"عن الاسلام في ايران" جزء اول لهنري كوربان مترجماً الى العربية
منهجية موضوعية تضيء الجانب العرفاني من الاسلام
الشيعي
العرفان بين التهميش والتهشيم
في البدء، ثمة موقف عدائي اقصائي ازاء ما يسمى بالعرفان والتصوف وما ينضوي تحتهما
من مفاهيم من قبيل "العلم اللدني" و"المعرفة الكشفية الذوقية" و"الرياضات الروحية
كأرضية لانقذاف العلم في القلب". و"وحدة الوجود" و"التجلي"، "التجربة الروحية"…الخ
والممثل الابرز لهذه النزعة الاقصائية يتجلى في الاخباريين وقطاع واسع من علماء
الفقه والكلام، وجزء من الفلاسفة ولا سيما المشائين منهم. ومرد هذه النزعة، ربما،
يكمن في ان الاخباريين والفقهاء يعتقدون بان العناصر والمبادئ العرفانية غير مستقاة
من مصدري التشريع الاسلامي: القرآن الكريم والسنة المعصومة. بل انها دخيلة على
الرؤية الاسلامية ازاء الله والانسان والكون. ويوطد هذا الرأي شريحة من المستشرقين،
امثال جولد تسهير وهاملتون جيب ممن يصرون على ان العرفانيات ذات منابت اما مسيحية
مترهبنة، او فلاطونية محدثة او بوذية متنسكة، اما الفلاسفة المشاؤون فيرون بان مصدر
المعرفة الاساسي هو العقل واداته المنطق الارسطي مستبعدين أي امكانية لانتاج معرفة
مستندة الى المشاهدة العيانية والكشف الذوقي.
في المقابل، فان اقطاب العرفان وارباب الحكمة المتعالية واصحاب النزعة الاستشراقية
يرون ان جذور رؤاهم مستمدة بصورة صميمية ورئيسية من النصوص القرآنية والروائية. اذ
ان المتأمل في القرآن سيتوفر على آيات من قبيل "هو الاول والآخر والظاهر والباطن"،
"اينما تولوا فثم وجه الله"، و"نفخت فيه من روحي"، و"هو الذي في السماء اله وفي
الارض اله"، "الله نور السماوات والارض" "وهو معكم اينما كنتم" "وان من شيء الا
يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم"، الى مجموعة واسعة من العبارات الحمالة الوجوه
مثل: "لقاء الله"، "يد الله" "وجه الله" "العرش، "الكرسي" او آية الامانة او
الميثاق… او يقع على الحديث القدسي: "لا
يزال العبد يتقرب الي بالنوافل حتى احبه، فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره
الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها".
لن يكون بمستطاع المتأمل في هذه النصوص المتسالم عليها بين ملل المسلمين جميعاً
الخروج برؤية تتسق وذاتها ان لم يتم مقاربتها بنوع من التفسير المتعالي دون اختصار
في الوقت ذاته، التفسير التقليدي الظاهري الذي يتقن استخدام التقنيات اللغوية
والبيانية والمنطقية والرجالية والحديثية (نسبة الى الحديث المعصوم) في استنطاق
النص للخروج برؤى تتآلف وعقل الانسان العادي. ولكن من ناحية ثانية ، ماذا عن اولئك
الناس الذين اشار اليهم الحديث الشريف "ان الله علم انه يأتي في آخر الزمان ناس
متعمقون فأنزل الآيات الاولى من سورة الحديد وقل هو الله احد". وماذا عن اولئك
الافراد الذين يستبطنهم النص القرآني بقوله "هم درجات عند الله"، "وهو الذي جعلكم
خلائف ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم"، او اولئك الخلص الذين كان
يبحث عنهم الامام علي(ع) بقوله "ان ها هنا علماً جماً لو اصبت له
حملاً". ماذا تفعل هذه الفئة من البشر الذين يتململون ويتجلجلون في ذواتهم ويضيقون
ذرعاً بتفسيرات يرون انها تلوث وتدنس الذات الالهية او النبوة او الامامة. لا بد من
الاخذ بعين الاعتبار بتفسير متعالي للنص القرآني يتجاوز حدود الزمان والمكان ويكون
في الوقت نفسه حاكماً عليهما. اذ كيف يصح القول بان النص القرآني صالح لكل زمان
ومكان وهو، بعد، خاضع لهما او جزء منهما. ان النص القرآني فعل الهي، ولانه كذلك،
فلا بد ان تكون له جنبة ملكوتية حاكمة على الجنبة الملكية، والا دون ذلك سنقع في
التعطيل او التشبيه.
