يقوم المركز حاليا بتحديث الموقع وتحسينه ويرحب بأية ملاحظات قد تكون موجودة لدى الأخوة الزائرين
10 September 2010
الجمعة 1 شوال 1431

 
 
العدد الرابع - الفكر السياسي عند الإمام الخميني > أحكام ورؤى منحازة حول الواقع وطبيعة الصراع
 
New Page 1

أحكام ورؤى منحازة حول الواقع وطبيعة الصراع

 علي سالم

الكتاب: الأمة والدين في الشرق الأوسط"، بحث.

المؤلف: فرد هاليداي.

الناشر: "دار الساقي"، 2000.

تحتل مسألة الهوية ومسائل أخرى كالدين والثقافة والأمة والسلطة، اليوم، في منطقة الشرق الأوسط وباقي أنحاء العالم، موقعاً خاصاً في الفكر السياسي الغربي. فبعد هانتنغتون الذي تحدّث عن "صدام الحضارات"، في محاولة لتفسير النزاعات التي تحصل راهناً، يتحدث فرد هاليداي عن التفاعل الحضاري أو الثقافي، ويعتبر أنه يقدم رؤية مختلفة لهانتنغتون. وتندرج الدراسات الفكرية الغربية لمنطقة الشرق الأوسط، ومن ضمنها محاولة هاليداي، في اطار بروز الإسلام السياسي كحركة قومية جديدة مناقضة للحركات القومية التقليدية، واعادة تعريف الهوية، وتهديد المصالح الاستراتيجية للغرب، وانكفاء أو انحسار العلمنة والحداثة أو الطابع الغربي في بعض المناطق وضعف جاذبية الحضارة الغربية وسوى ذلك من الأمور.

ويبقى السؤال حول التفاعل الحضاري. ما الذي تحمله الدعوة إلى التفاعل الثقافي أو الحضاري؟ هل تتضمن، فعلاً، معاني انسانية لنواحي الحرية والعدالة أو بناء علاقات متوازنة ومتكافئة، أم أن طابعها اللاانساني (الهيمنة والسيطرة واطلاقية الثقافية الغربية وما ينتج من ذلك من فقر وجوع في باقي العالم) يغلب طابعها الانساني (الهيمنة والسيطرة واطلاقية الثقافية الغربية وما ينتج من ذلك من فقر وجوع في باقي العالم) يغلب طابعها الإنساني؟ وهل التفاعل الثقافي أو الحضاري؟ هل تتضمن، فعلاً، معاني انسانية لنواحي الحرية والعدالة أو بناء علاقات متوازنة ومتكافئة، أم أن طابعهما الإنساني؟ وهل التفاعل الثقافي الذي يتقدم به الغرب أو يتحدث عنه هو الشكل الأبرز للعلاقات بين الدول والشعوب أو الشكل الذي يتقدم الأشكال الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية؟ ألا يخفي هذا الشكل أيديولوجيا الهيمنة أو الغطرسة في ظل انعدام التوازنات المختلفة؟ ثم ألا ينتج هذا الشكل حروباً ومواجهات ومقاومة؟ وهل أمكن المواجهة (التفكير بلغة الفهم ومنطق الخلق والإنتاج وتكريب العالم من جديد أو إعادة خلق الأشياء) تتحدد ذاتياً؟

نحاول من خلال البحث في مضامين كتاب هاليداي الوصول إلى بعض الأجوبة عن تلك الأسئلة، والقاء الضوء على بعض النقاط المهمة والحساسة، والتعرض لأهم المحاور أو القضايا التي يتناولها الكاتب.

 -دعوة إلى التفاعل الثقافي أو الحضاري:

