً. عليكم أن تسعوا لئلا يتهم الإسلام –لا سمح الله- بعد قدرته على إدارة العالم في تعقيداته الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والسياسية"([71]).

 

ب- أسلوب الاجتهاد اللازم أو الأسلوب الاجتهادي للإمام الخميني:

من أهم خصوصيات هذا الأسلوب ملاحظة دور الزمان والمكان في الاجتهاد، لهذا سمّاه الإمام في بعض حديثه بـ "دور الزمان والمكان في الاجتهاد". هذا الأسلوب في حل المسائل الفقهية والحكومية أجدى وأكثر اقتداراً، ذلك لأنه في هذا الأسلوب يقوم المجتهد خلال المرحلتين النظرية والعملية بتفريغ الأمور وتطبيقها، ثم دراسة أبعادها وخصوصيات موضوعاتها من حيث الزمان، فيتم الاجتهاد على أساس مصادر المعرفة (هذا الأسلوب سيكون مطلوباً في قضايا الحياة الفردية وفي قضايا الحكومة، لأنه يراعي الظروف الزمانية والمكانية والأحوال التي لها دور في تغيير موضوعات الأحكام الإلهية، فيتحول الاجتهاد تبعاً لها على أساس المصادر الأصلية للاستنباط، ونتيجته لذلك لن تبقى أية حادثة أو مسألة دون جواب. وعلاوةً على ذلك فإنه يؤدي إلى غنى وسعة الفقه الإسلامي في فروعه ومصاديقه، ويجعل الحكومة الإسلامية مبسوطة اليد في جميع الجوانب الاجتماعية والحكومية"([72]).

وكان الإمام الخميني يطرح هذا الأسلوب الاجتهادي بشدة كطريق لحل المعضلات التي واجهها الفقهاء والعلماء، خاصة في الأشهر الأخيرة من حياته حيث شدد على ذلك أكثر. فمن خلال طرحه للمواضيع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المختلفة التي لم تبحث فقهياً بعد قال:

"... كل تلك الأمور ما هي إلا جزء من آلاف المسائل التي يبتلى بها الناس والحكومة، التي بحثها الفقهاء الكبار واختلفت آراءهم حولها، وإذا كانت بعض المسائل لم تكن محل ابتلاء في الماضي، أو لم يكن لها موضوع واضح، فعلى الفقهاء أن يتدبروا أمراها"([73]).

إن أهم المسائل المذكورة في نظر الإمام هي رسم وتحديد حاكمية ولاية الفقيه في الحكومة والمجتمع وأن من واجب الفقهاء والعلماء تبيين واكتشاف الأبعاد المختلفة لولاية الفقيه في جانبيها النظري والعملي بالالتفات إلى المقتضيات الجديدة، واستخلاص سائر متفرعاتها من خلال التشاور وتبادل الآراء([74]).

من الجدير ذكره أن نظرية ولاية الفقيه المطلقة عند الإمام الخميني هي نتاج أسلوبه في الاجتهاد اللازم الذي كان ملازماً له، وبما أن الإسلام دين جامع وخاتم للأديان، لذا لابد أن يكون الفقيه الجامع للشروط مجتهداً، يجب أن يكون مبسوط اليد في أسلوب الاجتهاد اللازم أيضاً، وأن يمتلك صلاحيات واسعة. أي عليه أن يبني أساساً لحكومة تشمل جميع الشؤون الفردية والاجتماعية للمجتمعات البشرية، وتحل المعضلات البشرية وتجيب على تساؤلاتها. عندئذ يجد الإسلام والاجتهاد والفقاهة جوانبهما العملية، ويشمل جميع زوايا الحياة الفردية والاجتماعية. وبناءاً عليه فإن شمولية الإسلام وخاتميته للأديان لا تتحقق إلا من خلال الاجتهاد بأسلوبه اللازم، وبالصلاحيات الحكومية الواسعة للولي الفقيه، لأنهما لازم وملزم.