ثمة فئة من المستشرقين لعل من بينها، رينولد نيكوتسون ولويس ماسينيون وتوشيهيكو
ايزوتسو وآن ماري شيمل وهنري كوربان وايتان كولبرغ، انبرت للوقوف على هذا الجانب
الروحي والعرفاني من النص القرآني واخذت تستقصي المنابت الاسلامية للعرفان والتصوف
معتقدة ان الاسلام يتوفر على كنز خفي في هذا المضمار.
ولعل هنري كوربان، من بين هؤلاء، اكثرهم اشتغالاً بالجانب العرفاني من الاسلام ولا
سيما في اطاره الشيعي، اذ محض زهاء عشرين عاماً، تقريباً، من حياته بدراسة التجربة
الروحية ورجالاتها في مهدها ومجالها الارحب - ايران. فتمخضت عن هذه الدراسة مصنف
يتسم بالفرادة والعمق معاً، موضوعاً منهجاً، ويقع في اربعة اجزاء سمان، مبنى ومعنى،
اول اجزائه الاربعة ابصر النور في اللغة العربية، الشهر الفائت فقط بعد مضي ثلاثة
عقود طوال على وضعه باللغة الفرنسية، بفعل مبادرة فردية، دافعها عشق موضوعه، من قبل
السيد نواف الموسوي الذي لم يقتصر جهده على نقله الى العربية فحسب، بل تتبع وحقق
مجموعة لا يستهان بها من المصطلحات التي لن يكون بالامكان فهمها تماماً وبالتالى
فهم النص ايضاً، الا بإرجاعها الى جذورها وسياقها التاريخي والموضوعي واللغوي. وخرج
الجزء الاول متسماً بجل المواصفات العلمية التحقيقية فاشتمل، في جزء مهم منه: حوالى
ربع الكتاب، على حواشي توضيحية وملاحق وثبت بمصادر الاحاديث الشريفة وفهارس تتعلق
بأسماء الاعلام والبلدان والكتب والملل والآيات القرآنية والاحاديث الشريفة
بالاضافة الى ثبت بمصادر التحقيق ومراجع الترجمة.
استمرار القول الفلسفي
تكمن الاهمية القصوى، بنظرنا، لهذا المصنف، انه اعتنى عناية فائقة ودقيقة بكشف
المحجوب من حصائد القول الفلسفي والعرفاني بوجهه الشيعي الذي ما زال في معظمه دفين
المكتبات، مخطوطا غير محقق. وما تحقق منه ونشر، لم يوضع موضع القراءة والبحث
والتأمل الا من القلة النادرة حتى ان الغالبية العظمى من مثقفينا واكاديميينا لا
تدرك الا لماماً من هذه الارض البكر التي ارتادها كوربان وعايشها .و"ان كان" لا
يزعم هذا المؤلف اعطاء تأريخ عام للتفكير الفلسفي الروحي في ايران (ص 5)، الا انه
استطاع كما قال مرسيا الياد (المدخل ص 7).. "ان يكشف النقاب عن بعد هام من ابعاد
الفلسفة الصوفية الاسلامية، كاد يكون مجهولاً حتى ذلك الحين من جانب العلماء
الغربيين".
واذا كان معظم مؤرخي الفلسفة الاسلامية والعربية قد نعوا دونما تثبت وتحقق، قصوراً
او تقصيراً، القول الفلسفي في العالم الاسلامي بعد موت ابن رشد، فان كوربان بمصنفه
هذا، لا نقول انه يعيد الحياة لما اعلن عن وفاته اذ لم يمت اصلاً، بل انه يكشف
الغطاء عن حياة فلسفية متطورة ومتنامية استمرت بعد هذا النعي. ولم يقتصر الامر على
هذا فقط، بل ان القول الفلسفي اتخذ بعداً آخر باقترانه بالتجربة الروحية ولا سيما
في مجالها الايراني اذ ان اهلية الجبلة الايرانية كانت، وما زالت، قادرة "على اقامة
مذهب فلسفي للعالم، دون اهمال التحقق الروحي الشخصي الذي فيه ينبغي للتأمل الفلسفي
ان يثمر، والذي بدونه لا تعدو الفلسفة ان تكون ترفاً للفكر… ان رفض التفكيك بينهما قد اعطى
كلاً منهما سمة خاصة بحيث ينبغي الاسف لكون هذه الفلسفة الايرانية، الايرانية -
الاسلامية، ما زالت غائبة حتى الآن عن تأريخنا للفلسفة .لقد افقر هذا الغياب
معرفتنا بالانسان وبترها. لقد كان انتاج الفلاسفة في ايران، منذ اكثر من الف عام،
ولا سيما على مدى القرون الاربعة الاخيرة، انتاجاً هاماً (ص 6).