ينطلق الكاتب من مسلّمة محددة في فهمه للثقافة والدين والقومية والعلاقة بين الثقافات تقوم على فكرة تبدّل المعنى تبعاً للظروف والتطورات والتأثيرات، أو على عدم وجود أحادية في الفهم والتطور، وبالتالي على فكرة الأيديولوجيا التي تغلّف العلاقات الاجتماعية. ويحدد مضمون العلاقة بين الثقافات بأنه ليس تناحرياً بالضرورة، ويشدد على حتمية التفاعل وامكان المناقشة بين الثقافات. ويبرر موقفه بحجج وبراهين منطقية مشبعة بالمعاني الإنسانية الليبرالية. وفي هذا السياق، لو كان مبرراً، من حيث المبدأ، الاعتراف بشرعية أي حركة قومية أو دينية (حق الشعوب في تقرير مصيرها) في منأى عن كيفية تجسيدها في دولة (الدولة الأمة)، نظراً إلى المعنى الاجتماعي السياسي الذي تستمده من الشعب نفسه أولاً ومن الدول الأخرى ثانياً، فإن عدم الإعتراف بشرعية بعض الحركات القومية أو الدينية (كالحركة الصهيونية قبل انشاء دولة اسرائيل أو بعدها) لا يعتبر غير مبرر أو لا يتخذ صفة اجتماعية سياسية لأنه مدان من قبل "الشرعية الدولية" أو "الإجماع الدولي". وفي تعبير آخر، لا يختصر المعنى الاجتماعي السياسي للحركات القومية والدينية بالمعنى المحدد في الحاضر كحقيقة حتمية لا يمكن مواجهتها. ويطرح المؤلف صيغة التفاعل الثقافي بدلاً من التناحر الثقافي أو الحضاري، كأن العلاقات من الهيمنة. ويطلب من المجتمعات المعنية أن تستجيب استجابة خلاقة للتغييرات الحاصلة في العالم الخارجي، أو التكيف والتفاعل مع تلك التغيرات، من غير تحقيق طبيعة العمل الخلاق، وهل هو في إطاار الوجهة الحالية للعالم أم في إطار وجهة أخرى؟ وهل عدم تحصين المجتمع، أي مجتمع، ضد السياق الخارجي يفترض فتح الباب على مصراعيه أمام الخارج بحجة التفاعل الثقافي الإنساني؟ وهل الكاتب أدرى بتحديد طريقة التعامل ومصالح مجتمعات "الشرق الأوسط" من تلك المجتمعات نفسها؟ وهل مهمته تحديد مصالح الشعوب أم تفسير تصرفاتها؟ ويقول بامكان المناقشة والحوار بين الشعوب والثقافات وبالقضايا والمصالح المشتركة بينها، كأن الحوار وحده قادر على انصاف الشعوب المغلوب على أمرها، أو كأن الحوار ليس لغة القوة والسلطة. ويتبنّى موقفاً سياسياً وسيطاً يأخذ في الإعتبار مصالح الغرب والشرق الأوسط معاً، ويبرر موقفه بوجود فضاء سياسي مشترك وانسانية مشتركة وانتماء مشترك إلى نظام الحداثة وقيم مشتركة (الديموقراطية وحقوق الإنسان) من دون تحديد لطبيعة هذه الأشياء وحدودها، مما يضفي صفة إيجابية عليها أو صفة التوازن أو التعادل. ويفصل بين لغة القيم والحضارات ولغة المصالح والأرض والسطوة، أو بين المطامح والآمال والمثل والعادات والتقاليد والمعتقدات من ناحية، والمصالح والأسباب الاقتصادية المادية من ناحية أخرى. وهل يمكن تصور حوارات فكرية ثقافية انسانية مجردة عن الواقع وتناقضاته؟

حول الديموقراطية والعدالة وحقوق الإنسان:

رغم التأكيد الذي يبديه الكاتب حول تبنيه مقاربة للعدالة تراعي الإمتياز المحلي لمجتمعات الشرق الأوسط، فإنه ينطلق من مسلّمات المقاربة الكونية العقلانية التي يدينها أو يستبعدها. وبذا، فإنه يدين النقد الموجه للهيمنة الغربية والمفاهيم المركزية الآتنية، بحجة أنه يوفر مبرراً للدول الغربية كي تسقط أو تميّع حقوق الإنسان في سياق الشرق الأوسط، كما أنه يوفر مبرراً لاولئك الذين يريدون في الشرق الأوسط لجم النقد الخارجي لممارساتهم. وإذ يقول بالإمتيازات المحلية، تنطلق أحكامه من المفاهيم الغربية للديمقراطية والعدالة الحرية. ولا يرى أو لا يتحدث عن التناقضات التي تحملها هذه المفاهيم في المجتمعات الغربية. وانطلاقاً من مفهوم المساواة ومفهوم السلطة الغربيين ينظر إلى أوضاع المرأة العربية أو الإسلامية أو أوضاع المرأة في إيران، ويشير إلى الإنتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الجنسين، وإلى التسلط والديماغوجية والديكتاتورية القومية اللاليبرالية، وإلى كيفية هذه العلاقة في المستقبل. وإذ لا يعلن عن الشكل الذي يمكن أن تتطور إليه مجتمعات الشرق الأوسط، إلا أن المعنى المبطّن المقصود هو الغرب نظراً إلى التفاعل التاريخي والمشاركة في السببية والمسؤولية والأخلاق. ويؤكد على المعقولية والواقعية في النظرية السياسية من غير الحديث عن المساوئ والسلبيات التي قد تفوق الإيجابيات.