كان الإمام يعتقد أن الإسلام جامع، وشامل، وإذا في ذهن أحد يخطر أن فيه خدشة أو نقيض، فإن ذلك بسبب تحريف الاستعمار للإسلام طوال مئات السنين، وبسبب الضعف والوضع غير المنظم للحوزات والعلماء. فعلى العلماء أن لا يتقوقعوا في زوايا الغرف ويكتفوا بالمباحثة ومناقشة المسائل فقط، وتجاهل المسائل التي هي محل ابتلاء المجتمع الإسلامي مكانياً وزمانياً. بل عليهم أن يستنتجوا بشجاعة وصلابة ماهية وحقيقة الأحكام الإسلامية بشكلها الصحيح، وأن يبلّغوها للناس من أجل توعيتهم وتحفيزهم([75]).

على طلبة العلوم الدينية تنمية أفكارهم، وأن لا يكتفوا في بيانهم للأحكام برواية الحديث([76]) بل أن يعملوا عقولهم، فيحددوا الأحكام الواقعية من غير الواقعية الروايات المبنية على التقية من سواها. لهذا لا بد من التأمل في ظروف صدور الروايات، ومعرفة الأحكام، ومعرفة الأحاديث طبقاً للموازين العقلية والشرعية. لذا فإن الرواية والحديث لا يكفيان لصلاحية المجتهد لولاية الفقيه، بل لابد له من إحراز الخصوصيات التي ذكرت لمعرفة الأحاديث"([77]).

وبناءاً عليه فإن الفقيه المتقوقع، الذي لا يتدخل في شؤون المسلمين ولا يهتم بها، لا يمكنه أن يكون حافظاً لأحكام الإسلام وناشراً لها، ولا حصنا للإسلام([78]).

إن لهذه النظريات ماضٍ في سيرة الإمام الخميني، كما أن أقساماً مهمة من كتابه (ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلامية) تحكي عن عتبه وتألمه عن السكوت والسكون المخيم على الحوزات العلمية والعلماء في الأبعاد النظرية والعلمية. إنه خلال بحثه لولاية الفقيه ينتقد ويحلل الركود والنقص الذي كان سائداً في الأساليب الاجتهادية الرائجة بين الحوزات، ومن عدم تفاعل العلماء فقهياً مع قضايا العصر التي تواجه العالم الإسلامي. ويبين إشكالات هذا الأسلوب الاستنتاجي من المصادر الإسلامية، ويشير إلى قصوره ونواقصه في بحثه للحكومة الإسلامية. ثم يتناول بحثه لولاية الفقيه المطلقة بأسلوبه الاجتهادي المعتمد على دور الزمان والمكان، ويستدل على لزومها بعد بحثه الدقيق لها عقلياً ونقلياً.

إن الإمام الخميني يرى أن ماهية الإسلام وحقيقته لا تكتشف أساساً إلا من خلال الاستنباط بالأسلوب اللازم، وأن ولاية الفقيه أيضاً أن تستنبط من المصادر الإسلامي عقلياً ونقلياً بهذا الشكل من الاستنباط اللازم، وعلى هذا المنوال فإن أحد أهم شروط الولي الفقيه، إدراكه ومعرفته بالزمان، وخبرته في الاجتهاد بأسلوبه اللازم، ومعرفته الكاملة بجميع القوانين والأحكام الإسلامية([79]).

 

الاستنتاج:

لقد تولّى العلماء والحوزات العلمية في الماضي والحاضر أعظم دور في حفظ الإسلام ونشره، ولهذا فإن قسماً أساسياً من خطبه وكتبه امتلأت بتجليل خدمات وجهاد العلماء الأصليون، وأن ما لا يقبل الإنكار أيضاً أن هذه المؤسسة واجهت آفات كثيرة خاصة في العقود الماضية، وأن التفكير بإصلاح الحوزات شغل قلوب وعقول كثير من علماء الشيعة، ومنهم الإمام الخميني، لهذا بدأ الإمام الخميني حركته الإصلاحية عند بدء نهضته من الحوزات العلمية.