وفي الواقع، فاذا كان البعض في العالم الاسلامي والغربي، قد تعرف بدرجات متفاوتة
على الفارابي وابن سينا والطوسي والسهروردي فمن يعرف، وما هو مقدار معرفته بحكماء
وعرفاء لا يقلون شأناً عن هؤلاء من امثال السيد حيدر آملي وسعد الدين الحموي والملا
صدرا وعلاء الدولة السمناني والسبزواري والقاضي سعيد القمي وغيرهم.
"لذا، سيتاح لنا ان نشير الى ان الاسلام الشيعي ليس مجهولاً كبيراً في الغرب فحسب،
وانما يواجه عادة، ولنفس السبب، مساوئ فهم بالغة لماهيته حيناً، وتحفظات احياناً،
بل وعدائيات احياناً اخرى" (ص 10).
عوائق المنهج
لطالما عانت معالجة الظاهرة الدينية من الاسقاطات والاحكام المسبقة، فغالباً ما تم
النظر اليها على انها ليست حقيقية او واقعية، او هي الى الاسطورة والخرافة اقرب
منها الى الواقعية، او اذا كان لها ثمة واقعية، فان المنهج الوضعي سعى الى تعليلها
سياسياً او اجتماعياً او اقتصادياً او عرقياً، او جغرافياً… الخ . كيف يمكن مقاربة موضوع
غير مادي غير مرئي بتقنيات ومناهج اشتقت اصلاً لمعالجة موضوعات مادية ومرئية؟ هل من
العلمية والموضوعية في شيء ان ينطلق الباحث "الوضعي" او "التاريخاني" او "العلماني"
في اشتقاق وتفسير الظاهرية الدينية التي موضوعها، بالنسبة له، اللاموجود او اللاشيء
بأسبابها الاجتماعية او التاريخية…
الخ. حكماً، فان تقنيات هذه المقاربة ستحكم على الظاهرة الدينية بالاعدام. والباحث
المستخدم لهذه التقنيات سيكون بمثابة من يحاكم ظاهرة معدومة قبلياً . اعدام الظاهرة
الدينية ثم محاكمتها تلك هي الاشكالية التي يطرحها كوربان. ولحلها يرى بداية "ان
الظاهرة الدينية، ادراك الموضوع الديني، هو ظاهرة اولى، كإدراك صوت او لون. الظاهرة
الاولى ليست ما يفسر بأمر آخر، ليست امراً يشتق من امر آخر، انها معطى ابتدائي،
انها مبدأ تفسير، انها ما يفسر كثيراً من الامور الاخرى (ص 38).
لذلك سيكون من الاعاقة او التشويه التماس العلل الخارجية للظاهرة الدينية بدلاً من
التوجه مباشرة الى بنية الاحداث والوقائع الروحية كما رآها وعايشها اهلها. وهذه
الوقائع الروحية هي وقائع واقعية الا انها ليست من نوع الوقائع التاريخية الخارجية،
لان واقعيتها ليست مما هو مرتبط بالتوالي الزمني الخارجي." ان اخضاع حقيقة روحية
للحظة في التقويم، أي تفسيرها انطلاقاً من تاريخ اعلانها للعالم هو ما نطلق عليه،
بشكل عام اسم "التاريخية"، وهو التباس "زمان النفس"، و"الزمان الواقع في التاريخ.
فالانسان الغربي ربما يكون قد غرق في التاريخانية جاراً بغرقه اكثر من حضارة
تاريخية" (ص 34-35).
لذلك ،اتخذ كوربان الظواهرية منهجاً في مقاربته للواقع الديني "عبر جعل الموضوع
الديني يظهر كما ظهر لمن ظهر لهم" (ص 26) او "وفقاً للتعبير اليوناني الشهير
sozein ta phoinomena)) الحفاظ على الظواهر"؛ أي
بتحليلها عبر ازاحة النقاب عن المقاصد الخفية التي تحفزها والتي تجعلها "تظهر" (ص
232).
ان جوهر ظواهرية كوربان يكمن في النظر الى الواقعة الروحية، لا سيما بوجهها الشيعي،
من الداخل، ان تصبح جزءً منها، ولا يكفي ان تحيط بها، بل لا بد من ان تحوط بك
ايضاً.
"وباختصار، ان الشرط الضروري للولوج الى التشيع، وربما اكثر من عالم ديني آخر.. هو
الحلول ضيفاً روحياً عليه، ولكن الحلول ضيفاً على عالم روحي، يعني البدء بجعل الذات
بيتاً له. ليس من الممكن العيش في العالم الروحي الشيعي، كما في أي عالم روحي آخر،
ولا فهم كيف يعاش فيه الا بشرط ان يعش هو فيك ايضاً" (ص 36).