في شأن القومية والحداثة:

الفهم الذي يقدّمه الكاتب حول القومية والهوية والحداثة مشبع بالأيديولوجيا والمفاهيم السياسية السابقة. فهو لا يبحث في أسباب التطرق القومي العربي أو الفلسطيني أو التركي، بل ينطلق من موقف الإدانة لكل تطرف. وعلى هذا الأساس، ينظر بعين الرضى إلى موقف أنور السادات من اسرائيل والمتمثل بالإعتراف المتبادل، ويثمّن انعطاف مواقف الحركات القومية نحو الإندماج بالسوق العالمية وليس الانفصال عنها، ويشدد على أهمية الحوار بين العرب واسرائيل، ويتبنّى المقاربة "الحداثوية" لتفسير القومية، عوض المقاربة القومية أو "الأصلية" أو "الداثموية". وغذا كانت المقاربة "الحداثوية" تفسر القومية بالحداثة لا بالماضي أو بالعوامل التاريخية، فإن الهدف في اعتقادنا واضح جلي ويتمثل بضرورة الإعتراف بالوضع الجديد كأمر طبيعي والخريطة السياسية التي نرها أمانا، بما في ذلك النزعة القومية الإسرائيليلة كنزعة شرعية، وبأن الإستيطان لا يعتبر مقاياساً لنزع صفة الشرعية عنها. ويذكّرنا هنا بالأمثلة المتعلقة بالأميركتين وأوستراليا وسنغافورة لناحية الإستيلاء على الأرض وإبادة السكان الأصليين كأمر يتوافق مع الحياة. ويقر بأن الأمم صنعت في الصرع مع بعضها بعضاً. ونخشى أن يكون هذا القرار مقدمة لقبول الأمر الواقع، وبالتالي لقبول دولة اسرائيل كدولة أمة طبيعية. ويدعو إلى حل الدعاوى المتناقضة على أساس العقل والعدل، ومما لا شك فيه أن العقل هنا يعني التعقّل أو تقديم التنازلات للطرف الآخر، والعدالة تعني التوافق بين الأطراف والاعتراف المتبادل. ويحضّ على الحل الوسط بدلاً من المواجهة (بين القوي والضعيف)، وعلى احلال الثقة وتوفير الإرادة السياسية (القبول بالقوي والتكيّف معه).

القومية والإرهاب:

يحاول الكاتب، عن طريق النزعة القومية اليمنية، كنموذج لتحليل النزعة القومية، القول أن معنى الأرض كعنصر من عناصر القومية هو معنى مستحدث مرتبط بأسباب حديثة العهد (عالمية وداخلية)، وأنه لم يكن هناك شيء حتى في اليمن (القومي) يضم الأرض الاقليمية التي ضمها أو يستبعدها. ويشكل هذا الموقف "الحداثوي" الذي يرتكز على بعض المؤشرات السياسية الحديثة المتفرقة وغير المحققة علمياً من خلال أبحاث علمية سوسيولوجية وتاريخية للواقع اليمني، والذي لا يبحث في العوامل التاريخية، حجة سهلة تبرر مسألة ضم الأراضي أو التخلي عنها. ويتحدث عن إمكان معنى شرعي للإرهاب، من دون تحديد المصدر. وكيف يمكن تمييز هذه الشرعية؟ وهل يمكن الاتفاق على معنى واحد موحد رغم الأصول الثقافية والمصالح والاتجاهات المختلفة؟ وإذا كان الارهاب أيديولجيا، فهل يعني ذلك أنه منفصل عن التاريخ والحقائق؟ ويقلق لتنامي الارهاب في بلدان العالم الثالث ولا يقلق لممارسته في بلدان العالم المتقدم أو لاي تحدث عن وجوده هناك. ويدين الموقف الذي ينكر على الطرف الآخر حق تقرير المصير، أو في كلام آخر، يدين الطرف الفلسطيني الذي لا يعترف بحق تقرير المصير للشعب اليهودي. ويعتبر أن الإرهاب الذي مارسه الفلسطينيون في الستينات لم يلق استجابة تذكر من اسرائيل أو الولايات المتحدة، وأن الحوار السياسي الأخلاقي (بين الجلاد والضحية) وحده كفيل بتحقيق انجازات جوهرية. ويميز بين عدالة القضية والسلوك الإرهابي، بمعنى أن السلوك الارهابي للفلسطينيين لا يلغي عدالة قضيتهم. وشرعية القضية الفلسطينية مماثلة لشرعية القضية الإسرائيلية في رأيه.