وقد كان تعامل العلماء والحوزة العلمية مع الإمام الخميني ونهضته الثورية على شكلين إيجابي وسلبي.  فمن جهة كان العلماء الأصليون والواعون يعملون على استمرار خط الإمام، ويقدمون التضحيات الكثيرة، ويشكلون الساعد القوي لثورة الإمام وحركته، ويؤدون دوراً كاملاً ومؤثراً في إنجاح الثورة والحكومة الإسلامية. ومن جهة أخرى كان هناك معممون لا يبالون بحركة الإمام، أو يسعون بشتى الوسائل إلى إفشال حركة الإمام ووقفها. وأخطر جماعة منهم كانت فئة المتظاهرين بالقداسة والمتحجرين الذين كانوا الأشد في مواجهة نهضة الإمام الخميني وما يزالون كذلك، وقد أعلن الإمام عدة مرات تحذيره منهم، وبيّن شدة خطرهم.

إن هذه المقالة وجدت أن الثورة الإسلامية وحركة الإمام الخميني قد أوجدا إصلاحات أساسية في الحوزات والعلماء، وفي السيرة النظرية والعملية للمراجع، وأحدثا تغييرات جذرية في هذه الكيانات. أما وصاياه المكررة حتى آخر لحظة من حياته فإنها تشعر بوجوب استمرار هذه الحركة الإصلاحية، وأن الحركة نحو القضاء على آفات الحوزات ورقي الحوزات تستدعي أن تتابع بإصرار وجدية أكثر. ولابد من إجراء تغييرات في الأساليب الاجتهادية والاستنباطية عند الفقهاء، وذلك لمواكبة الحاجات والمعضلات الجديدة وحلّها، وحفظ شمولية الدين الإسلامي المبين وخاتميته، ولا يكون ذلك إلاّ بإدخال دور الزمان والمكان في الاستنباط، والالتفات إلى تغيير موضوعات الأحكام.

على أي حال وجد الكاتب أن أكبر تأثير للإمام الخميني على الحوزات والعلماء كان في إيجاده لقيام وروحية ثورية فيهما، وطرحه القوي لأسلوب الاجتهاد اللازم، وبدء ثورة فقهية، واهتمام أكثر بمنزلة العقل في استنباط الأحكام. ويبدو أن هذه الثورة مازالت حديثة العهد، وأن أكبر مهمة للعلماء في الوقت الحاضر هي العناية أكثر بإكمال هذه النهضة الجديدة واتمامها. وأن هدف هذا التحرك هو ضمان حياة الإسلام والثورة الإسلامية في العالم المعاصر.

لهذا السبب- وحسب تعبير الإمام "القيام من أجل تنظيم الحوزات أمر لازم وضروري" فإن ذلك لا يتم إلا ببرمجة دقيقة وصحيحة، وإلا فستضرر الحوزات بذلك.

 

الهوامش:


[1]  راجع كتاب "درجستجوي راه از كلام إمام" ج8، ص 15-16.

[2]  كشف الأسرار، الإمام الخميني، ص 201، طبعة ظفر.

[3]  من كتاب "مشكل أساسي سازمان ورد حانيت" مقال "بحثي درباره مرجعيت وروحانيت، ص 175، الطبعة الأولى.

[4]  من مقالة "حوزه وتوجه به آرمانها" لمحمد تقي جعفري، مجلة حوزه، العدد 140.

[5]  التكامل الاجتماعي للإنسان، مرتضى المطهري.

[6]  من كتاب "نهضت إمام خميني" ج2، ص 424، الطبعة الأولى.

[7]  من وصية الإمام الخميني، ص 21، الطبعة الأولى، وزارة الإرشاد الإسلامي.

[8]  نفس المصدر ص 45.

[9]  من مقالة "الإمام والحوزة والسياسة"للسيد أحمد الخميني، مجلة حضور، العدد 1، ص 8.

[10]  من كتاب "درجستجوي راه از كلام امام" ج8، ص 213.