فلسفة التأويل
ربما يكون مفهوم التأويل من اكثر المفاهيم التي اشتكلت على الاذهان، وغالباً ما
اتخذ معنى سلبياً بحيث بدا ان متبنيه ممن يتقن لعبة تمويه الحقائق وتشويهها او ممن
له اقتدار على تلبيس الحق بالباطل او ممن يظهر ما لا يضمر من اعتقادات وافكار. ولعل
ذلك ناشئ من شيوع اطلاق التأويل على المعنى المخالف لظاهر اللفظ بحيث عاد اللفظ
حقيقة ثانية فيه بعد ما كان بحسب اللفظ لمعنى الارجاع، او اعتماد معنى التأويل على
اخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية الى الدلالة المجازية من تسمية الشيء بشبيهه
او بسببه او لاحقه او مقارنه او غير ذلك من الاشياء التي عددت في تعريف اصناف
الكلام المجازي. وهذا المعنى للتأويل اتخذه بعامة اولئك الذين يتوجسون خيفة وينظرون
بريبة الى اهل التصوف او العرفان.
لكن، ثمة ها هنا معنى آخر للتأويل وهو "رد الشيء الى اصله" ص (282) او الى اوله
دونما المساس او تجاوز او نقض ما يدل عليه اللفظ ظاهراً. فالتأويل، وفقاً لهذا
الموقف، لا يستدعي الغاء المدلول الظاهري للفظ، بل يستخدم اللفظ كشيء شفاف يتم
النفاذ من خلاله الى معنى باطن أي الى معنى اعمق. وبعبارة اخرى، العبور من مظاهر
الالفاظ الى مطاويها؛ فان للقرآن ظهراً وبطناً ولا يمكن ادراك المعنى الباطني
بإقصاء المعنى الظاهري لان جزءً من الحقيقة الدينية سيتم بترها بذلك. اهل الظاهر
المحض استبعدوا المعنى الباطني وبالتالي الحقيقة الروحية الصميمية، واهل الباطن
المحض اقصوا المعنى الظاهري فتاهوا "في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب
ظلمات بعضها فوق بعض..
الا ان مفهوم التأويل، ها هنا، والذي اعتمده عرفان التشيع يحافظ على كل من ظاهر
اللفظ وباطنه. فلا الظاهر ينكر الباطن، ولا الباطن يتحلل من الظاهر، بل هما
يتكاملان مع بعضهما البعض ليشكلا وحدة في استنباط الرؤى واستقراء الحقائق الروحية.
ويتناسب مع ثنائي الظاهر والباطن ثنائي التفسير والتأويل. "التفسير، هو تفسير
للقرآن بما يعرضه من مفاده اللفظي. ويعتمد في هذا التفسير مراعاة قواعد النحو
العربي، يحمل الكلام على معانيها القاموسية، مع اعتماد المعنى المجازي حين تقتضي
الضرورة، وتتعدد المراجع التاريخية الفقهية اللغوية والشعرية التي تتيح تبيان الصعب
في النص الحرفي. ولذلك كتبت - روائع في التفسير، في اللغة العربية الفصحى في
الفارسية. لا ينفي الباطنيون اهمية عمل المفسرين على الصعيد الذي عملوا عليه، أي
على المستوى الذي يقتضيه ادراك المفاد اللفظي" (ص 282).
ويتصف التشيع بانه حافظ على التساوق بين اللفظ ومعناه الباطني بين الظاهر والباطن.
فقد سعى العرفان الشيعي دوماً "الى الحفاظ على التوازن والتزامن بين الظاهر
والباطن، بين الرمز والمرموز اليه" (ص 48).
كما يتناسب مع ثنائي الظاهر والباطن ثنائي الشريعة والحقيقة. فالاسلام ليس ديناً
تشريعياً محضاً، ليس شريعة فقط او قانوناً دينياً او ديناً وضعياً يعنى فقط بالنظام
الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعقائدي للانسان، بل ان كمال الامر الديني يستلزم
ثنائية الشريعة والحقيقة. ان التوازن بين الشريعة والحقيقة هو امر "جوهري للاسلام
الكامل، أي الاسلام الروحي. انني اعتقد ان الوضع قد حدد، بكل امانة، بفكر عرفاء
التشيع الاثنا عشري، عبر ملاحظة ان الحقيقة الاسلامية العامة تلغى اذا ألغي احد
القطبين، لان الحقيقة هي حقيقة الدين الوضعي ولانها هي من يجعله لازماً؛ ليست هي
مصدراً لزندقة الفكر. ان المعنى المحجوب، العرفاني"، للمحرم يعني ايضاً امراً
محرماً، ولا يحوله الى امر مباح، وبالعكس، فان الشريعة اذا حرمت من الحقيقة، تصير
مظهراً فارغاً". (ص 52)
لذلك سيكون من الخطورة بمكان الادعاء بان المعرفة الدينية تنحصر فقط بالفقه،
وتالياً بفروع المعرفة اللاحقة او المستلزمة له من قبيل اصول الفقه والنحو والبيان
والحديث والرجال، لانه سيتم بذلك بتر جزء اساسي بل البعد الاعمق والادق للحقيقة
الدينية. ان الشريعة لا يمكن ان تحيا بدون الحقيقة، "لان الحقيقة الروحية وحدها هي
من يمكنه القيام بالتحولات الضرورية للحفاظ على الشريعة، وللحؤول دون ان ترزح تحت
الجمعنة السياسية التي تحرفها وتزهقها" (ص 54).
