يقوم المركز حاليا بتحديث الموقع وتحسينه ويرحب بأية ملاحظات قد تكون موجودة لدى الأخوة الزائرين
09 September 2010
الخميس 30 رمضان 1431

 
 
العدد الرابع - الفكر السياسي عند الإمام الخميني > نظرية ولاية الفقيه والإدارة الاجتماعية (1)
 

نظرية ولاية الفقيه والإدارة الاجتماعية

زهير الأعرجي

من الذي يمتلك المبرر الشرعي والفلسفي لإدار ة الدولة عند غياب المعصوم؟ هذا السؤال يطرح نفسه بقوة في عالم اليوم. خصوصاً ونحن نعيش ازدحاماً للنظريات والفرضيات العالمية في الإدارة الاجتماعية ولم تغب عن النظرية الإسلامية مشكلة الإدارة الاجتماعية. في العصور المتلاحقة ابتداءاً من عصر النص وحتى آخر لحظة يعيشها الإنسان على وجه هذه البسيطة. فقدمت فكرة الإمامة التي يشرف عليها الإمام المعصوم(ع)، وفكرة الولاية التي يشرف عليها الفقيه حيث أنيطت له النيابة العامة عن المعصوم(ع). وفكرة ولاية الفقيه مثيرة للجدل لأنها تمس جوهر الصراع الاجتماعي الدائر بين قوى الخير والشر وقوى الحق والباطل. فكان لابد من مناقشتها مناقشة علمية على أصعدة: الإمكان الشرعي، والفلسفي، والإجتماعي، والعملي. وقبل ذلك نقدّم مقدمة تأريخية للموضوع.

 

مقدمة تأريخية:

عاشت الأمة الإسلامية وضعاً استثنائياً صعباً بعد انتهاء عصر النصوص الشرعية. وكانت المدرسة الإمامية قد قاست من ظروف سياسية واجتماعية خانقة خلال فترة الغيبة الصغرى أيضاً، وهي الفترة التي لم ينته فيها عصر النص عند الشيعة الإمامية.

فقد بدأت الغيبة الصغرى بغيبة الإمام المهدي(عج) عام 260هـ في وقت كان الحكام العباسيون يطلبون ذلك الإمام الثاني عشر لعلمهم بأنه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً. وكانت الروايات المتضافرة التي تناولتها المدرستان السنية والشيعية الإمامية بشأن ظهور الإمام المهدي(عج) تثير قلق أولئك الحكام. ويصور الشيخ المفيد (ت 413هـ) ذلك الموقف بالقول: ".. وخلّف [يعني الإمام العسكري] ابنه المنتظر لدولة الحق [عام 255هـ]، وكان قد أخفى مولده، وستر أمره، لصعوبة الوقت، وشدة طلب سلطان الزمان له، واجتهاده في البحث عن أمره، ولما شاع من مذهب الشيعة الإمامية فيه، وعرف من انتظارهم له، لم يظهر ولده-عليه السلام- في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته، وتولى جعفر بن علي (أخو أبي محمد) أخذ تركته. وسعى في حبس جواري أبي محمد-عليه السلام- واعتقال حلائله، وشنع على أصحابه بانتظارهم ولده، وقطعهم بوجوده، والقول بأمامته، وأغرى القوم حتى أخافهم وشردهم. وجرى على مخلفي أبي محمد –عليه السلام- بسبب ذلك كل عظيمة، من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذل... ولم يظفر السلطان منهم بطائل". ولا شك أن اختناق الجو السياسي والاجتماعي في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري وغياب المعصوم(ع) عن الساحة الاجتماعية، كانا قد مهدا الطريق لتربية الأمة على النظر إلى الفقهاء باعتبارهم الإمتداد الطبيعي في النيابة عن الإمام (ع). وقد كان تأكيد الإمام القائم على دور الفقيه الجامع للشرائط في قيادة الأمة زمن الغيبة يعبّر عن عمق الحاجة التي كانت تحسها الأمة بفقدان قائدها المعصوم(ع)، خصوصاً في قضايا احقاق الحقوق وإقامة الحدود وإدارة أمور النظام الإجتماعي.

وبطبيعة الحال، فإن الحاجة إلى صياغة نظرية اجتماعية في عصر الغيبة تشتد وتتعمق بقدر متساوٍ مع تغير طبيعة الحقوق والواجبات في المجتمع الإسلامي. أما في عصر الحضور فإن الإمام المعصوم(ع) هو الذي يتولى تحقيق العدالة الاجتماعية والحقوقية بمعناها الواقعي الواسع الرحيب.

ولاشك، فعندما نناقش النظرية الاجتماعية وقائدها الفقيه الجامع لشروط القيادة في عصر الغيبة، فإننا نناقشها من زوايا الإطار الشرعي والفلسفي والاجتماعي والعملي. بمعنى أن النظرية تبحث عن أصعدة الإلزام الشرعي والإمكان الفلسفي والإمكان الاجتماعي والعملي. أما ما نوقش في مسألة هل أن القدرة على إقامة مجتمع إسلامي لدى إحراز الملاك هل يوجب البراءة أو الاحتياط؟ وهل إن القدرة هي شرط للوجوب أم شرط للواجب؟ فهذا خارج عن صلب بحثنا، وربما بحثناه في مناسبة أخرى بإذنه تعالى. وسوف نناقش الآن طبيعة المشكلة الاجتماعية في عصر الغيبة.

 

المشكلة الاجتماعية في عصر الغيبة:

وقد واجهت المجتمع الإسلامي في عصر الغيبة وبعد الابتعاد عن عصر النص، أربع مشكلات أساسية بحاجة إلى حلول مصيرية، وهي: المشكلة الحقوقية، والمشكلة الأخلاقية، والمشكلة التعبدية، والمشكلة الفكرية. والمجتمع الاسلامي في زمن الغيبة لا يختلف عن بقية المجتمعات البشرية في حاجته للنظام الاجتماعي القادر على تحقيق لون من ألوان العدالة الاجتماعية عبر توزيع الثروة الاجتماعية وحفظ أمن الأفراد. فأي تعطيل للأحكام الشرعية يؤدي إلى إخلال في الحقوق والواجبات التي يهتّم بها كل أفراد المجتمع على السواء.

 

أصالة معالجة المشاكل الاجتماعية:

وطالما كانت المشكلة الاجتماعية قائمة، حقوقية كانت أو أخلاقية أو تعبدية أو فكرية، كانت الأمة تنتظر من الرسالة الإلهية حلولاً لمواجهة مشكلتها. ولاشك أن المشكلة الحقوقية لا تعالج إلا بإقامة نظام العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة الاجتماعية، واقامة نظام عادل في القضاء وحل الخصومات بين الأفراد. والمشكلة الأخلاقية لا تعالج إلا باقامة الحدود وتنفيذ نظام العقوبات الجسدية والمعنوية التي جاء بها الإسلام. والمشكلة التعبدية لا تعالج إلا بتثبيت الأمن الجماعي ورفع كل لون من العوائق الاجتماعية التي تمنع المكلفين من التوجه نحو خالقهم العظيم، وتربية الأفراد وتثقيفهم على أداء التكاليف العبادية. والمشكلة الفكرية لا تعالج إلا بإنشاء نظام ثقافي إسلامي طاهر نزيه يحمل على عاتقه تربية الأمة على فهم معاني الخلق والتكوين والجمال والقيم الأخلاقية. وليس هناك من دليل شرعي أو عقلائي يدعو إلى إهمال المشكلة الاجتماعية بما في آثار اهمالها من ظلم واجحاف وافساد. وقد التفت إلى ذلك جملة من فقهاء الامامية كالفيض الكاشاني(ت 1091هـ) والشيخ محمد حسن النجفي (ت1244هـ)، والسيد البروجردي (ت 1380هـ)، والشيخ محمد رضا المظفر(ت 1382هـ) وبعض المتأخرين. وفيما يلي بعض النفحات من أفكارهم الزكية، حسب ما يقتضيه تسلسل الأفكار:

(1) يقول الشيخ المظفر(ت1382هـ): "ومما يجدر أن نعرفه في هذا الصدد ليس معنى انتظار هذا المصلح المنقذ(المهدي)، أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي فيما يعود إلى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته، والجهاد في سبيله، والأخذ باحكامه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... بل المسلم أبداً مكلّف بالعمل بما أنزل من الأحكام الشرعية، وواجب عليه السعي لمعرفتها على وجهها الصحيح بالطرق الموصلة اليها حقيقة، وواجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ما تمكن من ذلك وبلغت اليه قدرته (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته). ولا يجوز التأخير عن واجباته بمجرد الانتظار للمصلح المهدي والمبشر الهادي، فإن هذا لا يسقط تكليفاً، ولا يؤجل عملاً ولا يجعل الناس هملاً كالسوائم".