[11]  من كتاب "بيرامون انقلاب اسلامي" مرتضى مطهري، الطبعة 8، ص 184.

[12]  راجع مقالة "امام رسالت وجهاني" للسيد حميد الروحاني، مجلة 15 خرداد، العدد2.

[13]  من كتاب "نهضت إمام خميني" للسيد حميد الروحاني، ج2، ص 492-493.

[14]  من كتاب "درجستجوي راه از كلام امام" ج6، ص 29.

[15]  من مقالة "وضع حوزة ها در زمان تبعيد امام"، مجلة حضور، ج2، ص 19.

[16]  من كتاب "نهضت امام خميني" ج1، ص 162، أول خطاب للإمام في النجف بتاريخ 13/11/1965م.

[17]  صحيفة كيهان، العدد 15069 من كلام للإمام الخامنئي خلال لقائه مع أعضاء لجنة إحياء مراسم الذكرى الخامسة لرحيل الإمام الخميني.

[18]  من مقالة "الإمام والحوزة والسياسة" للسيد أحمد الخميني، مجلة حضور، العدد1، ص 9.

[19]  من كتاب "بحثي درباره مرجعيت وروحيانيت" ص 187.

[20] من كتاب "زنكاني آي الله العظمى البروجردي" ص 352، الطبعة الثانية.

[21]  من كتاب "نهضت امام خميني" للسيد حميد الروحاني، ج 2، ص 151-152.

[22]  من كتاب "زند كينامه سياسي امام خميني" لمحمد حسن رجبي، ج1، ص 123.

[23]  المصدر السابق، ص 153.

[24]  من كتاب "نهضت إمام خميني"، ج1، ص 722.

[25]  صحيفة النور، ج1، ص 40.

[26]  من كتاب "درجستجوي راه  از كلام امام"، ج6، ص 1116-117.

[27]  من كتاب "نهضت امام خميني" للسيد حميد روحاني، ج1، ص 215-216.

[28]  راجع كتاب "الحكومة الإسلامية أو ولاية الفقيه" للإمام الخميني.

[29]  من كتاب "فروغ فقاهت" لناصر الدين الأنصاري، ص 116، الطبعة الأولى.

[30]  من كتاب "حكومت در اسلام" مقالات المؤتمر الثالث للفكر الإسلامي، ص 50.

[31]  صحيفة النور، ج18، ص 231-232.

[32]  وصية الإمام الخميني.

[33]  من كتاب "جذور الثورة الإيرانية "لنيكيكدي، ترجمة عبد الكريم كواهي، ص 387، طبعة 1990م.

[34]  من كتاب الحكومة في الإسلام- مقالات في المؤتمر الثالث للفكر الإسلامي، ص 50، الطبعة الأولى.

[35]  على سبيل المثال: كان بيان آية الله العظمى الكلبايكاني بمناسبة رحيل الإمام الخميني على الشكل التالي (لقد لبى دعوة الله شخص أحب الإسلام في العالم المعاصر من خلال جهاده الكبير وإيثاره وقيادته الحازمة والثابتة، وأسمع العالمين نداء التكبير والتوحيد، وأعاد للمسلمين مجدهم وعظمتهم، وزلزل قلوب المستكبرين والقوى الكبرى بندائه الساحق... وأوجد الثورة الإسلامية باعتماده على النصر الإلهي والشجاعة والإيمان... لقد رحل إلى عالم البقاء فقيه كبير ومرجع مسلّم به، وكان في زهده وعبادته واحيائه الليل وخوفه من الله وقوله الحق وبحثه عن الحقيقة وصفاته المميزة الأخرى آية من الآيات الإلهية...) فروغ فقاهت، ناصر الدين الأنصاري.

[36]  صحيفة النور، ج21، ص 46.

[37]  من مقالة "الإمام والحوزة والسياسة" للسيد أحمد الخميني، مجلة حضور، العدد 1، ص9.

[38]  من كتاب "نهضت امام خميني" للسيد حميد الروحاني، ج1، ص6.