وحينئذٍ يتساءل كوربان مستنكراً: هل يمنع على الاسلام الروحي ان يكون اسلاماً؟ وهل
ان المراد تسوير الاسلام بحدود دين القانون، دين "وضعي" و"تاريخاني" و"معلمن"، بحيث
لا يبقى من منفذ للدعوات الروحية سوى الخروج من الاسلام؟
باستبعاد الاسلام الروحي، وبخاصة التجربة الروحية الشيعية او ما يسمى بالعرفان
الشيعي سيتم استبعاد و"اقصاء التشيع الى الهامش، ناسين، بسبب هذا الحكم المجمل، ان
شخصيات الائمة الاثني عشر بعينها، ومعهم جمع من شهود الحقيقة هم من سيوضح خارج
الاسلام". (ص 46) فالنصوص المسلمة الواردة عن الائمة(ع) تثبت بما لا
يقبل جدلاً ان تعاليمهم شكلت المعين الذي لا ينضب للحكمة الالهية الشيعية المختلفة
تماماً عن جدل المتكلمين وبرهان الفلاسفة واستنباط الفقهاء.
فبعد الحاح احد عشاق الامام علي(ع)، وهو كميل بن زياد النخعي، في
الاجابة على سؤاله الذي يتلجلج في صدره ويعتمل في نفسه: ما الحقيقة؟ يجيب الامام
(ع): "الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير اشارة.. زدني فيه بياناً. محو الموهوم
مع صحة المعلوم. زدني فيه بياناً. هتك الستر لغلبة السر
– زدني فيه بياناً. نور يشرق من
صبح الازل فيلوح على هياكل التوحيد آثاره… زدني فيه بياناً. اطفى السراج،
فقد طلع الصبح. وبعد ذلك سكت الامام". ان الدلالة القصوى لهذا النص يكمن في خاتمته
التي توحي بانه عندما يبلغ العارف غاية بحثه عبر التجربة الروحية الى المراتب
والمنازل العليا الممكنة للوصول الى الله، يصبح الصمت ابلغ المواقف على الاطلاق،
لانه بات بوسع السالك الواصل ان يرى بعينه مستغنياً بذلك عن طرح مصطلحات الجدل
البرهاني الذي هو بمثابة السراج من الشمس.
وتجري محادثة ثانية للإمام (ع) مع كميل في عزلة رائعة. يأخذ الامام كميلاً من يده
الى خارج المدينة، ولما يصحر، يتنفس الصعداء، ثم يقول له: يا كميل ان هذه القلوب
اوعية فخيرها اوعاها.. يا كميل! هلك خزان الاموال وهم احياء، والعلماء باقون ما بقي
الدهر. اعيانهم مفقودة، وامثالهم في القلوب موجودة… ان ههنا (يشير الى صدره) علماً
جماً، لو اصبت له حملة!…
اللهم بلى، لا تخلو الارض من قائمٍ لله بحجة، اما ظاهراً مشهوراً او خائفاً
مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيناته. وكم ذا؟ واين اولئك؟ اولئك والله، الاقلون
عدداً والاعظمون عند الله قدرا. يحفظ اله بهم حججه وبيناته حتى يودعها نظراءهم
ويزرعوها في قلوب اشباههم. هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين،
واستلانوا ما استوعره المترفون وانسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا
بأبدان ارواحها معلقة في المحل الاعلى. يا كميل! اولئك خلفاء الله في ارضه، والدعاة
الى دينه. آه آه شوقاً الى رؤيتهم!".
هذا النص هو بحق رائعة عرفانية فريدة جداً، منه ومن روائع عرفانية اخرى صادرة عن
الائمة يستنتج كوربان متيقناً "ان التشيع يكوّن اساساً، وبحق باطن الدين الاسلامي
او معناه الداخلي؛ ان هذا الباطن او هذا المعنى الداخلي كان منذ البدء، وبصورة
كاملة، التعليم الذي لقنه الائمة لاصحابهم ( ص 164).