(2) بينما يصرّح صاحب "منتخب الأثر": "وليعلم أن معنى الانتظار ليس تخلية سبيل الكفار الأشرار، وتسليم الأمور إليهم، والمراهنة معهم. وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاقدامات الإصلاحية. فإنه كيف يجوز إيكال الأمور إلى الأشرار مع التمكن من دفعهم عن ذلك، والمراهنة معهم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من المعاصي التي دلّ عليها العقل والنقل وإجماع المسلمين؟ ولم يقل أحد من العلماء وغيرهم بإسقاط التكاليف قبل ظهوره (أي الإمام المهدي)، ولايرى منه عين ولا أثر في الأخبار... نعم، تدل الآيات والأحاديث الكثير على خلاف ذلك، بل تدل على تأكد الواجبات والتكاليف والترغيب إلى مزيد الاهتمام في العمل بالوظائف الدينية كلها في عصر الغيبة. فهذا توهم لا يتوهمه إلا من لم يكن له قليل من البصيرة والعلم بالأحاديث والروايات". ويستنتج من هذا الرأي أن معنى الإنتظار يحمل وجوباً في التمهيد والتوطئة لظهور الإمام القائم(عج). فوجوب قيام مجتمع إسلامي زمن الغيبة من ضروريات الدين التي يقرّها العقل ويؤيدها الدليل.

(3) وهو ما صرح به الفيض الكاشاني(ت 1091هـ) فقال بأن: "وجوب الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى والافتاء، والحكم بين الناس بالحق، وإقامة الحدود والتعزيرات، وسائر السياسات الدينية، من ضروريات الدين. وهو القطب الأعظم في الدين. والمهم الذي ابتعث الله له النبيين. ولو تركت لعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفتنة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة وخربت البلاد، وهلك العباد...".

ويقول (قده) بخصوص كون الفقيه العادل حاكماً على المسلمين من قبل الأئمة(ع): ".. وكذا إقامة الحدود والتعزيرات وسائر السياسات الدينية، فان للفقهاء المؤمنين إقامتها في الغيبة بحق النيابة عنه(ع)...لأنهم مأذونون من قبلهم(ع) في أمثالها كالقضاء والافتاء وغيرها... ولإطلاق أدلة وجوبها، وعدم دليل على توقفه على حضوره عليه السلام".

(4) بينما نلمس من محاضرات السيد البروجردي(ت 1380هـ) أنه كان –رضوان الله عليه- مرجعاً اسلامياً اجتماعياً في أفكاره، قال-قدس سره-: "لا يبقى شك لمن تتبع قوانين الإسلام وضوابطه، في أنه دين سياسي اجتماعي، وليست أحكامه مقصورة على العبادات المحضة المشروعة لتكميل الأفراد، وتأمين السعادة في الآخرة، بل تكون أكثر أحكامه مربوطة بسياسة المدن، وتنظيم الاجتماع، وتأمين سعادة هذه النشأة أو جامعة للحسنيين، ومرتبطة بالنشأتين، وذلك كأحكام المعاملات والسياسات من الحدود والقصاص والديات والأحكام القضائية المشروعة لفصل الخصومات، والأحكام الكثيرة الواردة لتأمين الماليات التي يتوقف عليها حفظ دولة الإسلام كالأخماس والزكوات ونحوها... ولأجل ذلك اتفق الخاصة والعامة على أنه يلزم في محيط الإسلام وجود سائس وزعيم يدبر أمور المسلمين، بل هو من ضروريات الإسلام." وفي موضع آخر: "إن في الاجتماع أموراً لا تكون من وظائف الأفراد ولا ترتبط بهم، بل تكون من الأمور العامة الاجتماعية التي يتوقف عليها حفظ نظام الاجتماع، مثل "القضاء، وولاية الغيّب والقصر، وبيان مصرف اللقطة والمجهول المالك، وحفظ الانتظامات الداخلية، وسد الثغور، والأمر بالجهاد والدفاع عند هجوم الأعداء، ونحو ذلك مما يرتبط بسياسة المدن. فليست هذه الأمور مما يتصدى لها كل أحد بل تكون من وظائف قيّم الاجتماع، ومن بيده أزمة الأمور الاجتماعية، وعليه أعباء الرياسة والخلافة".

5) أما الشيخ النجفي (ت1244هـ) فقد صرح في "جواهر الكلام" بخصوص اقامة المجتمع الإسلامي زمن الغيبة قائلاً: "وبالجملة، فالمسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى أدلة". وقال (قده) في الاستدلال على وجوب اقامة الحدود من قبل الفقهاء: "إن المتيقين لإقامة الحد قائم في صورتي حضور الإمام وغيبته، وليست الحكمة عائدة إلى مقيمه(أي الإمام) قطعاً، فتكون عائدة إلى مستقحه، وإلى نوع المكلفين. وعلى التقديرين لا بد من إقامته مطلقاً. وثبوت النيابة لهم(يعني الفقهاء) في كثير من المواضع على وجه يظهر منه عدم الفرق بين مناص الإمام أجمع. بل يمكن دعوى المفروغية منه بين الأصحاب، فإن كتبهم مملوءة بالرجوع إلى الحاكم، المراد به نائب الغيبة في سائر المواضع.. قال المحقق الكركي، في المحكي من رسالته التي ألفها في صلاة الجمعة: اتفق أصحابنا على أن الفقيه العادل الأمين الجامع لشرائط الفتوى-المعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية- نائب من قبل أئمة الهدى في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل".

وبكلمة، فإن هؤلاء الفقهاء من الأمامية لاحظوا ببصيرتهم الثاقبة ضرورة قيام مجتمع إسلامي تطبق فيه أحكام الشريعة في عصر الغيبة. وفلسفة الانتظار تستبطن وجوباً في بناء المجتمع الرباني العادل الممهّد لقيام القائم(عج) لإنشاء دولته الإسلامية العظمى التي تستوعب الأرض ومن فيها. ولكن استعراض تلك الآراء لا يستظهر دليلاً شرعياً، فلا بدّ من البحث عن الحجية الشرعية عبر الدليل.

 

قواعد الولاية الشرعية:

أن نظرية "ولاية الفقيه" شأنها شأن النظريات الأخرى تحتاج إلى تأسيس شرعي وفلسفي. ونقصد بالتأسيس الفلسفي: التأسيس العقلي، ونقصد بالتأسيس الشرعي: البحث عن الدليل الشرعي الذي يوصلنا إلى شرعية تلك الولاية. فكان لابد من قواعد تحكم موضوع البحث. وقد حاولنا التفتيش في هذا الموضوع عن سبل امكانية تحقيق تلك النظرية. فكان البحث منصباً على الإمكان الشرعي، والفلسفي، والاجتماعي، والعملي.

 

أولاً: الإمكان الشرعي:

لم يكن النقاش بين الفقهاء حول طبيعة المجتمع الإسلامي عصر الغيبة دائراً حول النظرية الاجتماعية، بل كان يدور حول طبيعة الولاية الشرعية للفقيه. فهل إن الولاية الممنوحة للنبي(ص) والإمام(ع) على الأموال والنفوس منحت للفقيه؟ أو أن ولاية الفقيه في غيبة المعصوم(ع) لا تتعدى الأمور الحسبية؟ وإذا كانت الولاية محصورة في الأمور الحسبية، فهل هي ولاية بالمعنى الحقيقي للكلمة أو أنها مجرد اذن في التصرف؟ وقد كان عدم ابتلاء الفقهاء بقضايا الحكم والسلطة مئات السنين باعثاً على اختلاف واسع في وجهات نظر الفقهية. ويمكننا تقسيم آراء فقهاء الإمامية حول ولاية الفقيه إلى ثلاث نظريات، وهي: نظرية إنكار الولاية للفقيه، ونظرية الولاية المحدودة، ونظرية الولاية المطلقة.