الإسلام السياسي:

على الطريقة الغربية الأميركية، وبلا أي تحليل للظروف والتاريخ والعلاقات بين الشرق والغرب، يشكك المؤلف في قدرة الإسلام السياسي على تقديم حل للمشكلات التي تواجهها المجتمعات الإسلامية اليوم. ويعتقد أن مسائل الاقتصاد والتعايش والتسامح والديموقراطية مسائل متعلقة بالإرادة أكثر من الظروف، ومن الموقع الغربي المزهو بنفسه، يكيل الإتهامات هنا وهناك ويستفيض في الأحكام القيمية ويتحدث عن قوة الرجعية الإسلاموية، حيال المرأة في غيران ويشبه حركة الخميني(س) وجماعته بالحركات الفاشية. مشكينة تلك الديموقراطية، في الغرب أو في الشرق معاً. فيكفي أن تكون أميركا "ديموقراطية" في الداخل كي نسكت عن هيمنتها وتسلطها وجبروتها في الخارج. ويكفي أن تكون اسرائيل ديموقراطية مع شعبها كي نسكت عن ممارساتها في الإبادة والاستيلاء على الأرضي بالقوة والاستيطان والإعتداءات. وقد تكون الأنظمة العربية أو الإسلامية ديكتاتورية أو غير ديموقراطية وتقمع وتستغل حجة التدخل الامبريالي، لكن لو تشكّلت أنظمة ديموقراطية في المنطقة، هل يعني ذلك انتفاء الصراع مع الغرب أو انتفاء مصالح الغرب في "الشرق الأوسط"؟ أليست الديموقراطية ستاراً أو حجة يستخدمها الغرب ليمنح نفسه شرعية التدخل؟

التغيير في الشرق الأوسط:

يؤكد الكاتب على امكان التغيير في الشرق الأوسط، رغم التخلف الدائم لمعظم دوله. وكيف لا يحصل هذا التغيير أو لا يكون (اقتداء الضعيف بالقوي) في نهاية المطاف، والظروف تجمع بينهما! ويمتدح الشوط البعيد الذي بلغته الديموقراطية في اسرائيل، لكن ينبغي أن تستجيب للحد الأدنى من المطالب الفلسطينية المشروعة. والتسليم بدولة اسرائيل أمر طبيعي بالنسبة إليه، فالماضي لا يسأل عنه. ويدين العلاقات بين دول المنطقة المحكومة بالشك والنزاع والمواجهة بين دول المنطقة المحكومة بالشك والنزاع والمواجهة وعدم التعاون الاقتصادي (لا توجد أسباب لذلك في رأيه). ويستغرب كيف أن دول المنطقة (باستثناء اسرائيل طبعاً) لا تتمثل بالنماذج الليبرالية لناحية التجارة والاستثمار، وكيف تزيد من انفاقها العسكري بدلاً من الانخفاض والإنفراج! ويهاجم النتلجنسيا لتواطئها مع الحكام المحليين. وكيف لا يهاجمها، والهم الأوحد بالنسبة إلى العالم هو الديموقراطية! إسرائيل تعتبر الدولة الوحيدة التي تملك أسلحة نووية في المنطقة، ونسكت عنها لأنها ديموقراطية! ويدين المعارضة الديماغوجية وأولئك الذين ينظرون إلى العالم نظرة ارتياب مرضي ومواجهة ويستخدمون أداة للكراهية الأبدية. ليس ثمة مبرر للإرتياب، في اعتقاده، وأن ما حصل، فإنه مرضي (غير طبيعي) ولم هذه المواجهة وهذه الكراهية! فهل من دواعٍ لها؟ ويمتدح سير العملية التفاوضية التي ترعاها الولايات المتحدة، لأن ذلك مفضّل على أجواء النفي الشامل التي سادت في أزمنة سابقة (نفي الوجود الإسرائيلي مثلاً) وكذا دفاع الولايات المتحدة عن المنطقة الكردية شمال العراق (يصور التدخل الأميركي هنا كمحاولة لحماية الشعوب المستضعفة في العالم). ويرى أن ما يبغيه كثر في المنطقة (ينصب نفسه ناطقاً باسم شعوب المنطقة)، ليس قدراً أقل من التدخل الأميركي (فالمطلوب المزيد منه!)، بل قدر أكبر من التزام العالم الخارجي (الأميركي تحديداً) باحقاق حقوق معلنة الآن عالمياً (كحقوق الإنسان مثلاً)، أو في معانٍ أخرى، ابقاء حقوق الإنسان والديموقراطية ذريعة ملائمة وفضلى للتدخل في شؤون الآخرين. ولا تزال شعوب المنطقة، في رأيه في حاجة إلى تدخل الغرب وحمايته، وكل ذلك من أجل إشاعة الديموقراطية وتحقيق أمن المنطقة!

 

 

 
الرجوع