ومن بين الاحاديث التي تؤكد بإصرار على دعوة التشيع كهداية الى معتقد عالٍ وعلى
الحاجة الباطنة للتشيع وعلتها حديث ينص على ان "امرنا صعب مستصعب، لا يحتمله الا
ملك مقرب، او نبي مرسل، او مؤمن امتحن الله قلبه للايمان".
كما انه لامر جدير بالاهتمام والتأمل بكل عناية بالابيات التالية المنسوبة الى
الامام زين العابدين(ع):
اني لأكتم من علمي جواهره كي لا يـرى ذو جـهل فيفتتنا
فرب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي: انت ممن يعبد الوثنا
ولاستحل رجال مسلون دمي يرون اقبح مـا يأتونه حـسنا
"ثمة بذلك، رد على الذين ينكرون الباطن. لو كان تعليم الائمة لا يتعلق الا بشروحات
الشريعة، وللفرائض، كما زعم البعض ويزعمون، ما كان للأمر بالتقية معنى. بل على
العكس من ذلك، كما يلاحظ حيدر الآملي، لوجب اعلانها من منابر المساجد على الملأ
لانها امور للعلن. غير ان ما اراده الائمة في احاديثهم الواردة اعلاه، لم يكن كذلك،
بداهة" (ص 167)
الامامة والولاية
اذا كانت النبوة قد ختمت بمحمد(ص)، واذا كان "لا نبي بعدي"، فهل تنغلق
الانسانية على ذاتها وتنقطع عن العوالم العلوية؟ وهل ينضب المدد الغيبي الالهي ويكف
عن ان يكون عنصراً هدائياً للانسانية؟ ان الاجابة على هذه الاسئلة تكمن في مطاوي
الفلسفة النبوية (الحكمة النبوية) التي تميز بها التشيع. ان بنا حاجة ماسة الى
فلسفة نبوية، اذ لم يعد هناك من انبياء.
"اذا قيل انه ليس للرسالات النبوية الا معنى حرفي، وان مضمونها ينحصر في ظاهر قانون
اخلاقي واجتماعي، فان التاريخ الديني يكون قد اغلق، ما دام انه لن تكون شريعة جديدة
موحاة من الله. اما اذا كانت الرسالات تحمل بذاتها وفي نصها باطناً لم يكلّف النبي
لانه نبي بإظهاره للناس لتغير الوضع كلياً (ص85). وتلك هي المهمة التي توكل بها
التشيع الروحي الذي قال بان لكل ظاهر باطن، ولكل عالم مرئي (شهادة، ملك) عالم غير
مرئي (غيب، ملكوت)، لكل تنزيل (المعنى الحرفي للرسالة الدينية) تأويل (المعنى
الباطني، الحقيقة الداخلية المحتجبة في الرسالة)، لكل نزول (قوس النزول) صعود (قوس
الصعود) ولكل مبدأ معاد.. وتتجلى هذه العلاقة المتبادلة بين الظاهر والباطن في
العلاقة المتبادلة بين البعثة النبوية للمرسل من الله، والوظيفة الهدائية للإمام
بما هو ولي الله
"العمل النبوي هم اتمام التنزيل، وتجلية الظاهر، والمتبدي، أي الحرفية الوضعية
للرسالة الدينية. انه بالذات يسلّم، في التشيع، بعمل مكمل لـ"اتمام ارجاع" (تأويل)
هذا الظاهر الى حقيقته الروحية، الى فكرته الاصلية، او دلالته الباطنية. القيام
بهذا الارجاع، هو ما تعنيه اشتقاقياً لكلمة التأويل (ارجاع الامر الى اوله)، وهو ما
يعني: التمثل (او التأويل الروحي للرسالات. يبرز هذا التأويل اساساً في الهبة
اللدنية لولي الله (الولاية) او الوظيفة الهدائية للامام. بالقدر نفسه حيث الظاهر
والباطن في اعتماد متبادل، تكون الوظيفة النبوية ووظيفة الائمة الهدائية متداخلتين،
متضامنتين، غير منفصلتين (النبوة والولاية متلازمتان)"، (ص 87).
ووفقاً للاطروحة الشيعية، فان الولاية (بفتح الواو)، وليس الولاية (بكسر الواو)
تشكل اصل النبوة وجوهرها. وهي، في ماهيتها، تعني الاصطفاء الالهي منذ الازل، حصراً،
للأئمة الاثني عشر وتطهيرهم وجعلهم اولياء الله. وهي تنطوي ايضاً على عنصر المحبة
بل والتفاني في حبهم، لان حبهم هو التجلي الامثل للحب الالهي.