 

النظريات الفقهية حول الولاية:

وتلك النظريات الثلاث لم تكن وليدة يوم أو ليلة وإنما كانت جهداً مشتركاً لمجموعة متضافرة من فقهاء الإمامية على مر القرون التي لحقت عصر الغيبة. وهذه النظريات هي:

 

(1) نظرية إنكار الولاية للفقيه:

وهذه النظرية تؤمن بتجريد الفقيه من الولاية المطلقة، مع الإقرار بنفوذ تصرفاته في الأمور الحسبية. فأشار صاحب "التنقيح"-قدس سره- إلى أن له جواز التصرف ببعض الحقوق والأمور الحسبية، ولكن ليست له ولاية على الآخرين. وذلك لقصور الأدلة عن إثبات أية ولاية للفقيه إطلاقاً. قال في "التنقيح": "إن الولاية تثبت للفقيه في عصر الغيبة بدليل، وإنما هي مختصة بالنبي والأئمة والمعصومين(ع). بل الثابت حسبما يستفاد من الروايات أمران: نفوذ قضائه وحجية فتواه. وليس له التصرف في أموال القصر أو غير ذلك مما هو من شؤون الولاية، إلا في الأمر الحسبي. فإن الفقيه له الولاية في ذلك لا بالمعنى المدعى، بل بمعنى نفوذ تصرفاته بنفسه أو بوكيله وانعزال وكيله بموته. وذلك من باب الأخذ بالقدر المتيقن، لعدم جواز التصرف في مال أحد إلا بإذنه. كما أن الأصل عدم نفوذ تصرفاته. إلا أنه لما كان من الأمور الحسبية ولم يكن بد من وقوعها في الخارج، كشف ذلك كشفاً قطعياً عن رضى المالك الحقيقي هو الله تعالى والقدر المتيقن ممن رضي المالك الحقيقي بتصرفاته هو الفقيه الجامع للشرائط... فالثابت للفقيه جواز التصرف دون الولاية".

 

نقد نظرية إنكار الولاية للفقيه:

1- إن الادعاء بقصور الأدلة عن إثبات ولاية الفقيه زمن الغيبة فيه قصور. ويمكن أن يشار في ذلك إلى التوقيع الصادر عن الناحية المقدسة، وهو: "أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله". وسند الحديث صحيح. فالشيخ الطوسي (قده) يرويه عن جماعة فيهم الشيخ المفيد، وعن جماعة فيهم جعفر بن محمد بن قولويه وأبو غالب الزراري، عن الكليني. ورواه أيضاً الصدوق عن محمد بن محمد بن عصام، عن الكليني.

إلا أن المشكلة في الراوي نفسه وهو اسحاق بن يعقوب الذي لم يترجم له في كتب الرجال. ولكن يصعب علينا افتراء توقيع عن الإمام صاحب الزمان(ع) في تلك الظروف العصيبة التي لا تخفى على الشيخ الكليني. والمشهور عنه –رضوان الله عليه- الضبط والدقة في نقل تلك الأمور المصيرية بالنسبة للطائفة. ولا شك أن تلقي الأصحاب للتوقيع بالقبول، واعتماد الشيخ الكليني، والشيخ الصدوق، والطبرسي، عليه دليل على وثاقة الرجل. وبالجملة، فإن هناك اطمئناناً عند إجلاء الطائفة بصدق الراوي وصحة الرواية. وليس هناك ما يبرر الغمز بالرواية وبعد كل تلك السنين الطويلة من التسليم بها، حيث تناقلها الأصحاب نقل المسلّمات. فالسند صحيح ولا وجه للغمز فيه، هذا من ناحية السند.

أما من ناحية الدلالة، فان اللام في قوله:"أما الحوادث الواقعة" هي لام الجنس، ومقتضى إطلاق ذلك يعكس عمق التغيرات الاجتماعية التي ستمر بها الأمة بعد الابتعاد عن عصر النص. فكان "الرواة" "حجتي عليكم" بما يجهدون أنفسهم في إرجاع الفروع المتغيرة إلى الأصول الثابتة. وكان الإمام(ع) على علم بذلك. وليس هناك قرينة صالحة لصرف إطلاق الحوادث أو الحجية أو الوكالة وتخصيصها بحوادث محلية محددة حصلت في ذلك الزمان فحسب.

أما الاشكال على كون "رواة حديثنا" هم مجرد الرواة، فيردُ عليه: إنه لا ينسجم مع منطوق "إنه حجتي عليكم". فما لم يفهم الراوي معاريض الروايات ويستنبط منها أحكاماً ليس بحجة على الآخرين، خصوصاً المقلدين منهم. فلا شك أن المقصود بالرواة: الفقهاء.

2- إن الاعتماد على أصل "عدم ولاية أحد على أحد" وعدم "وجوب إطاعة أحد لأحد" إلا ما ثبت بدليل محكوم بموارد تعيين الموضوع الخارجي البحت الذي يتم على ضوئه تحديد الموقف الشرعي. فالمصلحة الاجتماعية الإسلامية قد تقتضي ولاية فرد على آخر في الدفاع عن بيضة الإسلام إذا تعرضت لتهديد خطير يتعلق بصميم وجودها. فيد الفقيه تمتد لا لتغيير الأحكام الثابتة، بل لتشخيص أحكام موجودة سابقاً بتشخيص موضوعاتها الجديدة. ولا شك أن قاعدة "الناس مسلطون على أنفسهم وأموالهم" والتي استنبطت منها أصالة عدم ولاية أحد على أحد، مقطوعة بورود الدليل على ولاية النبي والإمام والفقيه أيضاً.

3- إن أفكار هذه النظرية بخصوص ولاية الفقيه لم تكن منسجمة ولم تكن متعاضدة، كما يظهر التأمل الدقيق في كلام رائدها –قدس سره- فهي في الوقت الذي أنكرت على الفقيه أي ولاية في عصر الغيبة، عادت وجوّزت للحاكم الشرعي اقامة الحدود. ولا شك أن اقامة الحدود جزء لا يتجزأ من الولاية العامة للفقيه، بل هي من أخطر ولايات الفقيه. قال السيد –قدس سره- في "مباني تكملة المنهاج": إنما يجوز للحاكم الشرعي اقامة الحدود لأمرين، أحدهما: إن اقامة الحدود انما شرعت للمصلحة العامة دفعاً للفساد وعن انتشار الفجور والطغيان بين الناس وهذا ينافي اختصاصه بزمان دون زمان، وليس لحضور الإمام المعصوم دخل في ذلك قطعاً، فالحكمة تقتضي مشروعيتها في كل زمان. ثانيهما: أن أدلة الحدود مطلقة، فلا تتقيد بزمان خاص، وهي تدل على أنه لابد من إقامتها لكنها لا تدلّ على المتصدي لإقامتها من هو. ومن الضروري أن ذلك لم يشرع لكل أحد، فإنه يوجب الاختلال في النظام. بل في التوقيع الشريف: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله). وفي رواية حفص: (إقامة الحدود إلى من إليه الحكم) فإنها بضميمة ما دل على أن من إليه الحكم في زمان الغيبة هم الفقهاء، تدل على أن إقامة الحدود إليهم من وظيفتهم" وهذا في غاية الغرابة فقد احتج لإنكار ولاية الفقيه بزغم قصور أدلة التوقيع الشريف، في حين استدل بها على إقامة الحدود للفقيه! وإنكار ولاية الفقيه الجامع للشرائط زمن الغيبة يربك النظم الإسلامية في الاجتماع. لأن في الإنكار انتهاكاً للأموال والأعراض والنفوس، وهتكاً للحقوق التي بشّر بحفظها الإسلام عبر قواعد "نفي الضرر" ونفي الحرج" ونحوها.

4- إن إقامة الحدود مرتبط، على صعيد الارتكاز العقلائي، بتوزيع عادل للحقوق. فما لم يكن هناك اشباع للحاجات الإنسانية الأساسية في الغذاء والسكن والتملك، لا نمتلك تبريراً لقطع يد السارق المحتاج وما لم يفرض النظام الأخلاقي الإسلامي على المجتمع والقاضي بحرمة تناول المحرمات وحرمة التهتك، فلا نملك تبريراً لجلد شارب الخمر أو جلد المنحرف. فالقضية الجزائية مرتبطة بشكل لا يقبل الشك بالقضيتين الحقوقية والإجرائية القانونية. والولاية العامة في تعيين الحقوق وفرض الواجبات وتحديد العقوبات غير قابلة للإنفكاك ولا التفكيك بل إن تفكيك الأحكام الإسلامية، واعطاء الفقيه حق إقامة الحدود دون تعيين الحقوق وفرض الواجبات سيلحق بالأفراد ظلماً لا يمكن تصوره.