[39]  من كتاب "زندكاني آي الله البروجردي" لعلي دواني، ص 425.

[40]  من مقالة "الإمام والحوزة والسياسة"، للسيد أحمد الخميني، مجلة حضور، العدد1، ص 9.

[41]  مقابلة مع آية الله الموسوي الأردبيلي، مجلة حضور، العدد1، ص 11-12.

[42]   مقابلة مع آية الله يوسف الصانعي، مجلة حضور، العدد1، ص 17..

[43]  من كتاب "رهبري وجنك وصلح" للشيخ الأذري القمّي، الطبعة الأولى ص 15-35. وقد ردّ في كتابه على ادعاءاتهم وفنّدها، وفسّر تلك الروايات على الوجه الآخر والصحيح.

[44]  مقابلة السيد ا لموسوي الأردبيلي، مجلة حضور، العدد1، ص 11-12. لكني أعتقد أ، هذا الطرح كان يلقى التأييد لأنه يحاكي الشهوات وحب الراحة والدعة مثل أي طرح فاسد (المترجم).

[45]  صحيفة النور، ج21، ص 91.

[46]  صحيفة النور، ج21، ص 74-75.

[47]  صحيفة النور، ج21، ص92.

[48]  مجلة حضور، العدد 1، ص 21، مقابلة مع الشيخ الآذري القمي.

[49]  صحيفة النور، ج21، ص 92-93.

[50]   راجع وصية الإمام الخميني.

[51]  من كتاب "طليعة انقلاب اسلامي" ص 266.

[52]  من كتاب "طليعة انقلاب اسلامي" ص 30.

[53]  من كتاب "طليعة انقلاب اسلامي"، ص 14.

[54]  من كتاب "بيرامون جمهوري اسلامي" للشهيد المطهري، ص 25-27.

[55]  صحيفة النور، ج11، ص 134.

[56]  صحيفة النور، ج11، ص 133.

[57]  صحيفة النور، ج18، ص 206.

[58]  صحيفة النور، ج18، ص 206.

[59]  للإطلاع أكثر على كيفية ظهور المذاهب الفقهية وتعاملها مع حكومات الخلفاء الجائرين راجع كتاب "أدوار الفقيه" ج3، لمحمود الشهابي، ومقالة "مباني انديشهي سياس أهل سنت" لداود فيرحي المنشورة في مجلة الحكومة الإسلامية، السنة الأولى، العدد الثاني، ص 121-171.

[60]  وصية الإمام الخميني.

[61]  راجع وصية الإمام الخميني.

[62]  راجع وصية الإمام الخميني.

[63]  من كتاب فوائد الأصول لمحمد كاظم الخراساني، ص 429.

[64]  من كتاب مستمسك العروة الوثقى للسيد محسن الحكيم، ج1، ص 40.

[65]  صحيفة النور، ج21، ص 46-47.

[66]  صحيفة النور، ج 21، ص 130.

[67]  راجع "الاجتهاد في الإسلام" للشهيد مطهري، بحث حول المرجعية والعلماء، ص 58.

[68]  راجع "تمركز المرجعية والفتوى" للسيد محمود الطالقاني، بحث حول المرجعية والعلماء، ص 209-210.

[69]  رسالة الإمام السيد علي الخامنئي إلى مؤتمر دائرة المعارف الإسلامية، صحيفة كيهان، العدد 14983.

[70]  نفس المصدر.

[71]  صحيفة النور، ج21، ص 61.

[72]  من كتاب محمد إبراهيم جنّاتي.

[73]   صحيفة النور، ج21، ص 46-47.

[74]  راجع صحيفة النور، ج21.

[75]  راجع كتاب ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلامية للإمام الخميني.

[76]  نفس المصدر.

[77]   نفس المصدر السابق.

[78]  نفس المصدر السابق.

[79]  للإطلاع أكثر راجع كتاب "قدمت وتداوم ولاية الفقيه المطلقة في نظر الإمام الخميني" لبهرام  إخوان الكاظمي.

 
الرجوع