اذاً، الولاية، بما هي اصطفاء الهي وهداية روحية وحقيقة داخلية محتجبة، تشكل باطن
النبوة، وهذه تشكل باطن الرسالة. فالنبي قبل ان يصير رسولاً لا بد ان يكون ولياً
عارفاً. و"الولاية ارفع من النبوة والرسالة لانها تسبقهما ولانها اصلهما (ص 335).
واذا تم اقفال دائرة النبوة ولم يعد بالامكان من وجود نبوة تشريعية وشريعة جديدة،
فان ذلك يفتح دائرة الولاية وذلك بسبب حتمية تواصل الفيض الالهي واستمرار الرحمة
الالهية، لما لهذه الولاية من دور حاسم في الكشف عن المعنى الحقيقي للنبوة
التشريعية وللرسالة السابقة ولرفع الاختلال فيما بين اهل الكتب السالفة ايضاً.
اذا كان النبي قد اتى ولم يعد بين ظهرانينا، واذا كان "لا نبي بعدي"، واذا كانت
مهمته تبليغ النص الحرفي الظاهر، الشريعة، واذا كانت الشريعة فقط ليست هي كل ما اتى
به النبي اذ ان النص القرآني محال ذو وجوه، وله ظهر وبطن، ولبطنه بطن حتى سبعة
ابطن، فمن يهدي الناس الى تمامية الدين، ومن يحول دون ان يجمدوا امام الغلاف
الظاهري لهذا النور، ومن يهديهم الى باطنه الذي هو نوره؟
"ليس القرآن، يوضح الملا صدرا، كتاباً يقوم بعلمه عامة اهل النظر من الفضلاء، كيف
واكثر ارباب النظر واصحاب الفكر يعجزون عن مطالعة كتب الاوائل كأرسطو وافلاطون بل
تقصر اذهانهم عن فهم كلام مثل ابي علي (ابن سينا) وابي نصر (الفارابي) فكيف امكنهم
ان يعلموا القرآن وهو كتاب الهي وكلام رباني جاء من عند الله ونزل على قلب رسوله؟"
(ص 305)
اذن، كيف السبيل للخروج من اشكالية جمود القرآن على ظاهره وحرفيته؟ وما العمل حتى
يبقى النص القرآني نابضاً بالحياة ويجري مجرى الزمان، ومجرى الليل والنهار؟ تؤكد
النصوص الشيعية على وجود "القرآن الناطق" وهو الامام في قبالة "الامام الصامت" وهو
القرآن. "ان الامام، بما هو قرآن ناطق هو الهادي، الهادي المستمر الذي يرشد الى
المعنى الحقيقي للوحي القرآني، والذي يحفظ بذلك القرآن على حاله ككلام الهي حي…
وبعبارات اخرى، لولا ولاية اولياء الله الباقين في هذا العالم، ما كان لكتاب الله
مستقبل. ان حياة الامام وحياة القرآن في هذا العالم متكافلتان متضامنتان" (ص 384).
ان الوجود المستمر لحجة لازم ،لان الكتاب، القرآن، لا يمكن ان يكون وحده الحجة"
(305). ان الامام هو بعد النبي هو قيم القرآن، الحافظ لمعناه التام، الهادي الى
معناه الداخلي والمفسر الذي يعلم حقيقته.
وتتضافر تلك النصوص الروائية المقدسة التي تحكي عن ان الله ما ترك "ارضاً منذ قبض
آدم الا وفيها امام يهتدي به الى الله، وهو حجته على عباده، ولا تبقى الارض بغير
امام حجة لله على عباده" او "ان الارض لا تخلو من حجة، وانا والله ذلك الحجة، او
"لو بقيت الارض بغير امام لساخت" او "لو ان الامام رفع من الارض ساعة لماجت بأهلها
كما يموج البحر بأهله".
تربط هذه الاحاديث بين ضرورة حضور الامام وبين الانسانية في هذه الارض. الا ان هذا
الارتباط ليس بالضرورة ارتباطاً سياسياً اجتماعياً زمنياً فقط، بل هو ارتباط وجودي
غيبي قوامي. وبناءً عليه، فان السلطة التي يتمتع بها الامام ليست من نوع السلطنة
السياسية، بل هي "او غير ما يعالجه التاريخ الاجتماعي، انها سلطنة لا تقتضي
بماهيتها ضرورة نصر سياسي دنيوي او حتى فكرة هذا النصر، ولا فكرة ان الاكثرية على
حق بحجة انها تصنع التاريخ، انها تتعلق هنا بتاريخ يحدث من دون ان تعرف الاكثرية،
هي سلطنه روحية على العالم المرئي" (ص 386).