 

(2) نظرية الولاية المحدودة للفقيه:

ومن رواد هذه النظرية الشيخ مرتضى الأنصاري(ت 1281هـ)، والشيخ النائيني(ت 1355هـ) وهذه النظرية تثبت أن ولاية الفقيه  تنحصر في الأمور الحسبية بعنوان كونها القدر المتيقن من التكليف، لا ثبوت خصوص ولايته على تلك الأمور الحسبية. قال الشيخ الأنصاري(قده) بعد أن ذكر المناصب الثلاثة للفقيه: الإفتاء، والقضاء، والتصرف في الأموال والأنفس أن الولاية تتصور على وجهين الأول: استقلال الولي بالتصرف. الثاني: اعتبار اذنه في تصرف الغير. فيكون نظره على الأول سبباً وعلى الثاني شرطاً. وتفصيل الوجه الثاني وهو اعتبار الإذن في التصرف، يتم على ثلاث نواحي:

الأول أن يكون على وجه الإستنابة كوكيل الحاكم،

الثاني: أن يكون على وجه التفويض والتولية كمتولي الأوقاف من قبل الحاكم،

الثالث: أن يكون على وجه الرضا كإذن الحاكم لغيره في الصلاة على ميت لا ولي له.

وبعد أن يسرد الشيخ الأنصاري أدلة ثبوت الولاية للنبي(ص) والأئمة(ع)، يقول بصدد نفي ولاية الفقيه: أما الولاية على الوجه الأول أعني استقلاله في التصرف فلم يثبت بعموم، عدا ما يتخيل من أخبار وارادة في شأن العلماء مثل: إن العلماء ورثة الأنبياء... ونحوها. لكن ملاحظة سياقها تقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية، لا كونهم كالنبي والإمام في الولاية على الناس، فلو طلب الفقيه الزكاة والخمس من المكلّف، فلا دليل على وجوب الدفع إليه شرعاً.. هذا مع أنه "لو فرض العموم في الأخبار المذكورة وجب حملها على إرادة الجهة المعهودة المتعارفة من وظيفته (ص) من حيث كونه رسولاً مبلغاً، وإلا لزم تخصيص أكثر أفراد العام لعدم سلطنة الفقيه على أموال الناس وأنفسهم إلا في موارد قليلة بالنسبة إلى موارد سلطنته. وبالجملة فاقامة الدليل على وجوب طاعة الفقيه كالإمام إلا ما خرج بالدليل، دونه خرط القتاد.

بقي الكلام في دلالته على الوجه الثاني، أي توقف تصرف الغير على اذنه فيما كان متوقفاً على إذن الإمام، فهو أن كل معروف عُلِمَ من حال الشارع إرادة وجوده ولا يرضى باهماله أو تعطيله. فإن علم أنه من وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده الصغير، أو صنف خاص كالإفتاء والقضاء للفقيه، او كل ما يقدر على القيام به كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا إشكال في شيء من ذلك. وإن لم يعلم واحتمل كونه مشروطاً في وجوده أو وجوبه بنظر الفقيه وجب الرجوع فيه إليه.

ثم أن علم الفقيه من الأدلة جواز توليه، لعدم اناطته بنظر الإمام المعصوم أو نائبه الخاص، تولاه مباشرة أو استنابة إن كان مما يقبل الاستنابة وإلا عطلّه. فإن كونه معروفاً لا ينافي اناطته بنظر الإمام(ع). والحرمان عنه عند فقدة كساير البركات التي حرمناها بغيبته –عجل الله فرجه- ومرجع هذا الشك في كون المطلوب مطلق وجوده أو وجوده من موجد خاص.

ثم بعد أن ذكر الروايات الخاصة بوجوب الرجوع إلى الفقيه في الأمور المذكورة، قال: فقد ظهر مما ذكرنا أن ما دلّت عليه هذه الأدلة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأمور التي تكون مشروعية ايجادها في الخارج مفروغاً عنها، بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية. وأما ما يشك في مشروعيته كالحدود لغير الإمام وتزويج الصغيرة لغير الأب أو الجد وولاية المعاملة على مال الغائب، فلا يثبت من تلك الأدلة مشروعيتها للفقيه.

أما الشيخ النائيني، فقد قال: "لا شبهة في أن للحاكم الذي هو الفقيه الجامع للشرائط، التصرف في أموال القصّر. إنما الكلام في إن جواز تصرفه هل هو من جهة الولاية العامة، أم لكون هذا التصرف من شؤون القضاء الثابت له بلا خلاف.

قال: لا إشكال في ثبوت منصب القضاء والافتاء للفقيه في عصر الغيبة، وكذا ما يكون من توابع القضاء كالتصرف في الأمور الحسبية. إما الإشكال في ثبوت الولاية العامة، وأظهر مصاديقها سد الثغور، ونظم البلاد، والجهاد والدفاع، ونحو ذلك. واستدلو لثبوتها بالأخبار الواردة في شأن العلماء وبالتوقيع الشريف وبمقبولة عمر بن حنظلة وبالمشهورة وبروايتي أبي خديجة، ولكنك خبير بعدم دلالتها على المدعى أما ما ورد في شأن العلماء، فلأن غاية دلالتها إنما هي على كون الفقهاء بمنزلة الأنبياء في تبيلغ الأحكام، كما هو شأن أغلب الأنبياء، فإنهم كانوا مبلغين. وقّل من كان منهم والياً وسلطاناً كداوود وسليمان(ع). هذا إن لم نقل بأن المراد من العلماء في هذه الأخبار، هم الأئمة المعصومون(ع) ومن المحتمل القريب ارادتهم دون سائر العلماء.

وأما التوقيع الشريف فغاية تقريبه للمدعى ما أفاده الشيخ من الوجوه الأربعة:

1- ظهور الحوادث في مطلق الوقائع التي لابد من الرجوع فيها إلى الإمام بما يشمل الأحكام والسياسات وغيرها.

2-إرجاع نفس الحوادث إلى رواة الأحاديث الذين هم الفقهاء، فتكون ظاهرة في الأمور العامة لا أحكامها حتى تكون ظاهرة في الإفتاء والقضاء.

3- التعليل بكونهم حجة من قبله(ع) كما هو حجة من قبل الله تعالى، فما كان له وكان قابلاً للتفويض فهو للفقهاء.

4- إن مثل اسحاق بن يعقوب أجل شأناً من أن يخفى عليه لزوم الرجوع في المسائل الشرعية إلى الفقهاء، فلا بد أن المقصود الرجوع في الأمور العامة، إذ يحتمل أن الإمام قد جعل شخصاً خاصاً للرجوع إليه في هكذا أمور، فجاز السؤال عن ذلك.

قال: وكل هذه الوجوه مخدوشة.

أما الأول: فلأن السؤال غير معلوم. فلعل المراد من الحوادث هي حوادث كانت معهودة بينه وبين الإمام.

وأما الثاني: فلأن أدنى مناسبة بين نفس الحوادث وأحكامها كافية للسؤال عن حكمها، فيكون الفقيه مرجعاً في الأحكام لا في نفس الحوادث.

وأما الثالث: فلأن الحجة تناسب المبلّغية في الأحكام فقط، كما في قوله تعالى: (قل فلله الحجة البالغة..)() وقوله: (وتلك حجتنا اتيناها إبراهيم على قومه..)()

وأما الرابع: فجلالة إسحاق لا تتنافى مع سؤاله عن أمرٍ جلي، وأما روايتا أبي خديجة، فلأختصاصهما بمسألة القضاء. وأما المشهورة "السلطان ولي من لا ولي له" فلاختصاصهما بالأمور الحسبية.

قال: نعم، لابأس بالتمسك بالمقبولة، فإن صدرها ظاهر في ثبوت الولاية العامة للفقيه، حيث جعل السائل القاضي مقابلاً للسلطان، والإمام(ع) قرره على ذلك. بل يدلّ عليها ذيلها أيضاً حيث قال: "فإني قد جعلته حاكماً" فإن الحكومة ظاهرة في الولاية العامة، فان الحاكم هو الذي يحكم بين الناس بالسيف والسوط، وليس ذلك شأن القاضي. ثم استشكل في هذا الاستظهار أيضاً، بأن الحاكم قد يُطلق على القاضي في كثير من الأخبار والآيات. وأخيراً قال وكيف كان فاثبات الولاية العامة للفقيه، بحيث تتعين صلاة الجمعة بقيامه لها أو نصب أمام لها مشكل.

 

نقد نظرية الولاية المحدودة:

1- إن في تعبيرات هذه النظرية غموضاً ثبوتياً. فهي لم تلتفت إلى عدم رضا الشارع بتفويت المصالح المرتبطة بالموضوعات الخارجية الكبرى التي تخص الأمة زمن الغيبة. ولاشك أن حصر الولاية بالأمور الحسبية، والزعم بعدم شرعية إقامة الحدود زمن الغيبة يربك المصلحة العامة ويدفع الأمة إلى الفساد وانتشار الجور والطغيان بين الناس. وهو أمر لا يخفى على المتأملين في دراسة فساد الأوضاع الاجتماعية التي تعيشها الإنسانية المعذبة في كل عصر يبتعد فيه الأفراد عن الدين.

2- إن إشكال الشيخ الأنصاري كان منحصراً في الخدشة في دلالة الأخبار على ولاية الفقيه على الأموال والأنفس. فقال بلزوم تخصيص الأكثر لو فرض لها عموم، لعدم سلطنة الفقيه على أموال الناس وأنفسهم إلا في موارد قليلة كالولاية على الغيّب والقصّر ونحوها.

ولاشك أن ما افترضه من لزوم تخصيص الأكثر على فرض ظهور الأخبار في عموم الولاية على الأموال، كان مبنيّاً على إرادة الولاية الاستقلالية، وهي الولاية التي تجوّز تصرف الولي ونفوذه متى شاء في الأموال والأنفس بصورة مستقلّة مطلقة ومن غير تقييد بشيء بمعنى أن الولي في تلك الحالة على علم تام بالأمور الواقعية، فيكون تصرفه تابعاً لذلك العلم التام الذي لا يحصل إلا للمعصوم(ع).

ولكن المراد بالولاية هناك ليس العلم التام بالأمور الواقعية، بل تدبير أمور المسلمين وتنظيم البلاد وحفظ الثغور زمن الغيبة. وفي ذلك لا يلزم تخصيص الأكثر. إذ لو ثبت ظهور الأخبار في ولاية الفقيه وحكومته على المجتمع الإسلامي، فلا ريب من ولايته على النفوس والأموال إذا احتاج إلى التصرف فيها لضرورة أو لدفع ضرر أو لرفع حرج أو لتثبيت مصلحة اجتماعية من أي لون. ولا دليل على عدم ولايته في تلك الموارد حتى يلزم التخصيص.

3- إن نفي الشيخين "الأنصاري والنائيني" فكرة إطاعة الفقيه زمن الغيبة لعدم إقامة الدليل عليه يرتبط بنظريتهما حول محدودية ولايته. ولكن إذا ثبتت ولاية الفقيه فيما يخص تدبير أمور المسلمين، فلا مفرّ من وجوب اطاعته، وإلا فلا معنى للحديث عن الولاية الشرعية مطلقاً.

4- أظهرت هذه النظرية تكلفاً وتأويلاً بعيداً عن اللغة العرفية، وذهبت بنا بعيداً عن وضوح الشريعة وارتكاز العقلاء.

 

(3) نظرية الولاية المطلقة:

وهي النظرية القائلة بولاية الفقيه الجامع للشرائط، من باب ثبوت النيابة له. بمعنى أن تكون له الإرادة والقدرة على إقامة الحدود، وتنظيم الحقوق، وإدارة القضاء، بل عموم الولاية في إدارة المجتمع الإسلامي زمن غيبة الإمام المعصوم(ع). وقد استدلت هذه النظرية بالنصوص المتعاضدة الواردة بشأن "ولاية الفقيه" في عصر الغيبة، وهي:

1- مقبولة "عمر بن حنظلة"، قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل، فانما تحاكم إلى الطاغوت.. قلت: فكيف يصنعان؟ قال(ع): "ينظران من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فاني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله".

وإنما عبر عن الرواية بالمقبولة لأن الأصحاب تلقوها بالقبول وعملوا بها واستندوا إليها في مسائل القضاء والإفتاء. ومن نافلة القول أن نشير إلى أن الشهيد الثاني (ت945هـ) قد ذكر في "مسالك الأفهام" بأن الفقهاء استندوا في مسألة جواز اجراء الحدود للفقيه إلى رواية حفص. إلا أنه ضعف تلك الرواية وأيدّ مسألة جواز إجراء الحدود للفقيه برواية عمر ابن حنظلة.

وكان الجدل المثار حول الرواية منصبّاً حول توثيق "عمر بن حنظلة" لأنه لم يوثق في كتب التراجم بالخصوص. إلا أن الحق إن إعتناء الفقهاء المتقدمين بروايات "عمر بن حنظلة" يزيل كل تلك الشكوك حول وثاقته. فقد روى عنه زرارة بن أعين، وعبد الله بن بكير، وصفوان بن يحيى، وعلي بن رئاب، ومنصور بن حازم وغيرهم من ثقات الطائفة. هذا من ناحية السند.

أما من ناحية الدلالة فإن قوله(ع): "فإني قد جعلته عليكم حاكماً" بيان كبرى كلية حول منصب الولاية واختصاصها بالفقيه الكفوء. يضاف إلى ذلك أن الإمام (ع) يبين بشكل لا يقبل أي تأويل نفوذ حكم الفقيه الجامع للشرائط ووجوب طاعته. وإرادة التعميم بالحكم بدلاً من القضاء، مع تصريح السائل، يدلّ على عموم ولاية الفقيه وعدم انحصارها بالقضاء فقط.

2- صحيحة أبي خديجة سالم بن مكرم عن الإمام الصادق(ع) قال: "إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا فاجعلوه بينكم قاضياً، فاني قد جعلته قاضياً فتحاكموا اليه"، وروي في "الكافي" بنفس التعبير. وفي كتاب "الوسائل": "يعلم شيئاً من قضايانا". والحديث من حيث السند صحيح ولا غمز فيه. إلا أن الدلالة هنا مقتصرة على ولاية القضاء.

ولكن ولاية القضاء لا تتم بشكلها الشرعي ما لم يكن الحكم السياسي شرعياً. فالتلازم بين القضاء العادل والحكومة الشرعية محكم وغير قابل للتفكيك. ولعلّنا نستفيد من ظاهر قوله(ع) في صحيحة أبي خديجة: "فإني قد جعلته عليكم قاضياً" وقوله في مقبولة عمر بن حنظلة: "فإني قد جعلته عليكم حاكماً" ما يؤيد التلازم بين القضاء والحكومة.

أما الإدعاء بأن منصب القضاء هو شيء آخر غير أمر الولاية لأنها خارجة عن مفهوم القضاء، ففيه تكلف. باعتبار أن القضاء هو جزء من الولاية. والمتعارف اليوم أن السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، غالباً ما تتشرف عليها وتنسق فيما بينها جهة متمثلة بمشرف عام ويرجع اليه أو لجنة مشرفة يرجع اليها، على الصعيد النظري على الأقل.

3- التوقيع الذي أورده الشيخ الطوسي في كتاب "الغيبة": أخبرني جماعة، عن جعفر بن محمد بن قولويه وأبي غالب الزراري وغيرهما، عن محمد بن يعقوب الكليني، عن اسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري- رحمه الله- أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الأمر وفيها: "... وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليكم.." وقد ذكرنا سابقاً ان سند هذا الحديث صحيح.

أما من حيث الدلالة، فنضيف إلى ما قلناه، من أن فيها طرفين:

الأول: أن المقصود من "رواة الحديث" لا يخص مجرد النقل والرواية، بل الرواية والدراية. بمعنى أن المقصود من الرواة، الأفراد القادرين على فهم معاريض النصوص الشرعية، والقادرين أيضاً على رد الفروع إلى الأصول، وهم الفقهاء دون شك.

والثاني: إن المقصود من "الحوادث الواقعة" متغيرات الزمان والمكان، بمقتضى إفادة الجمع المحلّى باللام للعموم الوضعي. إذ لا وجه لإختصاص هذا اللفظ بالمسائل الفرعية. قال الشيخ الأنصاري(قده): "والحاصل أن لفظ (الحوادث) ليس مختصاً بما اشتبه حكمه (الافتاء) ولا بالمنازعات (القضاء) بل الأعم منهما".

وأشدّ المتمسكين بهذه النظرية من الفقهاء أربعة من الأجلاّء، هم: المحقق النراقي
(ت1227)، والمير فتاح الحسيني المراغي(ت1250هـ)، والشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر (ت1344هـ)، والإمام الخميني(ت1409هـ). وسوف نستعرض بعضاً من آرائهم:

1- قال المحقق التراقي بصدد بيان وظيفة الفقهاء في عصر الغيبة: ان كلية ما للفقيه توليه وله الولاية فيه، أمران:

أحدهما: كل ما كان للنبي والأئمة الذين هم سلاطين الأنام وحصون الإسلام- فيه الولاية وكان لهم، فللقيه أيضاً كذلك، إلا ما أخرجه الدليل.