لا تنبثق سلطة الامام من توافق الارادات او انتخاب الاكثرية، تماماً كما هو شأن
سلطة النبي، لان مؤهلات الامام هي لدنية الهية عُلوية" اوليائي تحت قبابي لا يعرفهم
غيري". فسلطة الامام قائمة بذاتها من خلال هبة الهية، سواء اعترف بها الناس ام لا.
وسواء مارس الامام سلطة سياسية ام لا. كما انه ليس من الضروري ان يمارس الامام سلطة
دنيوية او سياسية كي يكون اماماً. فإمامته لا تخترم اذا لم يتولَ سدة الشؤون
السياسية في البلاد. لذا، فالائمة الاثنا عشر ليسوا في تنافس او خصومة مع أي سلالة
سياسية في هذا العالم، اذ ليس ثمة قواسم مشتركة. فالخصومة غير ممكنة الا بين عالمين
من المستوى نفسه. وما هنا لدينا عالمين مختلفين؛ عالم الملكوت الذي يشرف من علٍ على
عالم تنافساتنا.
فالدين، بما هو حقيقة روحية ومعرفة لدنية وتجلٍ للاسماء والصفات الالهية، هو، وليس
السياسة ،بما هي شأن حدثي جزئي آني متغير وبما هي تنظيم لشؤون الدنيا، مقوم
للإمامة. فيمكن ان توجد امامة من دون سياسة، لكن لا يمكن ان توجد امامة من دون سلطة
دينية. فالسياسة، بل كل الامور الزمنية هي قشور نسبة الى الامور الروحية والعلوية.
السياسة ظاهر الحقيقة الا ان الدين باطنها. اذاً، ليس ثمة الغاء للسياسة بل وضعها
في مكانها المناسب بحيث لا تلغي الدين اذ لا يمكن الغاؤه بالمعنى الذي ورد.
ولا يعني ذلك، باي حال من الاحوال، فصلاً للدين عن السياسة. فالتمحور هنا ليس
دائراً على مقولة فصل الدين عن السياسة، بل عن الجوهر المقوم للإمامة، بغيره لا
تكون للإمام وجود.
لكن، اليس هذا تعبيراً عن حالة تعويض عما فقده الائمة في المجال الزمني والدنيوي؟
يجيب كوربان موضحاً: "ثمة فلسفات تاريخ بائسة تتجه الى تفسير الانكفاء الى المجال
الروحي والآمال الاخروية كتعويض عن الحرمان في نظام سياسي. فضلاً عن ان هذا النوع
من التفسير يجهل تماماً ما يعالجه، يمكن ملاحظة ان القاضي سعيد كان يكتب في عز
الحقبة الصفوية حيث لم يكن مطروحاً، لدى التشيع، مسألة الحرمان في نظام سياسي. ولكن
بقدر ما يرد دائماً في الاحاديث من موضوعات دينية كان يتحادث بشأنها الائمة مع
اصحابهم، كان مفكرونا دائماً يعرفون ان معنى الامامة يسمو على كل واقعية سياسية في
هذا الدنيا، لان بعدها هو اساساً اخروي" (ص 125).
"ان الائمة في تشيعنا، ولانهم مظاهر الحقيقة المحمدية ومراياها وتجلياتها، لم يكن
سعيهم الى اعلامنا بأمور الدنيا، ولم تكن ولايتهم مؤسسة دنيوية؛ انهم صلتنا الروحية
بالعوالم الروحية. انهم يعبدون درب الصعود، حتى تنكشف الحجب ، كما ينقل عن
الطباطبائي (ص 411)
ان كوربان، بحلوله ضيفاً على التشيع واهل بيته ورجالاته، قد استطاع، على نحو فريد،
سبر اغوار التشيع في مجاله الاعمق والادق والذي ما زال في معظمه دفيناً وارضاً
بكراً والذي لم يعرض في الهواء الطلق حتى الان.
وبدراسته الجانب الروحي من التشيع الاثني عشري عن كثب والعيش بين ظهرانين علمائه،
وهو ما يمثل منتهى العلمية والموضوعية ربما، يكون قد جنب نفسه الاساءة الى او اساءة
فهم التشيع. وتلك هي المشكلة المحورية لغالبية الذين تصدوا، شرقاً وغرباً، لفهم
بنيوية التشيع، ممن اشبعوا حتى التخمة بالاحكام السلبية المسبقة مما جعل الفكر
الشيعي بكل مستوياته عرضةً اما للتهشيم او التهميش.
·
كوربان، هنري، عن
الاسلام في ايران: مشاهد روحية وفلسفية، نقله الى العربية وقدم له وحقق نصوصه نواف
الموسوي، بيروت، دار النهار للنشر، الطبعة الاولى آذار 2000.