وثانيهما: أن كل ما فعل متعلق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم، ولابد من الإتيان به ولا مفرّ منه إما عقلاً أو عادة- من جهة توقف أمور المعاد والمعاش لواحد أو جماعة عليه، وانتظام أمور الدين أو الدنيا به- أو شرعاً من جهة ورود أمر به أو اجماع أو نفي ضرر أو عسر أو حرج أو فساد على مسلم أو دليل آخر، أو ورود الأذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفة لمعين واحد أو جماعة ولا لغير معين، بل علم لأبدية الإتيان به أو الأذن فيه ولم يعلم المأمور ولا المأذون، فهو وظيفة الفقيه وله التصرف فيه والإتيان به.

أما الأول: فالدليل عليه بعد ظاهر الإجماع، حيث نصّ به كثير من الأصحاب بحيث يظهر منهم كونه من المسلّمات، ما صرّحت به الأخبار المتقدمة من كونه وارث الأنبياء، وأمين الرسل، وخليفة الرسول، وحصن الإسلام، ومثل الأنبياء وبمنزلتهم، والحاكم، والقاضي، والحجة من قبلهم، وأنه المرجع في جميع الحوادث، وأن على يده مجاري الأمور والأحكام، وأنه الكافل لأيتامهم، الذي يراد بهم الرعية… ولا يضر ضعف تلك الأخبار بعد الانجبار بعمل الأصحاب وانضمام بعضها ببعض وورود أكثرها في الكتب المعتبرة.

وأما الثاني [وهو إن كل ما علم من الشارع لزوم القيام به وعدم جواز اهماله هو وظيفة الفقيه] فيدلّ عليه بعد الإجماع أيضاً أمران:

أحدهما: إنه مما لاشك فيه إن أمر كان كذلك لابد أن ينصب الشارع الرؤوف الحكيم عليه والياً وقيماً ومتولياً. والمفروض عدم دليل على نصب معين أو غير معين أو جماعة غير الفقيه. وأما الفقيه فقد ورد في حقه ما ورد من الأوصاف الجميلة والمزايا الجليلة وهي كافية في دلالتها على كونه منصوباً.

وثانيهما: أن تقول بعد ثبوت جواز التولي منه وعدم امكان القول بأنه يمكن أن لايكون لهذا الأمر من يقيم له ولا متولٍ له: إن كل من يمكن أن يكون ولياً ومتولياً لذلك الأمر ويحتمل ثبوت الولاية له، يدخل فيه الفقيه قطعاً، من المسلمين أو العدول أو الثقات ولا عكس. وأيضاً كل من يجوز أن يقال بولايته يتضمن الفقيه وليس القول بثبوت الولاية للفقيه متضمناً لثبوت ولاية الغير، لاسيما بعد كونه خير خلق الله بعد النبيين وأفضلهم والأمين والخليفة والمرجع وبيده الأمر، فيكون جواز توليته وثبوت ولايته يقيناً والباقون مشكوك فيهم، ينفي ولايتهم وجواز تصرفهم النافذ بالأصل المقطوع به.

2- وادعى المير فتاح الحسيني المراغي الإجماع على ولاية الفقيه عل كل شيء، ولا دليل على ولاية غيره فيه، وبأن هذا الإجماع واضح لمن تتبع كلمات الأصحاب. وقال بأن نقل الإجماع على كون الحاكم ولياً، فيما لا دليل فيه على ولاية غيره، لعلّه مستفيض في كلامهم، ثم تمسّك بالنصوص. وبكلمة، فقد صرّح الحسيني المراغي بثبوت الولاية العامة المطلقة للفقيه، بل ثبوت ما للإمام(ع) من الولاية للفقيه أيضاً.

3- وكان –صاحب الجواهر- رضوان الله عليه- شديداً على الفقهاء الذين أنكروا ولاية الفقيه العامة، فقال: من الغريب توقف من توقف في هذه المسألة بعد وضوح دليله، الذي هو قول الصادق(ع) في مقبولة عمر بن حنظلة:"انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا.." وفي مقبولة أبي خديجة: "فإني قد جعلته قاضياً…" والتوقيع الشريف: "فإنهم حجتي عليكم". وفي بعض النسخ: "فإنهم خليفتي عليكم".

إما لأن اقامة الحد من الحكم، فإن المراد من الحكم: إنفاذ ما حكم به، لا مجرد الحكم. ولظهور قوله(ع): فإني قد جعلته عليكم حاكماً". في إرادة الولاية العامة على نحو المنصوب الخاص، إذا نصبه بهذه اللفظة في ناحية، حيث لا إشكال في ظهور إرادة الولاية العامة في جميع أمور المنصوب عليهم.

بل قوله (ع): "فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله" أشدّ ظهوراً في إرادة كونه حجة فيما أنا فيه حجة الله عليكم، ومنها إقامة الحدود. بل ما عن بعض الكتب خليفتي عليكم أشد ظهوراً، ضرورة معلومية كون المراد من الخليفة عموم الولاية عرفاً، نحو قوله: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بن الناس بالحق..). أم لما سمعته من قول الصادق(ع) اقامة الحدود إلى من إليه الحكم. جواباً  لمن سأله: من يقيم الحدود؟ السلطان أم القاضي؟

كل ذلك مضافاً إلى التأييد بما دل على أنهم ورثة الأنبياء وأنهم كأنبياء بني اسرائل وأنه لولاهم لما عرف الحق من الباطل. وبنحو قول أمير المؤمنين(ع): "اللهم انك قلت لنبيك صلواتك عليه وآله فيما أخبر به: من عطل حداً من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادتي" الظاهر في العموم لكل زمان. والإجماع بقسميه على عدم خطاب غيرهم بذلك، وعموم الأمر بجلد الزاني وقطع يد السارق ونحوها.

ولأن تعطيل الحدود يفضي إلى ارتكاب المحارم وانتشار المفاسد، ولأن المقتضي لإقامة الحد قائم في صورتي حضور الإمام وغيبته، وليست الحكمة عائدة إلى مقيمه بل إلى مستحقه أو نوع المكلفين، فلا بد من اقامته مطلقاً، ولأن ثبوت النيابة لهم في كثير من المواضع، على وجه يظهر منه عدم الفرق بين مناصب الإمام أجمع، بل يمكن دعوى مفروغيته بين الأصحاب، فإن الاصحاب، فإن كتبهم مملوءة بالرجوع إلى الحاكم، المراد به نائب الغيبة في سائر المواضيع.

بل لولا عموم الولاية لبقي كثير من الأمور المتعلقة بالشيعة معطّلة. فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك. بل كأنه ما ذاق من طعم الفقه شيئاً، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً، ولا تأمل المراد من قولهم: إني جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجة وخليفة ونحو ذلك مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة عليهم ولذا جزم في كتاب المراسم بتفويضهم(ع) لهم في ذلك.

وأغرب من ذلك كله استدلال من حلّت الوسوسة في قلبه، بعد حكم أساطين المذهب، بالأصل المقطوع.

4- أما الإمام الخميني –رضوان الله عليه- فقد كان أصرح الفقهاء في توضيح الملازمة بين حكومة الفقيه وعصر الغيبة، فقال: للفقيه العادل جميع ما للرسول(ص) والأئمة(ع) مما يرجع إلى الحكومة والسياسة. ولا يعقل الفرق، لأن الوالي –أي شخص كان- هو مجري أحكام الشريعة والمقيم للحدود الإلهية والآخذ للخراج وسائر الماليات والتصرف فيها بما هو صلاح المسلمين.

قال(رض) في محاضرات "الحكومة الإسلامية": وللإستدلال على أن الحكومة وسيلة وليست هدفاً نذكر ما قاله أمير المؤمنين(ع) في خطبة له خطبها في مسجد الرسول (ص) بعد بيعة الناس له: (اللهم انك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطلة من حدودك…".

 

تقييم نظرية الولاية المطلقة:

1- إن القدر المتيقين من الولاية الشرعية للفقيه يتجاوز الأمور الحسبية. واشتراط الفقاهة والعدالة والأعلمية يتجاوز الجزئيات إلى كل ما يلي أمور المسلمين، خصوصاً خلال تغير الزمان والمكان وقضايا التغير الإجتماعي الذي نشهده ونلمسه باستمرار في حياتنا الإجتماعية.

2-إن الأحكام الشرعية في الجهاد والقتال وتقديم المقدمات لذلك، يفهم منها الإطلاق لكل زمان ومكان. ويكفي هذا الإطلاق لتشخيص الوظيفة على الصعيد التعبدي، على الأقل.

3- ولاشك أن آراء فقهاء الإمامية المتقدمين كانت متضافرة أيضاً وأكثر وضوحاً في اقرار دور الفقيه النائب للإمام(ع) في تنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، والقضاء، والتصرف في أموال الغائبين والقاصرين. فقد ذهب الشيخ المفيد (ت413هـ) إلى ولايته في زمن الغيبة من خلال إقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وجهاد الكفار "أي الجهاد الابتدائي" وهذه الولاية يستحقها من كان واجداً لشرائطها بعنوان النيابة من قبل صاحب الأمر –عجل الله فرجه- وشرائط الولاية، في نظره هو العلم بالأحكام، والعدالة وعدم التعدي عن حدود الإسلام. بينما جوّز الشيخ الطوسي(ت440هـ) "لفقهاء أهل الحق أن يجمّعوا بالناس الصلوات كلها وصلاة الجمعة والعيدين ويخطبون الخطبتين..". وقال سلار(ت443هـ) وأبو الصلاح الحلبي(ت 447هـ) نظير قول الشيخين المفيد والطوسي.

وفي كتاب "السرائر" قال ابن ادريس(ت598هـ) بتنفيذ الأحكام وإقامة الحدود لمن تكاملت له شروط النيابة عن الإمام(ع) في الحكم من شيعته وهي العلم بالحق في الحكم المردود إليه، والتمكن من امضائه على وجهه،  واجتماع العقل والرأي والحزم والتحصيل وسعة الحلم.

أما المحقق الحلي (ت474هـ) فجوّز اقامة الحدود للفقهاء العارفين في زمن غيبة الإمام(ع)، وأعطاهم حق الحكم بين الناس. وكان صاحب "جواهر الكلام" –على عادته- شمولياً في نظرته الفقهية، فقال: إن كتب الأصحاب مملوءة بالرجوع إلى الحاكم المراد به نائب الغيبة.

4- وبملاحظة شروط تغير الزمان والمكان، وطبيعة الفهم الاجتماعي السائد في الأعصار السالفة، فإن ادراك الفقهاء لمسؤولية الفقيه في القضاء، والحدود، وتنفيذ الأحكام، واقامةا لجمعة والعيدين، وولايته في الأمور الحسبية كلها تدلّ على فهم معين لولاية الفقيه في ادارة النظام الاجتماعي. وهذه المسؤوليات لو ربطت بعضها ببعض، أستفيد منها عموم الولاية في كونهم ورثة الأنبياء، وفي الرجوع إليهم في الحوادث المتغيرة، وان مجاري الأمور بأيديهم ونحوها. وهذه الأفكار كانت بذوراً طيبة للنظرية الاجتماعية زمن غيبة الامام المعصوم.

 

البحث عن الدليل:

إن الذي يدرك لحن الروايات وطعم الفقه ومذاق الشارع الحكيم في تشريع الرسالة الإلهية، يفهم أن الوصول إلى الدليل حول الولاية الشرعية زمن الغيبة ليس ميسوراً لكل وراد. بل إنه يحتاج إلى دقة عقلية وشرعية فائقة. ولذلك فإننا سنرتب الأفكار التي تبحث عن الدليل ترتيباً منهجياً متسلسلاً، كما يلي:

1- قال الراغب الأصفهاني(ت425هـ) في "مفردات ألفاظ القرآن" في مادة "ولي": "الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما. ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد. والولاية والنصرة. والولاية: تولى الأمر. وقيل الوَلَايُة والوِلَاية نحو: الدَلَالة والدِلَالة. وحقيقته: تولي الأمر: والولّي والمولى يستعملان في ذلك. كل واحد منهما يقال في معنى الفاعل. أي: المُوالي، وفي معنى المفعول، أي: المَوالَى". وقال الجواهري في الصحاح: "الوِلَاية بالكسر: السلطان. والوَلَاية والوِلَاية: النصرة. يقال: هم عليَّ ولايةٌ، أي مجتمعون في النصرة".

والمعاني اللغوية للولاية لا تعكس المعنى الشرعي بوضوح. ولكننا استنتجنا من أدلة أخرى أن الولاية –بمعنى الإشراف على الإدارة الاجتماعية من قبل المعصوم(ع) أو الفقيه- هي حقيقة شرعية قد وردتنا من عالم الجعل. فالولاية الشرعية ليست لها بعدٌ واحد كما هو الحال في المعنى اللغوي وهو اما بعد النصرة أو بعد السلطنة. بل إن للولاية الشرعية بعدان، الأول: التنصيب، من أجل الإدارة والإشراف. وهو يتطلب كفاءة ولياقة علمية أو غيبية بالإضافة إلى شروط العدالة والتقوى والطهارة من الذنوب التكوينية "كطهارة المولد" ومن الذنوب الإعتبارية "كإرتكاب الإثم". والثاني: الإطاعة من قبل المكلفين إطاعة تامة. والإطاعة أقوى رتبة من النصر، لأن في الإطاعة إلزاماً دينياً حتمياً. وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين(ع): أيها الناس إنّ لي عليكمن حقاً، ولكم عليّ حقٌ: فأما حقكم علي فالنصية لكم وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا. وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم".

ولا شك أن عدم التمييز بين المعنيين اللغوي والشرعي قد يسب ارباكاً في اكتشاف الدليل.

2- إن الرسالة الاسلامية، بأحكامها وتشريعاتها المختلفة، تعيش حالة من حالات الإنسجام والتلازم وعدم التفكيك نطلق عليها "وحدة الاطار". فاقامة الحدود غير منفك عن اتمام إقامة العدالة الاجتماعية بين الأفراد ونشر الفضلية والأخلاق في اركان المجتمع. والعدالة في القضاء لا تتحقق ما لم يمتلك القاضي علماً شرعياً وقواعد تعينه على اكتشاف الدليل للحكم بين المتخاصمين. والقضايا التعبدية لا يستقيم مدارها ما لم يتحقق الأمان العام على الأموال والنفوس والأعراض. وانتظام الاجتماع الإسلامي لا يتم بدون قائد يدير الأمور الاجتماعية ويشرف على تنظيمها. وهذا التلازم بين الأحكام الشرعية والعقائدية والأخلاقية مصممٌ بفضيلة "وحدة الإطار" الذي تتمتع به الشريعة الدينية.

ولا شك أننا نلمس اطلاق الأدلة على وجوب إقامة الحدود والتعزيرات، والقضاء، وأخذ الحقوق وتوزيعها، ونشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة، والدفاع عن حياض الإسلام. وعدم وجود  دليل على تفكيك تلك الأحكام أو توقف ذلك على زمن النص أو حضور المعصوم(ع) يعني أن تطبيق الإسلام من قبل المكلفين يمتد إلى يوم القيامة. ولكن تنفيذ تلك الأحكام يحتاج إلى مدير مجتهد لإدارة المجتمع على ضوء الشريعة وأحكام الدين.

والدليل العقلي هذا يكشف لنا الدليل الشرعي الذي صرح بالقول(... أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض..)، (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله الرسول وأولي الأمر منكم)، (ما كان لهم الخيرة)، (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، (إن الحكم إلا الله...) ونحوها.

3- إن عمومات الآية القرآنية التالية شاملة لجميع المكلفين بما فيهم الأنبياء والأوصياء(ع)، بأن يحكموا بما أنزل الله تعالى من أحكام: (... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. وانزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً.. أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من لله حكماً لقوم يوقنون).

ودلالة هذه الآية الشريفة هو وجوب تطبيق أهل الإنجيل بما أنزل الله تعالى من أحكام، ووجوب حكم رسول الله(ص) أيضاً بما أنزل الله عليه من أحكام. ولا شك أن المراد بإيتاء الحكم هو تشريع الأحكام في عالم الجعل، وجعلها تحت تصرفه (ص)، كي تكون ملاك عمله وحكمه(ص). ولكن الأصل هو أن يحكم (ص) المكلفين بما أنزل الله تعالى، فلا يبقى ريب أن زمن الغيبة يفتح الباب للفقيه كي يرشد الناس إلى الأحكام الإلهية ويساهم في تنفيذها. وهذه الآية واردة في رسول الله(ص). وإنما يستفاد جريان الحكم في الأئمة المعصومين(ع) ومن بعدهم فقهاء أهل البيت من الأخبار فيما يتعلق بالولاية ووجوب الطاعة والتبعية لهم. ومن ذلك صحيحة فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: "إن الله عز وجل- أدّب نبيه فأحسن أدبه. فلما أكمل له الأدب قال: (وإنك لعلى خلقٍ عظيم)، ثم فوض إليه أمر الدين والأمة ليسوس عباده، فقال عز وجل: (وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)".

ومنها رواية عبد العزيز بن مسلم عن الإمام الرضا(ع): بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف. الإمام يحلّ حلال الله ويحرّم حرام الله، ويقيم حدود الله، ويذّب عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة".

ومنها قوله(ع): وإن العبد إذا اختاره الله لأمور عباده شرح له صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً، فلم يعي بعده بجواب ولا يحير فيه عن الصواب. فهو معصوم مؤيد موفق مسدد قد أَمِنَ منَ الخطايا والزلل والعثار. يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".

4- إن إهمال البحث عن الولاية الشرعية للفقيه في الأوساط الفقهية قد يرجع في بعض جوانبه إلى اختلاف مباني الدولة القيمة عن الدولة الحديثة. فنشوء الدولة الحديثة في القرون الأخيرة من عمر الإنسانية كان قد أوجد حاجات جديدة لم تكن من مباني الدولة القديمة. فالتعليم الإلزامي، والتطبيب الواسع النطاق والإدارة الاجتماعية المعقدة، والنظام الحديث للآلة لم يكن من مباني الدولة القديمة. بينما كانت الدولة القديمة تعيش على الزراعة وعل شكل بسيط من الصناعة وطرق أولية في النقل. ولم تكن التجمعات السكانية في المدن بهذا التعقيد. وتلك الفجوة بين مباني الدولتين القديمة والحديثة تركت آثارها على الفقه. فولاية الفقيه بالنسبة لعصر الشيخ الطوسي في القرن الخامس الهجري تختلف من حيث المصاديق عنها في عصر القرن الخامس عشر الهجري، فقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، والقضاء، والتصرف في أموال الغائبين والقاصرين من أهم ولايات الفقيه في القرن الخامس الهجري. ولكن ولاية الفقيه اتخذت شكلاً آخر اليوم في قضايا الاقتصاد والاجتماع والزراعة والصناعة والنقل والدفاع والقضاء ونحوها. وهي بضميمة الثوابت في الأحكام والمواضيع تحتاج إلى انفتاح واسع على حاجات الأفراد وفهم متطلبات حياتهم الإنسانية.

5- لا نستطيع استخدام أصالة البراءة هنا، لأن أصول المعاملات غير أصول العبادات. فإذا زعم أنه عند قيام الشك بشرعية ولاية الفقيه، فلابد من التمسك بالبراءة. ومع جريان أصالة البراءة إذن لا نحتاج إلى ولايته. هذا الرأي لا يمكن الأخذ به. لأن ذلك الأصل منتفٍ بانتفاء الموضوع. فإننا لو طبّقنا البراءة على المشاكل الاجتماعية لانحسر الإسلام عن المجتمع وعن نظامه السياسي.

6- ان اصطلاحات مثل "الأعلمية المطلقة" و"الأعلمية الإضافية" و"المرجعية" لم يشر إلى اعتبارها في الأخبار الواردة عن أئمة أهل البيت(ع). ولو كانت موجودة في الروايات لوصلت إلينا يداً بيد، ولكنها غير موجودة. ولكن المتاخرين من الفقهاء استخدموها بسبب طرو حاجة ماسة أوجدها التغيير الاجتماعي وتعقد الحياة الاجتماعية. فأفرزت فكرة "وحدة الإطار" ومبدأ "عدم تفكيك التكاليف الدينية" آراءً حول ضرورة الرجوع إلى الفقيه الأعلم في زمن الغيبة لإدارة الأفراد في مجتمع المسلمين لا في دولة اسلامية. لأن ادارة الدولة الاسلامية تحتاج إلى فهم شامل لقضايا الحقوق والواجبات الخاصة بالفرد والجماعة، وهي مسؤولية أثقل من مسؤولية الفقيه المختص بالعبادات وجزء يسير من المعاملات، وهذا يفسر القول بعدم بسط يد الفقيه في العصور التي سبقت عصر الثورة الإسلامية في إيران سنة 1399 هـ 1979م.

واصطلاح "الأعلمية" ورد في بحوث "الاجتهاد والتقليد" من زاوية الرجوع إلى الأعلم وهو مستمدٌ من عملية عقلية تفصح عن رجوع الجاهل إلى العالم في أغلب شؤون الحياة ولا تقتصر على جانب معين.

واصطلاح "المرجعية" ورد في بحوث المتأخرين من الفقهاء، كان قد فرضته فكرة "وحدة الأطار" في سبيل اصلاح النظم الاجتماعية لشيعة أهل البيت(ع) والرجوع إلى قائد علمي لديه الولاية الدينية الشرعية من أجل تنظيم أمورهم في غياب المرجعية السياسية ودليله (..فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).

وتلك الصفات إذا اضيفت إلى الولاية الشرعية للفقيه، بضميمة الشروط الأخرى، فلاشك أنها تضفي على منصب الولاية بعداً عقلياً بالإضافة إلى بعدها الشرعي. وعلى أي حال فإنها تبقى صفات متممة ومكملة للقائد الديني في زمن الغيبة.

7- إن القدر المتيقن من الولاية زمن الغيبة يشمل مساحة الإدارة الاجتماعية للفقيه. وهذا واضح لمن ذاق طعم الفقه وأدرك لحن الروايات. فالأمور الاجتماعية وادارتها ترجع إلى الفقيه الجامع للشرائط، لأنه القدر المتيقن ممن يحتمل أن تكون له الولاية. فمن غير المحتمل أن يرخص الشارع لغير الفقيه بادارة المجتمع بما فيه من أموال ونفوس وأعراض. ومن غير المحتمل أن يهمل جانب الإدارة الاجتماعية فيؤول الأمر إلى الفساد وانتهاك أصالة وجود الدين في حياة الإنسان.

8-استلهام كليات الولاية الشرعية من عهدي رسول الله(ص) وأمير المؤمنين(ع) باعتبار أنهما كانا مبسوطي اليد وقاما بإدارة الدولة والإشراف على شؤون النظام الاجتماعي بشكل شامل. ومن تلك الكليات نعرض نموذجاً.

أ) في معاني الولاية قال عبد الله بن عباس: دخلت على أمير المؤمنين(ع) بذي قار وهو يخصف نعله. فقال بالله عليك ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها! فقال(ع): والله لهي أحب إلي من أمرتكم، إلا أن أقيم حقاً، أو أدفع باطلاً. ودلالتها أن الولاية مرآة المسؤولية الشرعية في إقامة الحق ودفع الباطل، ولكنها ليست إمرة تسلط وعدم انصاف.

ب)  في توزيع الثروة الإجتماعية عن الإمام أمير المؤمنين(ع): "فمن أتاه الله مالا فليصل به القرابة، وليحسن منه الضيافة، وليفك به الأسير والعاني، وليعط منه الفقير والغارم، وليصبر نفسه على الحقوق والتوائب، وابتغاء الثواب. فإن فوزاً بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا، ودرك فضائل الآخرة إن شاء الله". ويقول الإمام(ع) في خطبة له تشتمل على تهذيب الفقراء بالزهد: "أما بعد فإن رأي أحدكم لأخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفسٍ فلا تكونن له فتنة… وإن المال والبنين حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله تعالى لأقوام…" وتشتمل نفس الخطبة على تأديب الأغنياء بالشفقة، فيقول (ع): ألا لا يعدلن أحكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه.." ودلالتها حسن توزيع الثروة الاجتماعية بين الأفراد وعدم ادانة الغنى في المجتمع إذا كان الغنى قد اكتسب بطريق مشروع.

ج) في الحقوق والواجبات عنه(ع): "فإذا أدّت الرعية إلى الوالي حقه، وأدّى الوالي إليها حقها عزّ الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل وجرت على إذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الأعداء. وإذا غلبت الرعية واليها، أو أجحف الوالي برعيته اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدين، وتركت محاجّ السنن، فعمل بالهوى، وعطّلت الأحكام وكثرت علل النفوس". وعنه (ع) أيضاً: أيها الناس إنّ لي عليكم حقاً، ولكم عليّ حقٌ: فأما حقكم علي فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا. وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم". ودلالتها أن الولاية تقتضي حسن التدبير من قبل الوالي، وحسن الطاعة من قبل المكلف.

ولكن تلك الكليات العظيمة لا تستطيع فعل فعلها، ما لم توضع في مواضعها الصحيحة التي تتناسب مع الإطار والموضوع الذي جاءت من أجله. ولا يمكن تصور ادارة اجتماعية لمجتمع ديني دون وليّ حكيم يستمد من مباني الشريعة الأحكام والقوانين التي يسنّها لتنظيم شؤون الناس.

 
الرجوع